الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

01 أيلول 2011

المحتويات

.

مقدمة


لستُ أدري بمَ أبدأ حديثي عن شخص مثل شخص محي الدين بن عربي أو من هو معروف باسم «الشيخ الأكبَر». في الحقيقة، إن قلمي يطأطئ رأسه خجَلاً أمامَ هذه القامَة الروحية العليا. والحق أن هذا الشخص لو وُلِدَ في الهند لسمَّوْه هناك بالمهاتما أي «الروح العظمى»، أو باسم راما كريشنا التي تشير إلى المتَّحِد بالله الذي يُصبِح صورةً حيةً له على الأرض، هكذا يفكِّر الهندوس واليوغيون في الهند الروحانية.

تزداد حيرةُ قلمي، أفهل هذا الشخص من طينتنا نحن البشر أم من طينة إلهية؟! ولعلَّني لا أستغرب قوله بأنه خاتَمُ الأنبياء، لكن المشكل الذي يطرح نفسه أنني أراه أو يتراءى لي أكثر من وليّ، فهو شخص، كيان قائم في ذاته، منارةٌ من أعلى منارات الإسلام عبر التاريخ وفي الكون، منارة تشعّ حقائق وأسرار الإسلام، أو الأصحّ هو القول إن ابن عربي بحرٌ كوني يدفع بأمواجه على عتبات الكون الدُّرَر، والجواهر، وتفيض منه الأنوار!!

وأنا لستُ سوى دويدة صغيرة تحاوِل أن تستكشِف جبلاً، فماذا بوسعها أن تقول، وكل ما سوف تقوله سوف يظل القليل القليل.. لكن، ثمة واقِعَة استطعتُ تلمّسها عند ابن عربي ألا وهي ما هو أشبه بالعقدة الكونية التي يلتقي فيها الإسلام الشيعي بالإسلام السني، وأيضاً بالأديان كلها، وينتهي إلى إدراك حقيقة مفادها أن الشيعة والسنة هما وجهان لحقيقة واحدة هي الإسلام، لا يستطيع وجه واحد منهما احتكار الإسلام لنفسه، فهما وجهان يتكاملان ليجعلا من الإسلام منارةً كونية، ورسالة حضارية، فالتشيّع هو بشكل أو بآخَر إبراز الجانِب الصوفي من الإسلام كما نراه يتألّق في العرفان الإسماعيلي، والسنّة بدورها بإخلاصها وحبّها للرسول الكريم الذي يتحوّل ليصير تصوّفاً يتبع الشريعة، لكن هذه الأخيرة عمِل شيخنا الأكبر على تأويلها ليس من حيث التقليل من قيمتها وإنما إبراز الجانب الجوهري منها وإدراكه، الأمر الذي يجعل من الشريعة إطاراً لا أكثر نستطيع تلمّس الإلهي من خلاله، والحقّ أن رحيل ابن عربي إلى المشرق لم يأتِ عبثاً، فهو ترك الغرب، واتّجه إلى المشرق، ليؤكِّد لنا على عظمة المشرق الروحية، لأن الغرب قد غرق في أوحال المادة والترف والعنف ونسِيَ هو الأخير رسالته الحضارية التي أتى بها علماؤه وفلاسفته وفنانوه العظماء!!

ولكن، ما هي قصّة هذا المشرِق؟! إننا عندما نتحدّث عن الفلسفات الشرقية، فغالباً ما نتطرّق إلى الفلسفة العربية أو الهندية أو الصينية أو اليابانية، ولكننا ويا للأسف ننسى أمراً هاماً وأساسياً، ألا وهو الفلسفة الإيرانية التي تألّقَت على يد الملا صدر الدين الشيرازي في القرن السابع عشر، ولا ننسى أن إيران كانت نبعاً تدفّقَت منه أرواحٌ عظمى قديماً مثل زرادشت الذي ربما كان على أحر من الجمر بانتظار وصول إشعاع الإسلام مروراً بماني الذي أكرمته إيران آنذاك أيما إكرام، ومع وصول الإسلام أخيراً إلى إيران تدفّقَت ينابيع هائلة خرج منها السهروردي الإشراقي في القرن الثاني عشر، ولعل أحد معاصري ابن عربي كان روزبهان البقلي الشيرازي (تُوفّيَ سنة 1209م) وكان ممن يُسَمّون في عرف التصوف بـ «أرباب الهوى» وهو الذي مهّد إلى ظهور شاعر إيراني آخر اعتبره غوته الألماني أحد أعظم أربعة شعراء في العالَم ألا وهو حافظ الشيرازي، كما لن ننسى بالطبع أبي يزيد البسطامي بشطحاته الصوفية الشهيرة، ولن ننسى فريد الدين العطار النيسابوري الذي توفي سنة 1220م والذي حمَل جلال الدين الرومي حين كان طفلاً بين ذراعيه وتنبّأ له بمستقبل صوفي كبير، وترك فريد الدين العطار النيسابوري أثراً عظيماً في التصوف، وهو «منطق الطير». وبالفعل حصل ما تنبّأ به النيسابوري، فها هي ذي قمة من قمم الروحانية في الإسلام تتألق في شخص مولانا جلال الدين الرومي الذي أتى من فارس هرباً من اجتياح المغول، وتذكر بعض المراجِع بأنه تم لقاء بين هذين الجبَلين في بلاد الأناضول وأنا أقصد بالجبل الآخر الشيخ محي الدين بن عربي.

والحق أن آسيا الوسطى أو ما نسميها الآن بتركيا لم تعرف التصوف الحقيقي ولا حتى روحانية الإسلام، وكان تاريخها مفعماً بالمجازر التي ارتكبتها بحق شعوب أخرى، واشتهرَت بأطماعها في البلاد التي تجاورها، ومنها أتى العثمانيون الذين أغرقوا منطقتنا العربية بالظلمات على مدى عصور طويلة، وليس هذا فحسب بل إن ما يُسمّى الآن بتركيا قد قامت باحتكار مولانا جلال الدين الرومي على الرغم أن أعظمَ ما كتبَه (وهو «المثنوي») قد تمّ نظمه شعراً باللغة الفارسية، وانتماؤه إلى فارس لا إلى تركيا.


الشيخ الأكبر

نعود إلى وليِّنا ابن عربي فوجوده في بلاد الأناضول لم يكن له من معنى أكثر من حمله نور الإسلام الروحي إلى تلك البقعة الفقيرة روحياً، وبالتالي فإن مقامه بمدينة قونية كان له أهمية عظمى في مصير ووجهة الحياة الروحية للتصوف في المشرق الإسلامي بكامله. فهناك التقى تلميذه صدر الدين القونوي الذي كان صديقاً لمولانا جلال الدين الرومي. وتلميذ ابن عربي (أي صدر الدين القونوي) شاء أن يموت ويُسَجّى بثياب معلمه ابن عربي، هذا من جهة، ولن ننسى عظمة قامة ابن عربي حين نتذكّر أن شيخاً كبيراً في عالَم الصوفية والفتوّة والجهاد وهو الأمير عبد القادر الجزائري لم يشأ أن يُدفَن إلا إلى جانب من اعتبره معلِّمَه ومُلهِمَه الروحي، وهو الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي. وكان الأمير عبد القادر الجزائري قد علّمَنا أن الجهاد على أرض الواقِع ملازِم للجهاد الروحي للمتصوف، هذا الجهاد الذي يُسمّى بالفتوة في صوفية الملاماتية علماً أن الشيخ الأكبر كان قد اعتبر نفسه ملاماتياً. وعلّمَنا الأمير عبد القادر الجزائري معاني الفتوة بأن هنالك جهادين، جهاد زائف وهو عنف أناني لا يعرف معاني الجهاد والتضحية، ويأخذ معاني التعصب والأخذ بالثأر، وجهاد آخَر وهو الجهاد الحقيقي الذي يرتبِط بمعرفة العدو الحقيقي، ومواجهته ضمن حضور التجربة الصوفية، أي الوعي الذي انطلاقاً منه وحده فقط ندرك بأن الشيطان يتنكّر بهيئة ملاك من نور، وينفث فينا سموم البغضاء والتفرقة ويزيّن لنا بأنها جهاد وهي جهل لا جهالة بعده.

أعود إذن إلى نقطة كنت أشرت إليها، هي أن ابن عربي يشكل عقدة كونية يلتقي فيها التصوف الشيعي والعرفان الإسماعيلي بالتصوف السني، وليس عبثاً استضافة ابن عربي من قِبَل عائلة نبيلة إيرانية تنحدِر من أصفهان حيث التقى فتاة كانت ابنة الشيخ الذي استضافه، فمثّلَت هذه الفتاة لابن عربي ما مثّلَته بياتريس لدانتي، وكما يعبّر هنري كوربان «لقد كانت وظلّت بالنسبة لابن عربي المظهَر الدنيوي للصورة المتجلاة للحكمة الخالِدَة، وإليها يدين بتعلمه لمذهب العاشقين».

فكما أشرت، أنه في شخص ابن عربي يتصالَح التشيّع أو الشيعة مع السنة، ويلتقيان في ألَق صوفي. وفيما يسميه دارسو ابن عربي مرحلة النضج عنده، يشير هنري كوربان إلى بعض فصول كتاب «الفتوحات المكية» التي تعبق بالشذى الشيعي مثلما هو الحال في الفصل الرابع والثلاثين من طبعة القاهرة المجلد الأول الصفحة 195 والذي يتناول فيه «سر سلمان» (سلمان الفارسي أو سلمان بك) يقول هنري كوربان: «ابن عربي يربط بسلمان أولئك الذين يسميهم التصوف "أقطاباً" باعتبارهم ورثة له وهو يتأول بكلمات لا يمكن لأي شيعي إلا أن يصدق عليها، الآية 35 من سورة الأحزاب، التي هي أحد أسس التشيّع (وهي الآية التي تُقدِّس الأربعة عشر المعصومين: النبي الكريم، وابنته فاطمة، والأئمة الاثني عشرة)».

أخيراً وليس آخراً..
ماذا بوسعي أن أكتب أو أعبِّر عن عظيم وطأت قدماه تراب دمشق فحوّلَته ذهباً، لم يشأ ابن عربي أن يترك دمشق التي عاين بولس نور المسيح على أبوابها، دمشق التي قامت عليها مآذن الجامِع الأموي، والتي تكاد تصبح أسطورة للأساطير كلها، فشهِدَت علماء كبار وشيوخ طرق وأولياء وقديسين، لم يشأ هذا العظيم أن يترك دمشق جائعة فترك رفاته فيها ومع رفاته ترك بركته على هذه المدينة المقدّسَة، ولعلّه بين الحين والآخَر يطوف في سمائها، يحرسها أو يحرس العباد المخلصين والطيّبين والمسالِمين والودعاء من كل حدب وصوب، ولعله يذرف دموعاً روحية على ترابها ليجعله خصباً ويهيّئه لولادات روحية لا تنضب!!

