آثار ومتاحف سورية خلال الأزمة في محاضرة لمديرها العام

07 تشرين الثاني 2012

الدكتور مأمون عبد الكريم

نظراً لكثرة المقالات التي نُشرت مؤخراً في المواقع الالكترونية والصحف حول وضع التراث الثقافي السوري خلال الظروف الراهنة، والتي تبالغ في الحديث عن تعديات وسرقات للكنوز والمواقع الأثرية السورية، فإن المديرية العامة للآثار والمتاحف تؤكد مجدداً أن مقتنيات جميع متاحف سورية سليمة ومؤمنة تأميناً جيداً ولم تتعرض للسرقة والتخريب، وأن التعديات التي حصلت إلى الآن هي في نطاق ضيق وفي المواقع الأثرية المفتوحة والبعيدة، وقد وضعت المديرية العامة للآثار والمتاحف استراتيجية لحماية المتاحف وإشراك المجتمع المحلي في حماية المواقع الأثرية.

وانطلاقاً مما سبق، فقد ألقى الدكتور مأمون عبد الكريم -المدير العام للآثار والمتاحف- محاضرة بعنوان «واقع الآثار السورية في ظل الأزمة الراهنة»، نظمتها جمعية أصدقاء دمشق في المركز الثقافي العربي بأبورمانة، مساء الاثنين 5 تشرين الثاني 2012.

قدم الدكتور عبد الكريم عدة محاور هامة منها تقييم الوضع الراهن للمتاحف السورية وما شاع عن سرقات لا أساس لها من الصحة، باستثناء سرقات اقتصرت منذ بداية الأحداث على قطعتين أثريتين، هما تمثال ذهبي يعود للفترة الآرامية من متحف حماة وقطعة حجرية رخامية من متحف أفاميا، إضافة لتعرض متحف حلب الوطني لخسائر مادية نتيجة التفجيرات التي ضربت ساحة سعد الله الجابري مؤخراً، وكذلك الحال في متحف دير الزور، وتعرضت متاحف التقاليد الشعبية في كل من حلب وحمص ودير الزور لأضرار مادية فقط. أما في قلعة جعبر، فقد سُرقت 17 قطعة من المدفن الأثري هناك، وسُرقت أيضاً موجودات متحف دورا أوروبوس (وهي نسخ وليست قطع أصلية)، كما خُرِّبت غرفتا الحراسة وقطع التذاكر؛ حيث يؤكد رئيس دائرة آثار معرة النعمان وأمين متحفها أن جميع قاعات المتحف سليمة ومقتنياته مؤمنة.

أما عن الإجراءات المتبعة لحماية المتاحف السورية، فقد أكد الدكتور مأمون عبد الكريم أن جميع المتاحف مؤمنة تأميناً جيداً، وقد زُوِّدت بعضها بأجهزة إنذار ووضعت أغلب مقتنيات المتاحف من القطع الأثرية في أماكن آمنة.

كما تناول الدكتور عبد الكريم وضع المباني والمواقع الأثرية في ظل الأزمة الراهنة والأضرار التي لحقت ببعض المواقع نتيجة الاشتباكات، منها مبنى مبرك الناقة في بصرى القديمة، ومعبد حوريات الماء في بصرى (المسمى شعبياً سرير بنت الملك)، حيث طالت الأضرار الساكف الوحيد المتبقي فوق الأعمدة، وجزء من قصر الزهراوي في حمص؛ كما تعرضت بعض القلاع لأضرار محددة ومحصورة في نقاط معينة، وهي قلعة المضيق وقلعة الحصن ومدخل قلعة حلب وقلعة شيزر. وفي حلب، احترقت على أقل تقدير مئات من محال أثرية بأسواق حلب القديمة، والتهمت النيران بضائع وأبواب بعضها الخشبية الجديدة، وذلك في أسواق الزرب والعبي والعتمة والعطارين والنسوان والصوف والصاغة جراء للاشتباكات العنيفة؛ كما تعرَّض الجامع الأموي الكبير في حلب لأضرار من الخارج والداخل، ولا زالت بحاجة إلى إجراء دراسات ميدانية علمية وفق أسس ومعايير أثرية، للوقوف على الحجم الحقيقي للضرر، من حيث درجة تأثير البنى المعمارية الأصلية والمرممة.