ولعله تتناهى إلى مسامع قلوبنا وهو يردد أبياته الشهيرة لا في سماء دمشق فحسب بل في سماء سورية، وفي سماء الكون كله يقول فيها:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة ..|.. فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثانٍ وكعبة طائف ..|.. وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجّهت ..|.. ركائبه فالحب ديني وإيماني


سيرة حياته

ولادته


حين رأى أبو بكر محمد ابن العَرَبي (وهو الاسم الذي يُختصَر في ابن عربي) النور في مدينة مرسية بجنوب شرق إسبانيا يوم 17 رمضان من عام 560 للهجرة، الموافق ليوم 28 تموز 1165م، كان ذلك متزامناً مع التقويم الهجري للذكرى الأولى للإعلان عن «القيامة العظمى والبطشة الكبرى» في عَلَموت في إيران من قبل الإمام الحسن (مؤسساً بذلك الإسلام الروحاني الخالص للإسماعيلية الإيرانية الذي تم إصلاحه، وذلك يوم 17 رمضان 559 للهجرة، الموافق لـ 8 آب 1164م). وهو من أسرة عربية عريقة معروفة بالتقوى والعلم.


نشأته


وما أن بلغ الصبي سن الثامنة حتى انتقل ابن عربي مع أسرته إلى إشبيلية فَدَرَسَ هنالك القرآن والحديث والفقه على يد أحد تلاميذ ابن حزم، إمام المذهب الظاهري في الأندلس. وكان في الثامنة من عمره حين وصل إشبيلية.


مرضه


يذكر هنري كوربان عن مرضه هذا ما يلي: «في هذه الفترة بالضبط بدَت على ابن عربي علامات القدرة الاستشراقية. وقد ألمّ به المرض وأدخلته الحمى في حالة سبات وفتور عميقين. وخاله أهله ميتاً، فيما كان هو في عالمِه الباطني يرى نفسَه محاطاً بمجموعة من الشخصيات الخطيرة ذات المظهر الجهنمي. لكن، ظهر فجأة شخص ذو جمال رباني مضمخ بعطر عذب الرائحة فقهر بقوته الجبارة الكائنات الشيطانية. فسأله: من أنت؟، فأجاب: أنا سورة يس. والحقيقة أن أباه المسكين القلق على حياة ابنه كان يتلو تلك السورة بتلاوة خاصة بمن أتتهم سكرات الموت....». ويعلق كوربان «أن ذلك كان أول دخول لابن عربي في عالَم المثال، أي عالَم الصور الواقعية والباقية: عالَم الحساسية المعقولة».


وفاة والده


بدأ ابن عربي تتراءى له في أحلامه عذابات جهنم، وفي تلك الفترة توفي والده، وتجمّعَت الأسباب لديه ليسلك طريق التصوف، وهو لا يزال في إشبيلية.


ذهابه إلى الأندلس وتعلمه على يد الشيخة فاطمة بنت المثنى


كانت بلاد الأندلس وقتها تحت حكم الموحدين الذين أسسوا دولة مترامية الأطراف عاصمتها مراكش. وقد عاصر ابن عربي ثلاثة من خلفاء هذه الدولة هم: يوسف بن عبد المؤمن، ويعقوب المنصور، ومحمد الناصر.

كان الأندلس يغلي بالصراعات السياسية ضد القوى الأوروبية الآتية من الشمال مهدِّدَةً الوجود العربي في الأندلس. وفي الوقت نفسه كان الأندلس ساحة للحركات الفكرية العميقة المستنيرة، وللحوار الفكري بين التيارات المختلفة، وكان خلفاء الموحدين، وبخاصة يعقوب المنصور، على قدر وافر من التسامح وسعة الأفق، ورحابة الثقافة. وقد عرف البلاط الموحدي أعلاماً كباراً في الفكر من أمثال ابن طفيل وابن رشد وابن زهر وسواهم. وقد شهِدَ ابن عربي جثمان ابن رشد محمولاً على بعير ومعه حمل من كتبه.


ابن عربي

تتلمذ ابن عربي في التصوف على بعض أعلام عصره، وتعرّف إلى عجوز تدعى فاطمة بنت المثنى القرطبية. وهنا يذكر ابن عربي ذكرياته مع هذه الشيخة في كتابه «الفتوحات المكية»، القاهرة، 1329، المجلد2، ص348، كما يشير كوربان: «هذه الشيخة الصالِحَة، بالرغم من تقدمها في السن ظلت على قدر فائق من الجمال والنضارة بحيث يخالها المرء صبية ابنة الأربعة عشر ربيعاً (هكذا!)، إلى درجة أن ابن عربي الشاب لم يكن يستطيع أن يخفي احمرار وجهه حين كان عليه أن ينظر إلى وجهها مباشرة. وكان لهذه الشيخة العديد من المريدين، كان ابن عربي لمدة عامين مريداً من بينهم. ومن الكرامات التي حبتها بها العناية الإلهية أن سورة الفاتحة كانت في خدمتها. ففي حالة استعجال يكون فيها من الضروري الرحمة بامرأة بحاجة للمعونة، كانوا يتلون الفاتحة جماعة فيمنحونها صورة مجسّدَة وإن لطيفة وأثيرية. تقوم السورة بمهمتها، وبعدها تتلو السيدة الصالحة دعاء ينم عن تواضعها الكبير». وغالباً ما كانت الشيخة الصالِحَة تقول للمريد الشاب: «أنا أمك الإلهية ونور أمك الترابية». وفعلاً، كما يحكي ابن عربي: «إذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبريه ولا تعقيه». وكما يردف كوربان أن هذا هو الوصف نفسه، أي «أم أبيها» هو الوصف الذي أطلقَه النبي الكريم على ابنته فاطمة الزهراء. ويتابع كوربان: «ولكي تكون الشيخة الصالحة، التي تحمل اسم بنت النبي الكريم، قد سلمت بهذه الطريقة على أم ابن عربي، فذلك يعني أنه كان لها حدس قوي بالمصير الاستثنائي الذي ينتظر المريد الشاب».

وعند بلوغه السنة العشرين أي أنه دخل نهائياً في الطريقة الروحانية وتعلم أسرار الحياة الصوفية، تمثلت له شخصية «الخضر» وأصبح ابن عربي تلميذاً لشيخ لا مرئي، هو الشيخ الباطني. وهكذا صار ابن عربي قبل كل شيء تلميذاً للخضر، ملامحه تجعل منه تارة النبي الياس وأخرى القديس جرجس وغيرهما الكثير. والحق أن كل المتصوفة الذين ليس لهم مرشد مرئي ، أي رجل دنيوي مثلهم هم معاصروه ، يُدعَوْن بالأويسيين[1].


بدايات رحلاته


غادر ابن عربي إشبيلية في جولة على مدن الأندلس والمغرب. فزار قرطبة، وبجاية. حيث التقى ابن الحسن الإشبيلي المعروف بأبي مدين، وهو المتصوف المشهور في التاريخ الإسلامي، كما زار تلمسان وتونس، وأقام بعض الوقت في فاس. وعاد إلى الأندلس فزار بعض مدنه، وعاد إلى المغرب حيث زار مراكش عاصمة الموحدين وعاودته الرؤى والأحلام، ثم قصد بجاية ثانية وهي من أعمال الجزائر اليوم، وتطورت رؤاه إلى منام رأى فيه أنه تزوج جميع النجوم والكواكب، ثم أضيفت إليها الحروف فتزوجها كلها أيضاً.


رحلته إلى المشرق على أثر رؤيا شهودية


«وقد قرَّ القرار على الرحيل إلى المشرق إثر رؤيا شهودية: فقد رأى ابن عربي العرش الإلهي تشدّه أعداد لا تحصى من أعمدة النار الملتهبة. ومنحنى العرش الذي يخفي كنوزه التي ليست غير آدم الروحاني، ترمي بظل يحجب نور ذلك الذي يجلس على العرش ويجعل تلك النار قابلة للنظر. وفي لطافة هذا الظل تسود طمأنينة يعجز اللسان عن وصفها. (تشخص هذه الرؤيا إذن، وبشكل دقيق سر التجسد الإنساني للحق، في العالَم السماوي، وهو أساس فكرة التجلّي الإلهي، وجدلية الحب، وأيضاً الإمامية الشيعية). وثمة طائر أجمل من كل طيور السماء يحيط بالعرش من جميع الجهات. وهو الذي يبلغ الرائي الأمر بالرحيل إلى المشرق، وسيكون هو رفيقه ومرشده السماوي»[2].

«ومع هذه الرحلة تبدأ المرحلة الثانية من الحياة السائحة لشيخنا. فبين سنوات 597هـ (1200م) و620هـ (1223م)، ستقوده خطاه في مختلف مناطق الشرق الأوسط حيث توجه إلى مصر ومنها إلى الحجاز والعراق حيث اجتمع بالشيخ عمر السهروردي اجتماع صمت لم يتكلما فيه. ولما افترقا وسئل عنه السهروردي قال: بحر الحقائق. وقال هو عن السهروردي: مملوء سنة من الرأس إلى قدمه. وذهب إلى الموصل قبل ذلك ثم إلى حلب ثم صعد إلى الأناضول وتزوج هناك من لَفوت فربى ولدها على التصوف حتى استحكم فيه وعُرِفَ بالقونوي نسبة إلى قونية التي حل فيها مربيه. وعاد إلى حلب واجتمع بحاكمها الظاهر غازي بن صلاح الدين وكان قد قتل الفيلسوف السهروردي بأمر من والده خضوعاً لفتوى عن فقهاء حلب. والظاهر غازي لم يكن راضياً عن قتل السهروردي وقد اغتنم الفرصة فيما بعد فنكّل بالفقهاء الذين قدموا التقرير المشؤوم إلى والده. وأخيراً ألقى الشيخ في دمشق عصا الترحال حيث سيقضي السنوات السبع عشرة الأخيرة من حياته في سلام وطمأنينة وإنتاج غزير. وحين بلغ ابن عربي مكة، المحطة الأولى في رحلته سنة 598هـ (1201م)، كان في السادسة والثلاثين من عمره».

ومن الجدير ذكره بأن إقامة الشيخ ابن عربي في مكة ثلاث سنين تعرف خلالها إلى إمام الحرم المكي المعروف بأبي خاشه. وتعرّف إلى ابنته «نظام» التي دان إليها بتعلمه مذهب «العاشقين».


ملاحظات حول رحلة المشرق


سنقوم هنا بتوضيح بعض التفاصيل في رحلته إلى المشرق كما يرويها هنري كوربان في كتابه «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي»:

1) تلميذ الخضر:
«لم يبق لنا سوى أن نتطرق في حياة ابن عربي لبعض الذكريات المتعلقة بلقاءاته مع الخضر. ويفصح فصلان من شبابه عن حضوره الضمني في وعيه، وهو حضور يفصح عن نفسه بتفانٍ لم ينضب معينه أبداً لأنه متأصل في معنى شخصه وحياته، وسيبلغ أوجه في اليوم الذي سيرتدي فيه ابن عربي في بستان الموصل وبطقوس مغلفة بالأسرار، خرقة الخضر، من يد صديق أُلبِسَ إياها هو أيضاً في بالموضع نفسه وكان قد لبسها مباشرة من الخضر.

وسيحدث له لقاء لن ينساه وهو لا يزال يافعاً وطالباً بإشبيلية، لكن ابن عربي لن يتعرف على الشخص الذي التقى به إلا بعد ذلك. كان قد خرج لتوه من درس لشيخه أبي الحسن العريبي، الذي كان له معه جدال حاد في حق شخص فضله النبي بتجليه له. ولم يتنازل التلميذ عن مواقفه، فانصرف عنه وقد ألم به بعض الغضب والغمة. وفي منعرج إحدى الطرق، لقِيَه رجل لا يعرفه فسلّم عليه سلام المحب وقال له: يا محمد صدق الشيخ أبا العباس فيما ذكر لك عن فلان. وسمى له الشخص. ورجع الشاب من حينه إلى الشيخ ليُعَرِّفَه بما جرى، فلما دخل عليه، قال له متوقعاً كلامه: يا أبا عبد الله، أحتاج معه إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر. يتعرض إليك يقول لك صدق فلاناً فيما ذكره لك؟ فعلم ابن عربي أي شخص لقي ذلك اليوم. وبعد ذلك بمدينة تونس بالمرسى في مركب بالبحر وهو بالحفرة وكان قد ألم به وجع في البطن وأهل المركب قد ناموا، فقام إلى جانب السفينة وتطلع إلى البحر، فرأى شخصاً على بعد في ضوء القمر، وكانت ليلة البدر، وهو يسير على وجه الماء حتى وصل إليه ولم تبتل قدماه. فحدثه بما كان لديه من كلام، ثم انصرف نحو المنارة جهة الشاطئ للاعتزال قاطِعاً المسافة في خطوتين أو ثلاثة. وفي الغد، لما جاء المدينة، لقي رجلاً صالحاً فقال له: كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر؟»[3].

وأخيراً لبس ابن عربي خرقة الخضر في سنة 601هـ (1204م)، أي في التاسعة والثلاثين من عمره.

2) مرحلة النضج:
مع دخول ابن عربي عامه الخمسين دخل سن النضج الكامل. فسنتان بعد لبس الخرقة في بستان بضواحي الموصل أي (عام 1204م) انتقل للقاهرة بمعية ثلة من المتصوفة بعضهم كان من الأندلس. وكما يروي هنري كوربان[4] أنه «وفي ليلة من الليالي، كان ابن عربي يشهد رؤيا يبدو أنها تستعيد بعض عناصر الرؤيا التي يستهل بها كتاب الفتوحات. فقد رأى كائناً رائع الجمال يدخل مسكنه ويخبره بأنه رسول الحق إليه. وما أوحى له به هذا الرسول السماوي صار هو عقيدته ومذهبه. لكن سرد هذه الرؤى وتبيان دروسها بـ "لغة سرية" أمر، والقيام بتلميحات فاضحة تصل إلى آذان الفقهاء اللاقطة، أي فقهاء القاهرة، فذلك أمر آخر. أكيد أن ابن عربي أنِفَ من هؤلاء الفقهاء، بل إنه لا يخفي البته القرف الذي يثيره فيه غباؤهم وجهلهم وفساد أخلاقهم، لكن ذلك لم يكن أحسن وسيلة لدفعهم إلى مواقف موالية له. وتفاقمت الأمور واحتدمت. وبلغ الأمر حد الاتهام والاعتقال، وأصبح شيخنا معرضاً لخطر الموت. إنها لحظة حاسمة يتواجه فيها مباشرة التعارض الصارخ بين الإسلام الروحاني للتصوف والإسلام الرسمي. وبعد أن تدخّل أحد أصدقاء ابن عربي من المشايخ لتخليصه من هذه الورطة الوخيمة العواقب، لم يعد له غير هم واحد، أن ينجو بجلده خارج القاهرة، بعيداً عن هؤلاء الفقهاء المتزمتين الحاقدين. لكن إلى أين الملاذ؟ فكاد أن عاد ابن عربي إلى مكة (عام 1207م)»[5].


مقام الشيخ الأكبر ابن عربي في دمشق

بعد ذلك بثلاث سنوات (1210م) سنجد ابن عربي على مقربة من جبال الأناضول بمدينة قونية، وكنا ذكرنا بعض تفاصيل معنى وجوده هناك في المقدمة، واستمر ابن عربي في التقدم نحو شرق الأناضول. فقد قادته قدماه حتى أرمينية على ضفاف الفرات، ثم في ديار بكر. ولم يبق له إلا القليل كي يدخل بلاد فارس، ويذكر هنري كوربان أنه دخلها بطريقة أخرى، غير مرئية وأكثر ديمومة. وذهب إلى بغداد سنة 1211م، وفي عام 1214م كان به مقام جديد في مكة حيث أن «ترجمان الأشواق» كان شارح أحواله الوحيد، وكي يداري خصومه التقليديين من الفقهاء، ويفحِم نفاق رقابتهم ضد الديوان، حيث أنشد منذ ثلاث عشرة سنة قبل ذلك، حبه للفتاة صورة الحكمة. ثم إننا سنلقى شيخنا بحلب، حيث سيربط الصداقة بالأمير الملِك الظاهِر، أحد بنوة صلاح الدين الأيوبي، ذلك الذي كان قبل عشرين سنة من ذلك صديق السهروردي وكان قرينه في العمر، وحاول بلا جدوى فكّه من بين أيدي الفقهاء ومن أيدي أبيه نفسه.


وصوله إلى دمشق


«وأخيراً، ومن بين كل الأمراء الذين سعوا إلى اجتذاب ابن عربي، ذلك الرجل الرائع، الذي وسعَت شهرته آفاق المشرق، اختار أن يحقق رغبة حاكم دمشق، ففي دمشق استقر عام 1223م، وقضى بها السبعة عشر عاماً الأخيرة من عمره.

ضريح ابن عربي في دمشق

وعاش الشيخ في دمشق محاطاً بعائلته ومريديه العديدين، يرفل في الاستقرار المادي وطمأنينة البال. ويمكنه ذلك من ثم استكمال تآليفه، إذا كان لمؤلفات من قبيل تلك أن يكون لها حد أو منتهى»[6].


وفاة ابن عربي


تُوُفّيَ ابن عربي في طمأنينة في دمشق يوم 28 ربيع الثاني 638هـ (الموافق لـ 16 تشرين الثاني 1240م) محفوفاً بأفراد عائلته وصحبه ومريديه. ودُفِنَ بشمال دمشق، في أحواز الصالحية في سفح جبل قاسيون. انتهى مسار حياته بعد أن ظل وفياً وبصدق لمعياره الباطن، والمكان نفسه الذي دُفِنَ به ابن عربي، ذلك الذي لا يزال مدفوناً فيه مع رفات ابنيه، ظل مزاراً اعتبره المسلمون مكاناً يقدسه جميع الأنبياء خاصة منهم الخضر.


أعماله


ألف ابن عربي أربعمئة كتاب ورسالة. والرسالة عند القدماء قد تكون كتاباً متوسط الحجم وقد تكون مقالة مما نكتبه اليوم في الدوريات. لكن ما يناهز حجم الكتاب من أعماله كثير ويعد بالعشرات. نذكر منها:

1) «الفتوحات المكية»: ضمّنَه ما فُتِحَ عليه من الأفكار في مكة. ويقع في عدة مجلدات تختلف باختلاف طبعاتها. وأحدث طبعاتها لبنانية في ثماني مجلدات كبار مع مقدمة دراسية جيدة كتبها محمود مطرجي. وأقدم طبعاته في مصر عام 1910 بتوصية من الأمير عبد القادر الجزائري. ويُقسَم الكتاب إلى ستة أقسام هي:
أ) المعارف.
ب) المعاملات.
ت) الأحوال.
ث) المنازل.
ج) المغازلات.
د) المقامات.
وهذه الأقسام موزعة على خمسمئة وستين فصلاً تسبقها مقدمة ضخمة. ومن قوله في المقدمة:
[الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه، وأوقف وجودها على توجه كلمه، لنتحقق بذلك سر حدوثها وقدمها من قِدمِه، ونقف عند هذا التحقيق على ما أعلمنا به من صدق قدمه...]
2) «فصوص الحكم»: وهو من أنفس مؤلفاته بعد الفتوحات ويقع في مجلد واحد طبع عدة مرات آخرها باعتناء أبو العلا عفيفي مع شروح ضافية على الفصوص. ويعتبره النقاد أعمق كتبه وأكثرها تركيزاً وتلخيصاً لآرائه الصوفية. وهو عرض مكثف لرأي الشيخ ابن عربي في وحدة الوجود وخلاصة معارفه الواسعة في القرآن والحديث وعلم الكلام والفلسفة بمذاهبها الأفلاطونية الحديثة والرواقية والمشائية وإخوان الصفا والأشاعرة والمعتزلة ومن سبقه من المتصوفين.
3) «تفسير ابن عربي»: وهو تفسير ضخم للقرآن الكريم.
4) «محاضرة الأبرار».
5) «ترجمان الأشواق»: وشرحه المعروف باسم «ذخائر الأعلاق».
6) «الأحاديث القدسية».
7) «كتاب الأرواح».
8) «كتاب التجليات الإلهية».
9) «كتاب الروح القدسية».
10) «الحكمة الإلهامية».
11) «ديوان الشيخ الأكبر».
12) «ماهية القلب»، تحقيق: قاسم محمد عباس، دار المدى، الطبعة الأولى، 2009.


تأليفه لكتب «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية»


كتب ابن عربي فصوص الحكم إثر رؤيا منامية حصلت له عام 627 للهجرة (1230م). فقد «ظهر النبي الكريم لابن عربي، وبيده كتاب أفصح له عن اسمه وأوصاه أن يخرج به إلى الناس لينتفعوا به». والأنبياء السبعة والعشرون الذين خصصت لهم فصوص الكتاب لم يؤخذوا في واقعيتهم المحسوسة باعتبارهم شخصيات تاريخية. إنهم موضوع تفكر وتأمل باعتبارهم تمثيلات «للحكمة» التي يشكل اسمهم فيها إشارة وعنوانا، أو إنهم يحددون نبرة تلك الحكمة. فخاصية حكمة كل نبي من الأنبياء يلزم إرجاعها إلى فرديتهم الميتافيزيقية و«عينهم الثابتة». وهذا الكتاب من دون شك أفضل موجز للمذهب الباطني لابن عربي، وقد كان له تأثير فاق التوقعات والآفاق. فقد كان موضع العديد من الشروح في كل لغات الإسلام، سواء في الإسلام السني أم الشيعي، ويمكن للدراسة المقارنة لتلك الشروح أن تقدم لنا دروساً قيّمة في هذا المضمار.

من كتب الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

ويشير هنري كوربان إلى ما يلي: «وكان الشيخ لا يزال لم ينته من كتاب الفتوحات المكية، هذا الكتاب الذي قيل عنه إنه "إنجيل الباطنية في الإسلام" (مثلما المثنوي لجلال الدين الرومي بـ"القرآن في اللغة الفارسية"). وعنوانه الكامل هو: الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية. وترجع فكرة الكتاب الأولى إلى المقام الأول بمكة، وهي ترتبط بحالات الإلهام والرؤى الشهودية التي انبثقت في نفس المؤلف خلال الطواف على الكعبة، سواء تعلق الأمر باستبطان الشعيرة المنجزة جسمانياً، أو بتكرارها الذهني. وقد ركزنا على الرابط بين لحظات الكشف والتجلي هذه، التي تنبثق حول كعبة متحولة ذهنياً، ومدركَة خيالياً ومحققة باعتبارها "مركز العالَم": ظهور الحكمة وهي تنبثق من عز الليل، رؤيا الفتى الأمرد الصوفي وهو يخرج من الصخر، والرؤيا التي هي أصل كتاب الفتوحات المكية».


تأليفه لديوان «ترجمان الأشواق»


أما عن ظهور الحكمة وهي تنبثق من عز الليل، وكما يقول هنري كوربان: «وحين نتأمل الحدث المركزي لهذا الاستهلال، نفاجأ بدءاً بـ "تشكيلة المكان": فالوقت ليل، والمؤلف يطوف بالكعبة. لقد حضرت المؤلف وهو يمشي على الرمل بعض الأبيات التي أنشدها. لم يشعر إلا بتجلِّ كائن لم يفطن له فيما قبل، سوف تمكّننا الحكاية من أن نتعرّف فيه على الصورة العينية المحاطة بهالة سماوية. فتحدّثَت إليه بلهجة تنمّ عن مصدرها الإلهي وبتأنيب قاس يكشف عن سر الديانة الحِكَميّة للحب.
غير أننا نربح من ذلك سبيل فك حروف مجمل قصيدته باعتبارها احتفاء بلقاءاته مع الحكمة الصوفية، وباعتبارها سيرته الذاتية الباطنية، على إيقاع قلقه ومسراته.

يقول الشاعر: "كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي وهزّني حال كنت أعرفه فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات أنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني لو كان هناك أحد، وهي قوله:
ليت شعري هل دروا ..|.. أي قـلب ملـكوا
وفؤادي لـو درى ..|.. أي شـعب سـلكوا
أتـراهم سـلموا ..|.. أم تراهم هلـكـوا
حار أرباب الهوى ..|.. في الهوى وارتبكوا

فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهاً ولا أعذب منطقاً ولا أرق حاشية ولا ألطف معنى ولا أدق إشارة ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالاً ومعرفة».

يقول هنري كوربان: «إن المرأة التي يمنحها الشاعر وظيفة ملاكية، لأنها بالنسبة له التمظهر المرئي للحكمة الخالدة، تمتلك من حيث هي كذلك وجوداً بالتجلي. ومستنتِجاً أنها تنتمي لبلاد الروم، أي إلى المسيحية الإغريقية والبيزنطية. والحقيقة أن هذه التداعيات الذهنية لها نتائج بعيدة المدى على حكمة مؤلفنا. بيد أن النقطة الأولية التي تهمنا هنا هي أن الصورة المتجلاة قد تم التعرف عليها باعتبارها صورة الحكمة أو الحكمة الإلهية، وبهذه المرجعية والمرتبة سوف تخبر محبوبها».

يتابع هنري كوربان: «وإذن فإن الكائن الذي يحمل في طبيعته وظيفة الجمال المتجلي تلك هو الذي سيقدم الصورة الأكمل للألوهية. ومن هذا الحدس ستنبع فكرة الأنوثي الخلاق، لا كموضوع فقط وإنما باعتباره صورة مثالية للعبادة التفاعلية للعاشق. فتوافق الروحاني والمحسوس كما يتحقق في تلك الصورة سيقود إلى مفارقات رائعة، ومن ثم تنبع صورة مريم باعتبارها نموذج المتصوف، الذي يحدد ملامح "الحكمة العيسوية" التي لا تزال تختفي تحت رموز وإشارات "ترجمان الأشواق"، ذلك أنها هي التي تملك في الواقع سر الربوبية».


ديوان ابن عربي

أما هذه الملامح من «الحكمة العيسوية» فنراها تتألق في قصيدته «ما رحلوا يومَ بانوا» في ديوانه «ترجمان الأشواق» حيث يقول:

ما رحلوا يومَ بانوا البُزَّلَ العِيسا ..|.. إلا وقد حملوا فيها الطواويسَا
من كلِّ فاتكةِ الألحـاظِ مالِكَـةٍ ..|.. تخالُها فوق عرشِ الدُّرِّ بلقيسا
إذا تمشَّت على صرحِ الزجاجِ ترى ..|.. شمساً على فلَكٍ في حِجرِ إدريسا
تحيي، إذا قتلَت باللحظ، منطِقَها ..|.. كأنها عندما تُحيي به عيسى
توراتُها لَوحُ ساقيها سناً، وأنا ..|.. أتلو وأدرسُها كأنني موسـى
أُسقُفةٌ من بناتِ الرومِ عاطِلةٌ ..|.. ترى عليها من الأنوارِ ناموسا
وحشيةٌ ما بها أُنسٌ قد اتَّخذَت ..|.. في بيتِ خلوتِها للذكرِ ناووسا
قد أعجزت كلَّ علاّمٍ بمِلّتنـا ..|.. وداوُديّـاً، وحِبراً ثم قسـّيسـا
إن أومأت تطلب الإنجيلَ تحسبُها ..|.. أقسّةً، أو بطاريقاً شـماميسـا
ناديتُ، إذ رَحلت للبين ناقتَها: ..|.. يا حادي العيسِ لا تحدو بها العيسا
عَبّيتُ أجيادَ صبري يوم بينهمُ ..|.. على الطريق كراديسـاً كراديسـا
سألتُ إذ بلغَت نفسي تراقيها ..|.. ذاك الجمالُ وذاك اللطف تنفيسـا
فأسلمَت، ووقانا الله شِـرَّتها ..|.. وزحزح الملك المنصور إبليسـا

الشرح:
البيت الأول:
فيها بمعنى عليها، والبُزَّل: الإبل المسنّة، ورحلوها: جعلوا رحالها عليها، والطواويس: كناية عن أحبته شبههم بهن لحسنهن.
المقصد: البُزّل: يريد الأعمال الباطنة والظاهرة فإنها التي ترفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى كما قال تعالى: {والعمل الصالح يرفعه} والطواويس المحمولة فيها أرواحها. فإنه لا يكون مقبولاً، ولا صالحاً ولا حسناً إلا حتى يكون له روح من نية عاملة، أو همته وشبهها بالطيور لأنها روحانية، وكنى أيضاً بالطواويس لتنوع اختلافاتها في الحسن والجمال.

البيت الثاني:
الفتك: القتل في خلوة، مالكة: حاكمة، تخالها: تحسبها، العرش: السرير، بلقيس: المذكورة في القرآن في قصة سليمان عليه السلام.
المقصد: يقول: من كل حكمة إلهية، حصلت للعبد في خلوته، فقتلته عن مشاهدة ذاته، وحكمت عليه، فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدر يشير إلى ما تجلس لجبريل، والنبي عليهما السلام، في بعض إسراءاته في رفرف الدر والياقوت عند سماء الدنيا، فغشى على جبريل وحده لعلمه بمن تجلى عليه في ذلك الرفرف الدر وسماه بلقيساً لتولده بين العمل والعلم فالعمل كثيف، والعلم لطيف كما كانت بلقيس متولدة بين الجن والأنس، فإن أمها من الأنس وأباها من الجن ولو كان أبوها من الأنس، وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم، وكانت تغلب عليها الروحانية، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا.

البيت الثالث:
المقصد: ذكر صرح الزجاج لما شبهها ببلقيس وشبه الصرح بالفلك وكنى بإدريس عن مقام الرفعة، والعلو، وكونها في حجره: أي في حكمة من جهة تصريفه إياها، حيث يريد كما قال: «لا تعطوا الحكمة غير أهلها» فلولا الحكم عليها ما صاح التحكم فيها بخلاف المتكلم بغلبة الحال عليه فيكون في حكم الوارد. فينبه في هذا البيت على تمكنه ميراثاً نبوياً فإن الأنبياء، يملكون الأحوال، وأكثر الأولياء تملكهم الأحوال وقرن الشمس، وإدريس لأنها سماؤه، وشبهها بالشمس دون القمر، تفريقاً بمقام هذه الحكمة من غيرها فكأنه يقول: قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب صاحب التجريد أثمرت فيه أحوالاً حساناً ومعارف مختلفة، وإذا وردت على قلب متعشق بما حصل فيه من المعارف أحرقتها، وأذهبتها، وذكر المشى دون السعي وغيره لنخوتها وعجبها وانتقالها في حالات هذا القلب من حال إلى حال بضرب من التمكن.

البيت الرابع:
المقصد: نبه على مقام الفناء في المشاهدة بقوله: قتلت باللحظ، وكنى بالإحياء عند النطق لتمام التسوية لنفخ الروح، ووقع التشبيه بعيسى عليه السلام، دون التشبيه بقوله: {ونفخت فيه من روحي} أو بقوله: {أن نقول له كن}، وجهين: الوجه الواحد: الأدب، فإنا لا نرتفع إلى التشبيه بالحضرة الإلهية، إلا بعد أن لا نجد في الكون من يقع التشبيه به فيما قصده، والوجه الآخر، أن عيسى لما وجد من غير شهوة طبيعية، فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر، وكان غالباً عليه على الطبيعة بخلاف من نزل على هذه المرتبة، ولما كان الممثل به روحاً في الأصل، كانت في قوة عيسى إحياء الموتى ألا ترى السامري لمعرفته أن جبريل محدث الحياة حيث سلك، أخذ في أثره قبضة فرماها (في العجل) فخار وقام حياً.

البيت الخامس:
الساق هنا: جيء أي جاء به لما كنى عن بلقيس، والصرح، وكانت قد كشفت عن ساقيها، أي بينت أمرها، ومنه {يوم كشفت عن ساق} الأمر الذي يقوم عليه شأن الآخرة، ومنه {والتفت الساق بالساق} أي التفت أمور الدنيا بأمور الآخرة والتوراة: من ورى الزند، فهو راجع إلى النور، وينسب إلى التورية أن لها أربعة أوجه، فشبه ساقها بالتورية في الأربعة أوجه والنور، والأربعة هم الذين يحملون العرش الآن، وهي الكتب الأربعة، وستأتي الإشارة إليها في مناظرتها مع أصحاب الكتب الأربعة في هذه القصيدة.
فكأنه يقول: إن أمر هذه الحكمة قام على النور، ولذا قال: سنا فإن النور الذي وقع عليه التشبيه: إنما وقع بأربعة: المشكاة، والمصباح، والزجاجة، والزيت المضاف إلى الزيتونة المنزهة عن الجهات الثابتة في خط الاعتدال، ولما كنى عن ساقيها بالتوراة، احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من التلاوة والدرس، وذكر من أنزلت عليه، وأتلو هنا: أتبع وأدرسها: أي أطأ أثرها فيتغير بصفتي كما يطأ أحدكم (أثر) غيره بوطئه إلى شكل ما وطئه به، فإن الدرس التغيير.

البيت السادس:
الأسقف: عظيم الروم، والعاطلة: الخالية من الحلى والناموس: الخير.
المقصد: يقول: إن هذه الحكمة عيسوية المحتد ولهذا نسبها إلى الروم، وقوله: عاطلة (أي)، هي من عين التوحيد ليس عليها من زينة الأسماء الإلهية أثر فكأنه جعلها حكمة ذاتية لا أسمائية ولا صفاتية لكن يظهر عنها من الخير المحض، ما يكنى عنه بالأنوار، وهي السبحات المحرقة التي لو رفع سبحانه الحجب النورانية والظلمانية – لأحرقت سبحات وجهه فهذه السبحات (هي) التي كنى عنها بالأنوار التي في قوة هذه الحكمة العيسوية فهي الخير المحض إذ هي الذات المطلقة.

البيت السابع:
الناووس: قبر من رخام كانت ملوك الروم تدفن فيها.
المقصد: يقول إن هذه الحكمة العيسوية لا يقع بها أنس، فإن مشاهدة الذات فناء ليس فيها لذة، كما قال السيادي ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة، وجعلها وحشية: أي أنها تتنزه إلى مسكنها النفوس الشريفة، وهي لا تألف إليها لعدم المناسبة فلهذا جعلها وحشية، وقوله بيت خلوتها، يكنى بالبيت عن قلبه وخلوتها فيه نظرها إلى نفسها، فإن الحق يقول: ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن ولما كان هذا القلب الذي وسع هذه الحكمة الذاتية العيسوية في مقام التجريد والتنزيه كان كالفلاة، وكانت فيه كالوحش فلهذا قال وحشية ثم ذكر مدفن ملوك الروم تذكرة لها أي تتذكر الموت الذي هو فراق الشمل من التألف بعالم الأمر، والخلق من أجل الفراق، فيذكرها ذلك القبر حالة الفراق فيزهدها في اتخاذ الألفة.

البيت الثامن والتاسع:
لما كانت هذه المسألة ذاتية، وكانت الكتب الأربعة لا تدل إلا على الأسماء الإلهية خاصة، لهذا لم يقاومها ما تحمله هذه الكتب من العلوم وكنى عنها بحامليها فكنى عن القرآن، بالعلام بملتنا وعن الزبور بالمنسوب إلى داود وعن التوراة بالحبر وعن الإنجيل بالقسيس.
يقول: إن كان من هذه الروحانية، إشارة من كونها عيسوية إلى الإنجيل بطريق التأييد له فيما وضع له بحسب الخواطر لديها. كنا لديها بمنزلة هؤلاء المذكورين الذين هم حمال هذا الدين وساداته، والقائمون به خادمون بين يديها لما هي عليه من العزة والسلطان.

البيت العاشر والحادي عشر:
يقول هذه الروحانية الذاتية، لما أرادت الرحيل عن هذا القلب الشريف، لرجوعه من مقام لي وقت لا يسعني فيه غير ربي إلى النظر في مصالح ما كلف به من القيام بالعوالم بالنظر إلى الأسماء رحلت الهمة التي جادت عليها لهذا القلب فكنى عنها بالناقة، والملائكة المقربون المهيمنون هم حداة هذه الهمم، فأخذ يخاطب روحانياً بكتابة الحادي ألا يسير بها لما له به من التعشق والتعلق والإنسانية تأبى استدامة هذه الحالة. أراد بالطريق: المعراج الروحاني والكراديس: الجماعات واحدها كردوس، وقوله تنفيساً: يريد ما أراد النبي عليه السلام بقوله: إن نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن.

البيت الثاني عشر والثالث عشر:
يقول: (أريد) إذ ولابد من رحلتها فلايزال عالم الأنفاس يأتيني من جهتها مع الأحوال، وهو الذي أيضاً تشير به العرب في أشعارها بإهداء التحية والأخبار مع الرياح إذا هبت فيكنى عن هذا المقال (هنا) بالأنفاس.
يقول: فأجابت وانقادت إلى سؤالي، ووقانا الله سطوتها، كما قال: أعوذ بك منك هذا مقامه وزحزح الملك ما يريد خاطر العلم والهداية،إبليسا خاطر الاتحاد. هنا فإن هذا المقام صعب قل من حصل فيه فسلم من القول بالاتحاد والحلول فإنه المشار إليه بقولى تعالى {كنت سمعه وبصره} الحديث.

وكما ذكرنا في البداية حول ازدواجية الإلهام الشعري الصوفي متمثلاً تارة بشخص «النظام» ابنة الشيخ الأصفهاني التي أشار إليها هنري كوربان أنها مثلت لشيخنا ما مثلته بياتريس لدانتي في الكوميديا الإلهية أي تجسد الحكمة الخالدة في مظهرها الدنيوي الذي تألقت فيه بشخص خاص مثل «النظام» التي كان لقبها «عين الشمس» وتارة أخرى من خلال الجارية الرومية التي سألها عن اسمها فأجابته بأنها «قرة العين» ممثلة بذلك الحكمة العيسوية، وأستطيع أن أقتطف بضعة أبيات يتناول فيها «النظام» وهي تلك الأنثى، العذراء الهيفاء، الملقبة بـ «عين الشمس» وبهائها، ومما قال فيها في ديوانه «ترجمان الأشواق»:
من أجل تقييده بصورة امرأةٍ ..|.. عند التجلي فقلت النقص من بصري
ونسوة كنجوم في مطالعهـا ..|.. وأنت منهن «عين الشمـس» والقمر

وفي قصيدة من ديوان «ترجمان الأشواق» بعنوان «أغيب فيُغني الشوق» يقول فيها:
أغيب، فيُفني الشوقُ نفسي، فألتقي ..|.. فلا أشتفي، فالشوق غيباً ومحضَرا
ويُحدِثُ لي لقيـاه مـا لـم أظنّه ..|.. فكان الشـفاء داءً من الوجد آخَرَا
لأني أرى شـخصاً يزيد جمالُه ..|.. إذا مـا التقينـا نفرةً وتكبـّرا
فلا بد من وجدٍ يكون مقارِناً ..|.. لما زادَ من حُسنٍ نظامـاً مُحرَّرا

أما شرح هذه الأبيات كما ورد في ديوان «ذخائر الأعلاق» شرح «ترجمان الأشواق»:
يقول: في الغيبة يهلكه الشوق وفي اللقاء يهلكه الاشتياق فلايزال معذباً فهو في آلام الغيبة يرجو الشفاء باللقاء فإذا التقى يزيد وجده، وذلك أن التجليات لا تتكرر وأنه ينتقل من عالٍ إلى أعلى فيكون الثاني أعلى من الأول عند الرائي فلابد أن يكون له فيه أثر يحدث عنده مزيد تعلق ومحبة به فيه ضاعف حبه فيتضاعف شوقه فيزيد ألمه. وذكر لفظة الشخص للخبر الوارد.


قراءة في المبادئ الأساسية لتصوف الشيخ الأكبر

وحدة الوجود ووحدة الشهود


يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» أنه: «كثيراً ما نجد ابن عربي يقول بأن الحق هو وحده الموجود وباقي الموجودات ظل له فلا وجود لها على التحقيق. وقد يكون ذلك في حال السكر حيث، كما يقول أبو العلا عفيفي، يشعر الصوفي بوحدة الحق والخلق ويفنى عن نفسه وعن كل ما سوى الله ويقر بالحق أنه هو وحده الموجود. وهذه هي حال الجمع مع الحق. وتسمى وحدة الشهود. وسماها بعضهم وحدة الموجود».

ومن الجدير ذكره أن ابن عربي ليس حلولياً، فهو يبقي على التمييز بين الحق والخلق.
وفي هذا يوضح هادي العلوي أيضاً: «فيما يخص الموجودات تكون الرابطة بينها وبين الحق في تجليه في الصور الحسية للأشياء». ويتابع العلوي: «ولحل إشكال العلاقة بين الوجود المطلق والوجود النسبي يتكلم ابن عربي على مصطلحين بخصوص الذات الإلهية هما الأحدية والواحدية. الأحدية هي وحدته المطلقة التي لا يصح فيها التبعيض والتجزئة وتكون مجردة عن الأسماء والصفات. والواحدية هي صفة الذات المتصفة بالأسماء والصفات. وهذه الذات الواحدية هي التي تتجلى في صور أعيان الممكنات الثابتة». «ويمكن مرادفة الأحدية بالوجود المطلق والواحدية بالوجود النسبي».

وفي تحقيق وتقديم للدكتور بكري علاء الدين والدكتورة سعاد الحكيم لكتاب «شرح المشاهد القدسية لتكميل دائرة الختم الموصوف بالولاية المحمدية» لابن عربي، نرى الباحثين يذكران بأن ست عجم بشرحها لتجربة الفناء في قول الحق للعارف: «أنتَ عند نفسك فانٍ وعندي موجود»، فهي تقول: «فلا يظنّ السامع أنهما وجودان محدثان، وإنما وجود واحد». وهكذا يمكن أن نتبين - حسب ست عجم - نمط من وحدة الوجود باتجاه واحد، أي انطلاقاً من الذات الإلهية خارجاً نحو العالَم، دونما إمكانية لعكس الاتجاه، وذلك من خلال تأكيدها: «هو كل شيء، وليس كل شيء هو»، أو حين يكون الله هو المتكلم: «أنا العالم وليس العالم أنا». وهذا يعني حسب ست عجم بأن «الله تعالى يكمل الأشياء وهي لا تكمله».

أما بخصوص الأحدية والواحدية فنرى ست عجم توضح الأمر على النحو التالي: «وإضافة إلى اتصاف العارف بمجموع الوجود الذي مر ذكره، أو الاتصاف بالأوصاف الإلهية فإننا نعثر عند ست عجم على فكرة الاتصاف المقابلة، وهي "اتصاف الله بالتقييد"، فإذا أراد الاتصاف بالتقييد مال ميلاً إرادياً فتحصل لذاته الصفات، فإذا أراد الظهور لهذه الصفات جعل نور ذاته مرآة ونظر فيها نفسه، فكان المنطبع صورة الشاهد، والناظر صورة المشهود. وفي الحقيقة: لا شاهد ولا مشهود. لكن هذه الكيفية التي تنشأ عن التقييد أوجبت القول بأنت وأنا، وهو خطاب بين صفة وموصوف. والحقيقة الأحدية تنافي هذا كله». إذن، وفي التحليل الأخير «وحدة الوجود» يمكن أن تنحصر لتطلق على أمر واحد هو مرتبة «الأحدية» المطلقة لا غير.

وعلى الرغم من هذا التفرد الإلهي في الوجود فإننا نجد ست عجم تربط وجود العالَم بفكرة الظهور المتعلّقة بالاسم الإلهي «الظاهر»، وبالإرادة الإلهية بالذات. فهي تقول: «لا معنى للوجود إلا مظاهر صادرة عن الظاهر بها. الوجود المدرَك بالحقيقة صادر عن مراد الله للظهور به». وبالتالي فإن «كل موجود صادر عن الله تعالى». فوجود الكائنات ليس وجوداً حقيقياً إلا لأنه مرتبط بإرادة الخالق بالظهور.


المذهب الإنساني الناجم عن مذهب وحدة الوجود


يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» ما يلي: «في وحدة الوجود الصوفية يتألّه الإنسان فيغدو موضوعاً للخير الأسمى والعدل المطلق. وبهذه الصفة لا يجوز قتل الإنسان. قال في الفص اليونسي: "إن الحق في هدم النشأة لله وحده ولا يجوز للبشر". وهذه أقدم معارضة لحكم الإعدام تسحب من الإنسان صلاحية قتل الإنسان وتجعلها حقاً حاصراً لله الذي يميت الإنسان في أجَلِه. ويسوق لتأكيد رأيه حكاية عن داود أنه أراد "بنيان بيت المقدس فكان كلما فرغ من بنائه تهدم فشكا ذلك إلى الله فأوحى الله إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يدي من سفك الدماء". فقال داود: "يا رب ألم يكن ذلك في سبيلك؟ قال بلى. ولكنهم أليسوا عبادي؟" واستشهد بآية: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" فجعل السلم مقدماً على الحرب. وبآية: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" واستنتج منها أن القصاص سيئة. وقد جعل القتل مانعاً من تحقيق الغاية من خلق الإنسان. وفي هذا السياق رادف الوجود مع الرحمة والموجود مع المرحوم وقال إن الرحمة وسعت كل شيء»، ويردف هادي العلوي يقول: «عارض ابن عربي العقاب في الدنيا، إلا أن العقاب الذي يعارضه هو القتل. ولم يتكلم عما دونه من عقوبات كالسجن».

كما قال الشيخ في الفص الثامن عشر في كلام على الرجوع إلى الله وأن الأشياء تتنوع في عين الناظر بحسب مزاج الناظر أو يتنوع مزاج الناظر لتنوع التجلي: «لو أن الميت والمقتول أي ميت كان وأي مقتول كان إذا مات أو قتل لا يرجع إلى الله لم يقض الله بموت أحد ولا شرّعَ قتله».


الشيخ والمرأة


في بحث للدكتورة شيرين دقوري بعنوان «الأنوثة في تجربة ابن عربي الشهودية» تذكر واقعة عن الشيخ أنه ظل «بمنأى عن النساء والنكاح ثماني عشرة سنة إلى أن انكشف له سرهنّ وأحبهنّ عن تحبب وخوف من المقت لا عن حب طبيعي شهواني»، وعلى هذا النحو «ذهب ابن عربي إلى تقديس النساء ورفع مكانة الاتصال بهن إلى حد جعل النكاح يشبه ركناً من أركان العبادة وذلك بمقارنة السجود في الصلاة أشرف حركات المصلي، بالسجود لهن عند المواقعة».

يشير دارسو الإنسان إلى وجود ثلاثة مراكز أساسية لدى الإنسان ألا وهي مركز العقل والقلب، ومركز ثالث يبقى بدونه كل من العقل والقلب دونما معنى ودونما حياة، وهو ما أشار إليه أحد المعلمين (غوردجييف)، ويعبر عنه بالمركز الحركي أو المركز الجنسي، وهذا المركز يلعب دوراً كبيراً في الرحلة الصوفية والتطور الروحي، فهو المركز الذي يمد كلاً من العقل والقلب بطاقته وزخمه، ولا يجب كبته أو تغييبه بحال من الأحوال.

إن هذا المركز هو ينبوع الطاقة، ومن خلاله تُعْرَف طاقة الحب التي تدفع بالمحب إلى العشق ومن عشق إلى عشق.

في الحقيقة أن هذه الطاقة التي حدثَنا عنها فرويد وعرَّفَها باسم «الليبيدو» نعثر عليها قبل فرويد عند الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية»، فهو حين يقول أنه لا يوجد محبوب سوى الله، وأن الله صورة كل محبوب على الأرض، وأن كل من أحب زينب، وسعاد، وهند، والدينار، والدرهم، والجاه، إنما في الحقيقة أحب الله، لأن الله ظاهر في كل محبوب لعين كل محب، كما أنه لم يعبد سواه، فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه، وهذا كله في الحقيقة جوهر «الليبيدو»!!

والحال، أن الخلاص من العبودية للخلائق يكمن في التوجه إلى مبدأ العشق الحقيقي، وهو الألوهة المحتجَبَة في الخلائق، والتي هي المصدر الحقيقي لكل جاذبية وجمال وعشق.

ولعل المرأة أياً كانت صورتها كما تقول الدكتورة شيرين دقوري «فهي تكثيف للجمال الكوني، تجسيد للسر الميتافيزيقي، سيرورة إلهية متجددة. وهي أساس أنطولوجي، لكل تجلٍّ وتكون وانبثاق وظهور وكتابة. ويكفينا القول مع ابن عربي إن الانفعالية الأولى المنسوبة للأنثى لها أصول ألوهية، فالحضرات الثلاث؛ حضرة الوحدة وحضرة النسب الأسمائية والحضرة الوجودية الشهودية تظهر بقوة الانفعال والتي ينفعل عنها الكل ويظهر».

وتستحضرنا الدكتورة هنا لقاء الشيخ سنة 598هـ مع «النظام» بنت الشيخ مكين الدين الأصفهاني، وتقول الدكتورة في هذا الصدد: «كانت النظام: الأنثى، العذراء، الهيفاء، الملقبة بـ "عين الشمس" وبهائها، مصدر إلهامه الشعري الصوفي، وتُعَدّ النظام صورة الحسناء المتجلية في كل معاني الجمال المعنوي والحسي، رمزاً للذات الإلهية، وصفة مجسدة للحكمة، التي تراءت له في تلك الجارية الرومية - وهي «قرة العين» - فأحبها وقدسها لا من حيث ذاتها، بل إن حبها حب للألوهية السارية في كل شيء».

ومن جهته، يذكر هادي العلوي في كتابه «مدارات صوفية» عن الشيخ قوله: «إن كل ما يصلح أن يناله الرجال من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء. واستعمل برهاناً شكلياً لإعطاء المرأة درجة على الرجل لسد الثلمة في قول القرآن {وللرجال عليهن درجة} وهي أن حروف "مرأة" أكثر من حروف "مرء"، لزيادة التاء وهذا يصدق على الإنكليزية لأن Woman حروفها أكثر من Man، لكنهما متساويان في اللغة الصينية!».

ويكمل العلوي فيقول: «ووظف الآية التي تجعل شهادة امرأتين كشهادة رجل واحد ليعطيها دلالة مضادة. الآية تقول في تعليل الحكم: {أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى} أي أن تنسى، فقال إن النسيان جزئي هنا وهو كلي عند الرجل إذ أخبر القرآن عن آدم أنه نسِي ولم نجد له عزماً. والآية عنده تدل على أن الرجل قد ينسى الشهادة رأساً ولا يتذكرها بينما إحدى المرأتين ذاكرة لابد بحكم الآية».

ويتابع: «وفي تداعيات أكثر جدية يقول الشيخ إن من شرف التأنيث إطلاق الذات على الله وإطلاق الصفة. يقصد أن الذات مؤنثة ونطلقها مع الصفة على الله فنقول ذات الإله أو الذات الإلهية والصفات الإلهية. كما أظهر في الفصوص – الفص الأخير – ما يلي: "كن على أي مذهب شئت فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالَم والعلة مؤنثة. وإن شئت القدرة فمؤنثة أيضاً"».

وتدلو الدكتورة شيرين دقوري بدلوها فتقول: «وإذا تأملنا فكرة "الرحمة" عند ابن عربي فإننا نراه ينظر إليها بوصفها صفة إلهية مؤنثة، لأنها صفة الأنثى/الأم بالجوهر. فالرحمة شملَت العالَم بمستويين: الأول، في الإيجاد، وعن ذلك شملت الرحمة الرجل من وجهين: الرحمة الإيجادية، ورحمة الحق في وهبه المرأة كي يعرف نفسه ليعرف ربه. والمستوى الثاني: شملت الرحمة العالَم بمعنى المبالغة في الرزق والإجابة، والأنثى أقرب إلى الإجابة لأنها أصفى محل للانفعال، من إشارة الحق إلى المنفعل القابل للاقتدار من الفاعل. والرحمة تجلٍّ للاسم الإلهي الرحمن، لأنه "يعطي الاشتقاق من الرحمة". وهذا سر من أسرار اسم الأنوثة الذي يطلق على عباد اسم الرحمن الذي مشهده العافية والخير المحض، في مقابل اسم الذكورة الذي يطلق على عباد اسم الله، وجميع الأسماء الإلهية تطلب اسم الرحمن، أطيب أنفاس الحق».


قراءة في نص «حول الكعبة الصوفية»


ختاماً لهذه الدراسة المتواضعة حول تصوف الشيخ الأكبر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي درجة وشكل التجربة الروحية التي يعلن عنها ظهور وشهود صورة كتلك التي جاء بها الحديث؟
من الجدير ذكره، حسب شهادة الشيخ الأكبر (الفتوحات المكية، مجلد 2، ص325)، أنه قد تلقى قدراً كبيراً من ملَكة الخيال الشهودي هذه. يقول: «ولقد بلغت بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوباً من خارج لعيني كما كان يتجسد جبريل لرسول الله (ص) فلا أقدر أنظر إليه ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه. ولقد تركني أياماً لا أسيغ طعاماً، كلما قدمت لي مائدة يقف على حرفها وينظر إلي ويقول بلسان أسمعه بأذني: تأكل وأنت تشاهدني. فأمتنع عن الطعام ولا أجد جوعاً، وأمتلئ منه حتى سمنت وعبلت من نظري إليه، فقام لي مقام الغذاء. وكان أصحابي وأهل بيتي يعجبون من سمني مع عدم الغذاء لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة لا أذوق ذواقاً ولا أجد جوعاً ولا عطشاً، لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني».

يقول هنري كوربان[7]: «هذا الاستهلال، الذي يُعتبَر استهلالاً فقط لأنه منتهى تجربة روحانية بكاملها، يقدم نفسه باعتباره حواراً ذا صفاء خارق في الحد بين الوعي وما يتجاوز الوعي، بين الأنا البشرية ونظيرها الإلهي. وحين كان ابن عربي يقوم بطوافه حول الكعبة، فإذ هو يلاقي الحجر الأسود، ذلك الكيان العجيب الذي يتعرف عليه للتو والذي يسميه "باهت، الفتى الفائت، المتكلم الصامت، الذي ليس بحي ولا مائت، المركب البسيط، المحاط المحيط"، وغيرها الكثير من الأوصاف المتراكمة (باستعادات وإشراقات كيميائية) لتعيين توافق الأضداد. وفي هذه اللحظة، راود الشاهد التردد: "وعلمت أن الطواف بالبيت كالصلاة على الجنازة"، "انظر إلى البيت قبل الفوت". ورأى الشاهد فجأة كعبة الحجر تصبح كائناً حياً. فعلم المنزلة الروحانية لذلك الفتى الذي قال فيه فيما يذكره في الفتوحات المكية، مجلد1، ص47، حيث يفضي إلى إعلان الفتى عمن يكون، فيكلمه الشيخ في عالم المثال والأجسام اللطيفة: "قبلت يمينه ومسحت من عرق الوحي جبينه، وقلت له انظر من طالب مجالستك، وراغب في مؤانستك. فأشار إلي إيماءً ولغزاً أنه فُطِرَ على ألا يكلم أحداً إلا رمزاً، وأن رمزي إذا علمته وتحققته وفهمته علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء. فقلت له يا أيها البشير وهذا خير كثير، فعرفني باصطلاحك وأوقفني على كيفية حركات مفتاحك، فإني أريد مسامرتك وأحب مصاهرتك فإن عندك الكفؤ والنظير وهو النازل بذاتك والأمير. ولولا ذلك ما كانت لك حقيقة ظاهرة، ما تطلعت إليه وجوه ناظره. فأشار فعلمت، وجلي حقيقة جماله فهيمت، فسقط في يدي، وغلبني في الحين علي. فلما أفقت من الغشية، وأرعدت فرائصي من الخشية، علم أن العلم قد حصل، وألقى عصا سيره ونزل، فتلا حاله علي ما جاءت به الأنبياء، وتنزلت به الملائكة الأمناء. إنما يخشى الله من عباده العلماء. فجعلها دليلاً، واتخذها إلى معرفة العلم الحاصل به سبيلاً. فقلت له أطلعني على بعض أسرارك حتى أكون من جملة أحبارك، فقال انظر في تفاصيل نشأتي وفي ترتيب هيأتي تجد ما سألتني عنه في مرقوما، فإني لا أكون مكلماً ولا كليماً، فليس علمي بسواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي. فأنا العلم والمعلوم والعليم، وأنا الحكمة والمحكم والحكيم».

يتابع هنري كوربان: «وهكذا يتكشف الوجود الذي هو الذات المتعالية للمتصوف، ونظيره الإلهي، ولا يتردد المتصوف في التعرف عليه، ففي خلال مسعاه حين كان يواجه سر الحق سمع هذا الأمر: "فانظر إلى الملك معك طائفاً". فعلم لذلك أن الكعبة الصوفية قَلْبُ الوجود. فقد قيل له: "وبيتي الذي وسعني قَلبُك المقصود". فسر الحق ليس غير كعبة القلب وحول القلب يطوف الطائف الروحاني».

كما يذكر هنري كوربان في كتابه «الأرض السماوية والجسد البعثي» في الصفحة 67 وما يليها، بأن الفتى يفصح في شخصيته عن وجود ما تم حدسه في رمز العمود البارز للبيت الصوفي – وهو أي، العمود البارز إحدى رؤى الشيخ الأكبر - المؤول المدرك للأسرار الإلهية. إنه الروح، والروح القدس، والملك جبريل لدى المتصوف، والحجر الأسود المنبثق من الكعبة (الذي يغدو حجراً أبيض» ما أن يتم التعرف عليه). إنه الاسم الإلهي، والعين الثابتة للمتصوف، وهذا ما يلاحظه الجيلاني أيضاً.

يعود هنري كوربان في حديثه عن سر ذلك الفتى فيقول: «ثم أمره الفتى :"طف على أثري". ثم إننا نسمع حواراً غير مشهود يعز موضوعه على العبارة الإنسانية».

ويقول كوربان: «والحكاية التي يحكيها الشهودي لمحاوره وبأمر منه هي حكاية مسعاه، أي باختصار حكاية التجربة الباطنية التي ينبثق عنها الحدس الأساس للحكمة الصوفية لدى ابن عربي. وهذا المسعى هو ما يمثله الطواف حول كعبة "القلب" أي حول سر الحق».

وهكذا: «تصبح شعيرة الطواف إذن مثل الحد الأقصى لـ "صلاة الحق" التي تشكل التجلي ذاته، أي ظهور الحق للخلق في صورة يتجلى فيها بنفسه في ذلك الموجود، وفي ذاته يظهر ذلك الموجود إلى نفسه. إن الحل موجود، فقد أمر الفتى المتصوف: "ادخل معي كعبة الحجر"، الكعبة المغلقة التي لا يدخلها أحد: وهكذا فإن متأول السر لم يعد يكتفي بترجمته. فلما عرفنا من هو، أدخله إليها: "فدخلت معه بيت الحجر في الحال، وألقى يده على صدري وقال: أنا السابع في مرحلة الإحاطة بالكون، وبأسرار وجود العين والأين،...الخ».

وفي تعليقه حول دعوته «ادخل معي كعبة الحجر»، يقول: «هو البيت المتعالي عن الحجاب والستر، وهو مدخل العارفين، وفيه راحة الطائفين، فدخلت معه بيت الحجر في الحال».

«وبعد أن كشف له الفتى عمن هو باعتباره (أنا السابع...)، كشف له عن سر إيجاده وجلوسه على العرش في الأزل، وعلينا القول بأنه الملك الذي هو القلم الأعلى وقد نزل بذاته من منازله العلى لينفث فيه معرفة النفس ومعرفة الآخَر».

أخيراً وليس آخراً، يختتم هنري كوربان فصله هذا، فيقول: «الحق لا يُلاقَى ولا يُرى. فهو البيت، وسر القلب حيث يدخل المتصوف بعد أن يحقق في نفسه الإنسان الكامل باعتباره كوناً أصغر، فيلاقي "صورة الحق"... و"البيت" هو محل التجلي، والقلب الذي ينشئ حوار المحبوب والمحب، ولهذا فإن هذا الحوار هو صلاة الحق... إنه تناظر اللامتناهي مع المتناهي، والكلية الإلهية مع عالم الإنسان الكامل، والحقيقة المتزامنة لمفارقة الرفض الإلهي: "لن تراني" مع التوكيد النبوي: "رأيت ربي في صورة شاب أمرد..."».

يختتم هنري كوربان بأبيات شعر لأحد كبار شعراء بلاد فارس يقول فيها:

«إذا ما نزل سيف غضبك علي بألم الموت
ستجد نفسي فيه الطمأنينة
وإذا ما أمرتني بكأس السم
ستجعله روحي شرابها
وحين سأنهض يوم البعث
من غبار قبري
سيكون عطر حبك
عالقاً برداء روحي
فحتى لو رفضت حبي
ستمنحني رؤية وجهك
إذ كان جليس أسراري».


ملخص كتاب «ماهية القلب»

تأليف: محيي الدين بن عربي
تحقيق: قاسم محمد عباس
دار المدى للثقافة والنشر
الطبعة الأولى: 2009


تأويل القلب


في نظرية المعرفة عند ابن عربي


يشير الباحث قاسم محمد عباس إلى أن نظرية المعرفة عند ابن عربي تميز بين نوعين من المعرفة: تلك التي تنتمي للعقل، والأخرى العائدة للنفس، والتي لا مناص من تسميتها بالمعرفة الذوقية والتأكيد على حدسها، المحدد الأساس في المعرفة عند ابن عربي، بفهم الإيمان بمعرفة تبتعد عن السبب الاستطرادي، وتقترب من الإدراك المباشَر للحقيقة في جوهرها.

في شرح ماهية القلب:
من روائع ابن عربي

إن ارتباط المصطلح بلفظ «ذوق» يشير إلى نوع من الحكمة، تعتمد التجربة المباشرة ذات الإدراك الفطري. وهو ما يتحدد بما يسمى الكشف الذوقي، فالعقل مكتسَب، في حين أن الذوق موضوعه الحقيقة ذاتها، وبالتالي، لا مفر من اللجوء إلى الذوق باعتباره الوسيلة الوحيدة للحصول على المعرفة عبر: الشهود المباشَر للحقائق.

وعلى هذا النحو نرى ابن عربي وقد تعامل مع القلب كأداة تبث من خلالها «المعرفة الذوقية»، وهي بمعنى آخر البؤرة التي تتجلى فيها المعرفة. وعلى الرغم من أن القلب مرتبط بذلك العضو اللحمي الصنوبري الشكل صورة ومعنى، إلا أنه يمكننا تحديده بقدرة يتوفر لنا التعامل معها كدلالة للجانب العاقل من الكائن الإنساني (الروح)، ونلحظ أن لهذه القدرة ملكات عظيمة أولاها (العين البصيرة). إلا أن هذه العين مهددة بطباع النفس الحيوانية، ومجموع علاقاتها بالعالَم المادي، ولذا فإنها – أثناء حركة المعراج – في تحرر مستمر من قيود ظلمة النفس، والطباع البشرية، وعند تحررها يعلن القلب عن اتصاله المباشر بالمبدأ العاقل للكون، أو بفهم آخر، بالتجلي التام للحقيقة الإلهية، ويكون الكشف التام، الذي يدرك من خلاله توحد العارف بالمعروف.

أما كل المواقف التي صاغها الصوفية عن القلب فهي بمجملها متأثرة بالأحاديث المروية عن النبي (ص) والتي تتوزع على مستويين محددين: الأول اعتبار القلب بؤرة للمعرفة، والثاني: التأكد على تغيرية وحركية القلب. ومن خلال الموقف القرآني، الذي اتخذ من القلب محلاً للكشف والإلهام، فإن الصوفية الأوائل قد حددوا القلب: بالمشاهدة، والفهم عن الله.

إن الصراع المتمثل بين ما هو إيجابي وما هو سلبي طبقاً لهذا التقسيم راجع إلى وقوع النفس بين الروح والعقل من جهة، وبين الجسم المادي من جهة أخرى، وبهذا الفهم فإن اهتمام النفس بما هو ظاهري يؤدي إلى تكدس الحجب على القلب، أو زيادة صدئه. لذا فإن الظاهر يتضمن الأسباب والأغيار والأشياء، ويتركز رحيل العارف من الأسباب إلى المسبب، ومن السوى إليه هو، ومن الأشياء إلى رب الأشياء.

يقول أبو سليمان الدرزاني: «إذا سكن الخوف القلب أحرق الشهوات، وطرد الغفلة من القلب»، وأيضاً: «لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن».

ارتبط الظاهر عند ابن عربي بمعرفة العالَم، واختص الباطن بمعرفة الله. ويمثل الباطن بالنسبة للظاهر، ما يمثله القلب بالنسبة للجسد.

كما أضاف المحاسبي تسميات جديدة مثل مقابلة الجهة اليمنى من القلب بالنفَس الرحماني، كوظيفة خلاقة وسامية للقلب، ومقابلة الجهة اليسرى للتناهي البشري المحكوم بالزفير الطبيعي، وهي الوظيفة ذاتها التي سنجدها فيما بعد عند الغزالي وابن عربي. كما أن نظرة القداسة التي وجهها التستري إلى القلب دفعته في النهاية لاعتباره العرش الرباني، بعد أن تزال الحجب بالتتابع: «للقلب سبعة حجب سماوية، وسبعة أرضية». إذن شبه التستري القلب بالعرش، والصدر بالكرسي. كما استخدم التستري مجموعة من الاصطلاحات التي أراد بها القلب مثل «البحر» معتمداً على حركيته وتقلبه، وكذلك رمز للقلب بالبيت.

وبدوره نجد أبو الحسين النوري (295هـ)، قد صنف رسالة مركزة حول مقامات القلوب، وهي من النصوص المؤثرة لرصد تطور المفهوم الصوفي، إذ يقسم النوري القلوب على أربعة: الصدر، والقلب، والفؤاد، واللب، بفهم أن الصدر معدن الإسلام: {أفمن شرح الله صدره للإسلام}، ويختص القلب بالإيمان: {حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم}، والفؤاد معدن المعرفة: {ما كذب الفؤاد ما رأى}، واللب معدن التوحيد: {الآيات لأولي الألباب}.

ومن الجدير ذكره أن قلب المؤمن وحده، هو مجال المعرفة؛ لأنه يتضمن مجموعة من الأنوار: نور المعرفة، ونور العقل، ونور العلم. إلا أن نور المعرفة هو هدف العارف؛ لأن نور المعرفة كالشمس، ونور العقل كالقمر، والقسم الثالث هو نور العلم، وهو كالكوكب بالنسبة للشمس والقمر، فيتم ستر الهوى بنور المعرفة، وستر الشهوة بنور العقل، وستر الجهل بنور العلم.

كما لعب مفهوم الخيال أيضاً دوراً في فكر ابن عربي، فالخيال (العماء) يمثل موقعاً وسطاً بين الذات المطلقة والعالَم (أو الخلق)، وعلى هذا النحو سمى المجال الأول الفاصل الجامع بين المطلق والعدم «برزخ البرازخ»، ومن هذه التسمية لابد من الإشارة إلى الترتيب الوجودي لمستويات مختلفة للخيال تتحدد بالخيال المطلق، والخيال المنفصل، والخيال المتصل، فالأول يتطابق مع البرزخ الأعلى، والثاني مع الأدنى، ويرمز الثالث إلى المستوى البشري للخيال في إطاره النفسي، وهنا يظهر الخيال كوسيط بين الحس والفكر فيعمق ابن عربي مفهوم القلب بوصفه بؤرة الوعي في الإنسان، وهو الذي يتحقق به اكتساب المعرفة الباطنية، الهدف الجوهري من معراج الإنسان الكامل المعرفي.

ووفق نظرية ابن عربي الوجودية يمكننا القول: إن الموجودات تمثلات حقيقية للتجلي الإلهي، وهي في الوقت ذاته علة المعرفة التي يستقبلها القلب بعد أن تجلى مرآته بتوجيهه الهمة إلى الله، هذا لو تعاملنا مع الهمة كطاقة إلهية في قلب «الإنسان الكامل» التي يقسمها ابن عربي إلى قسمين: همة جبلية، وهمة مكتسَبة إذ تؤثر هذه الهمة في عبور الإنسان الكامل من ظاهره وظاهر العالم إلى باطنه وباطن العالَم، حيث يفرغ القلب من كل شيء سوى معرفة الله.

يقول ابن عربي: «إن الباطن أصل، والظاهر فرع، وإنما تظهر التصاريف الظاهرة الحسية بسبب البواعث الباطنة، ولما كانت القوى الظاهرة هي الحواس الخمس، وهم الأمراء الملكوتيون: وهم عشرة: خمسة ملكية، وخمسة ملكوتية، فالأمراء الملكوتيون يسمون أرواحاً، والملكيون يسمون حواساً، كحاسة البصر والسمع، وغيرها. وإن الأمراء الروحانية، تقابلها وهي: الروح الحيواني، والروح الخيالي، والروح الفكري، والروح العقلي، والروح القدسي. فإذا نفذ الأمر الإلهي إلى أحد هؤلاء الأمراء من القلب بادر لامتثال ما ورد عليه على حسب حقيقته.

وكذلك: «ومجموعة الحواس الملكية والملكوتية جميعها تستمد ممارساتها من القلب، منبع الحرارة الغريزية الفاعلة في عالَم الحيوان، وإدارك الحواس للأشياء يتم من خلال نور باطن فيها، ولهذا فإن نور باطن الحواس يلتقي مع نور الأشياء، ومن هذا الالتقاء للنورين يحصل الإدراك، وعليه فإن جميع ما يتصل بالقلب من أنوار يتدرج حتى تتصل الأنوار العلوية بالقلب بواسطة عين اليقين»، ويريد ابن عربي بعين اليقين تلك القوة العظمى التي تحصّل المواهب الإلهية لنوع محدد من البشر نموذجه «الإنسان الكامل».

ومن الجدير ذكره أنه يترتب على طبيعة التدرج هذه في النهاية أن تلغى وظيفتا الظاهر والباطن؛ لأن الإنسان الكامل في هذه المرتبة (القطبية) يتساوى كل من ظاهره مع باطنه فإذا الظاهر باطن، والباطن ظاهر.

الفصل الأول:
يحصل للقلب الطمأنينة كما حصل ذلك بالعيان في عالَم الشهادة عياناً لملكوت السماوات والأرض، فهذه النهاية نتيجة نورين قلبيين: الأول نور الحياة المتصل بالقلب، والثاني: نور العقل الفائض عليه بوساطة البصيرة، وإلى هذين النورين الإشارة بقوله تعالى: {نور على نور}، ثم قال: {يهدي الله لنوره من يشاء}، إشارة إلى هذا النور الأعظم المعبر عنه بنور اليقين، فهو معاريج ثلاثة: الأول اتصال النور – النفس الحيوانية – بالقلب، ويمتنع ذلك الاتصال بريون المكاسب الدنيوية المشار إليها بقوله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، وقوله تعالى: {أم على قلوب أقفالها}، إذ سُمِّيَت الزيادة على قدر الحاجة قفلاً، فقال: {أقفالها}، بهاء التعريف، لكون الأقفال لازمة لطبع البشرية غالباً، ولذلك دخلت الشياطين على قلوبهم بسبب أغراضهم النفسية الدنيئة – وميلها إلى الاكتساب –فيشاركهم الشيطان في الأموال والأولاد، ويعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء. أما الذين يبتغون بقدر الحاجة من الأسباب الدنيوية، فلا يتطرق الشيطان على قلوبهم بوسيلة يدخل عليهم، فلذلك تنفذ بصائرهم القلبية في ملكوت ربهم: «لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملائكة الملكوت»، وهذه الأمراض راجعة إلى خارج القلب مما يلي عالم النفس البهيمية الأمارة لمصالح الجسم فقط.

أما المعراج الثاني: فهو اتصال نور العقل الجزئي بنور النفس القلبي الذي قطع الحجاب الشيطاني، فالحجب الشهوات النفسية، والأعراض الطبيعية، حتى اتصل به، واتصال هذا النور العقلي بالقلب بواسطة عين البصيرة التي تمتنع خاصيتها بالأخلاق الذميمة المتصورة في القلب، وهي التي تدعو إلى حركات الجوارح الظاهرة في ما ليس أنه بسبب الخطوات الباطنة: تقوى النفس، وجاذب الطبع ونتيجة ذلك دخان يتلقى من أرض القلب إلى سمائه فيغطي على البصيرة أكنة، فيمتنع نور العقل الجزئي عن الاتصال بالقلب.

الفصل الثاني:
إن المعراج المتعلق بالنفس اللوامة هو الأوسط مع المعاريج الثلاثة، وهي مسافة السلوك وزمان المجاهدة والرياضة النفسية، فتارة تقرب المدة بالحرص واتصال الألطاف بالحركات الباطنة للجوارح الظاهرة، ولو أنه إلى آخر العمر، فيثمر ذلك الهداية بواسطة الفيض العقلي الذي طريقه الكشف عن عين البصيرة، فيوجد الانشراح المطلق، وهو شرح الصدر للإسلام، الذي حقيقته الاستسلام لأمر الله تعالى، وهو أن لا يحرك عضواً من أعضائه الظاهرة إلا فيما هو لله تعالى خالصاً، ولا يخطر بباله خطرة باطنة مما ليس لله تعالى خالصاً، فحينئذ يكون عبداً حقاً لاتصافه بالإخلاص باطناً وظاهراً، ومن ثمراته عجز الشيطان عن باطنه وظاهره أن ينفذ له سلطان عليه، كما قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، وقال تعالى: {فبعزتك لأغويتهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}، ومن ثمراته إجابة الدعاء في مدة العمر مهما سأل، ولو سأل تغيير الصفات بخرق العادات، ومن ثمراته البشرى بمغفرة الذنوب السابقة في مدة المجاهدة وقبلها.

وأما المعراج الثالث: فهو النهاية القصوى، والسعادة الكبرى فلتعلم أن البيان السابق بتقرير القواعد التي ينبني عليها الكلام في هذا المقام وهو أن الإخلاص سبب الانشراح، والانشراح سبب الكشف عن عين اليقين، وهي الطريق الأقرب من عالم الخلق إلى عالم الأمر، ولعمري أن النفس إذا انتهت إلى ساحة القلب المنشرح الذي قد اتصلت به الأنوار العلوية، والمواهب الإلهية فلا غرو أن يندرج طائفها مع الغفائر، وتفارق ما بقي من طبعها السوء الحقير.

الفصل الثالث:
إن مقام المعراج الثالث يجعل القلب منشرحاً فتنجلي عين اليقين، وتتجلى لها الغيوب، وتموج الجواهر الروحانية الظاهرة في بحار الغيوب الزاخرة، وتكتسب أنواع الجواهر والدر التي كانت خبراً من قبل، فصار الخبر عياناً، والإيمان إيقاناً، وصار مجاز الوصل من حقيقة، وصار مكان الشك حقاً وإيقاناً.

الفصل الرابع:
إن حاسة السمع، وحاسة البصر، وحاسة الذوق، وحاسة الشم، وحاسة اللمس، وجملة هذه الحواس صادرة عن القلب، إذ هو منبع الحرارة الغريزية، التي هي الفاعلة في عالم الحيوان بإذن خالقها جلت قدرته، ومبدؤها من القلب، وينشأ إلى كل عضو من أعضاء الإحساس بجهته من الخاصية الروحانية، فيحصل بذلك الإدراك المخصوص على الوجه المخصوص الذي رتبه الحكيم الباري تبارك اسمه، وجلت عظمته، ثم تعود راجعة بما اكتسبته، أو شيء منها من عالم الشهادة فتلقيه إلى القلب، ثم تبعثه البصيرة إلى عالم الحس العقلي المتصل بالدماغ على الترتيب المحكم، فإذا حصل الإدراك الحسي في عالَم الشهادة على الوجه المخصوص وقع ما كان منه في شبك الخيال، ثم تلقيه القوة المتخيلة إلى القوة المفكرة، فتميزه حق تمييزه، حتى تلقي ما يصلح الادخار منه إلى عالم الحفظ، وهي القوة الذاكرة التي هي خازن العقل، فإذا استوعى ذلك منها ألقته إليه، ومحلها مؤخر الدماغ، لأنها بمعنى الخزانة، وهي الطريق الأقرب إلى القلب، فتصل إليه ما استدعاه بواسطة البصيرة، والمخيلة محلها مقدمة الدماغ، لأنها بمعنى المرآة المسامتة للأشياء المتخيلة والمميزة في وسط الدماغ، لأنها بين آخذ ومأخوذ عنه.

الفصل الخامس:
إن ثمرة الإخلاص الكشف عما يتصل بالقلب من أنوار اليقين، وهو نور الله تعالى الأعظم، فيكون لهذا المقام ثلاث رتب:
الأولى: شرح الصدر للإسلام.
والثانية: الاستسلام للهداية.
والثالثة: الهداية لنور الله تعالى.
وهكذا، فإذا اتصل نور اليقين بالقلب اتصل معنى القلب بالرب، ومعنى القلب هو الروح الجزئي المسخّر لتكميل الصفة الإنسانية.

الفصل السادس:
اعلم أن العبودية تنقسم إلى قسمين: محمود ومذموم، أما المحمود فأوله العرفان، ووسطه عيان، وآخره فقدان، وهي أقرب الأحوال إلى الحرية؛ لأن آخر جزء من العبودية أول جزء من الحرية المطلقة، أما أولها فهو معرفة الله تعالى ومعرفة كل ما سواه به، وأما أوسطها فهو أن يحصل لك من ثمرات المعرفة معاينة الأشياء على حقائقها، فترى ما سوى الحق فانياً، فيفنى الوجود الفاني في عيانك للفناء بعالم الفناء، فاتصلت حقيقتك بعالم البقاء، فكانت حقيقتك باقية وصفاتك فانية، ولكن لا تدوم هذه الحالة، وهي حالة الفناء عن الفناء، وذلك إذا غاب عن عيني قلبك الوجود الحادث بأسره رأيت الموجود حينئذ.

واعلم أن الإنسان حال كمال عقله صار عالمه مملكة تشتمل على عالَمين: علوي وسفلي، روحاني وجسماني، غيبي وشخصي، فجعل العقل كالأمير في هذه المملكة، والنفس هي المكلفة الفعالة، إذ هي الأولى في الجسم والعقل طارئ عليها، ولها قوى تختص بعالمها، كما للعقل قوى تختص بعالمه، وأما القوى النفسية فهي ثلاث: الأولى تسمى الجاذبة، والثانية تسمى الدافعة، والثالثة تسمى