من ناحية ثانية، فإن النهب والتنقيب السري وتهريب الآثار من المواقع الأثرية المفتوحة موجود في كل دول العالم، ويزداد دائماً في فترة الأزمات حين ينشط لصوص الآثار، وهو أمر يصعب ضبطه بسبب غنى سورية الحضاري وثراء تراثها الثقافي، ما يحول دون إمكانية حماية أكثر من 10 ألاف موقع أثري. لذا فإن المديرية العامة للآثار والمتاحف تعوِّل كثيراً على استنهاض المجتمع المحلي في هذه المرحلة، حيث أشار الدكتور عبد الكريم لموضوع التنقيبات السرية غير المشروعة والتخريب في المواقع الأثرية ونشاط لصوص الآثار تحديداً في المواقع الأثرية الساخنة والبعيدة، لصعوبة تأمين الحماية مع نقص أعداد الحراس وبعدها عن المجتمع المحلي، فحصلت اعتداءات على مواقع التراث الثقافي، منها مسجل على لائحة التراث العالمي كمدينة حلب القديمة، وبصرى القديمة، وقلعة الحصن، وموقع تدمر، والقرى الأثرية القديمة شمال سورية. وقد وقعت أهم التعديات في أفاميا واللجاة. من ناحية أخرى، ومن خلال فحص عينات من بعض المصادرات، تبين أن حركة تزوير الآثار قد نشطت مؤخراً، إذ يعتمد لصوص الآثار إلى تزوير قطع ومحاولة تسويقها وبيعها على أنها قطع أصلية وأثرية. والمعلوم أن ظاهرة تزوير الآثار موجودة منذ سنوات، وهي جريمة يعاقب عليها القانون بصرامة، وتسعى المديرية لمواجهتها لكن الظروف الراهنة أدت إلى استفحالها مجدداً.

أما عن أهم استراتيجية الحماية المتبعة والتدابير والإجراءات الاحترازية لتطويق الاعتداءات على التراث الثقافي وإصلاح ما يحدث من تخريب، فقد عمدت مديرية الآثار والمتاحف إلى وضع أغلب القطع الأثرية في أماكن آمنة، وتركيب أجهزة إنذار في بعض المتاحف والقلاع، وزيادة عدد الحراس وتفعيل دور شرطة الآثار، وتبليغ الإنتربول عما فُقد أو عن كل ما انتشر على الهواتف النقالة من صور يُعتقد أنها للقى أثرية سورية غير مكتشفة وغير مسجلة، ربما وصل إليها لصوص الآثار عبر التنقيب السري غير المرخص في المواقع البعيدة، و التعاون مع اليونسكو لتبادل الرؤى والأفكار والمعلومات حول الوضع الراهن للتراث الثقافي السوري، إضافة إلى تعزيز مهارات عاملي المديرية في مجال حماية الممتلكات الثقافية المنقولة وغير المنقولة في الأوقات الحرجة.

وبيّن الدكتور عبد الكريم أن ومع بداية الأزمة فقد اُتخذت إجراءات بين وزارة الثقافة - المديرية العامة للآثار والمتاحف من جهة والجهات المختصة، كالجيش العربي السوري وقوى حفظ النظام والشرطة والجمارك والمحافظة والبلديات، لتأمين حماية المواقع الأثرية؛ وبفضل هذا التعاون تمت حماية مواقع عدة ومصادرة مسروقات أثرية، أهمها:
- مصادرة 580 قطعة أثرية في طرطوس.
- مصادرة 10 لوحات فسيفسائية وتمثال حجري يمثل هرقل في حماه.
- مصادرة 8 تماثيل جنائزية تدمرية.
- مصادرة ألواح رخامية ودمى وقطع فخارية ونقود أثرية في حمص.
- مصادرة 18 قطعة نقدية أثرية في دير الزور.
- ضبط 18 لوحة فسيفسائية على الحدود السورية-اللبنانية.

وعن الحملة الوطنية التي أطلقتها المديرية العامة للآثار والمتاحف، تكلم الدكتور عبد الكريم عنها قائلاً: «إن ثمار تضافر جهود جميع الجهات الرسمية المعنية بحماية التراث الثقافي السوري، تبقى قاصرة عن تحقيق الغاية المنشودة، إن لم يحتضن المجتمع المحلي هذا التراث ويعي أهميته وقيمته الفعلية، لأن أبناء المناطق القريبة من المواقع الأثرية هم الضامن الحقيقي الوحيد القادر على حماية هذه المواقع باستمرار مهما طال أمد الأزمة السورية، لذا اُطلقت حملة وطنية لإشراك المجتمع المحلي في حماية آثار سورية ضمن إطار حملة وزارة الثقافة (سورية .. بلدي)، حيث باشرت الحملة نشاطاتها على المستوى الإعلامي بتوزيع إعلانات طرقية تعكس هدف الحملة في كل المدن والمحافظات السورية، وسيتم تحديد التصاميم الإعلانية دورياً لضمان استمرار فعاليتها وتأثيرها، كما بدأ عرض مادة فيلمية ترويجية في المحطات التلفزيونية الوطنية تشجع السوريين على الدفاع عن الهوية الحضارية السورية، وغيرها من النشاطات التفاعلية مع مختلف شرائح المجتمع لخلق إحساس كل سوري أن المساس بهذا التراث هو تطاول على حضارته وتعدٍ على الهوية الوطنية بوصفها ملكاً لكل السوريين».


مازن عباس

اكتشف سورية

Share/Bookmark

مواضيع ذات صلة:

صور الخبر

من محاضرة واقع الآثار السورية في ظل الأزمة الراهنة في ثقافي أبو رمانة

من محاضرة واقع الآثار السورية في ظل الأزمة الراهنة في ثقافي أبو رمانة

من محاضرة واقع الآثار السورية في ظل الأزمة الراهنة في ثقافي أبو رمانة

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق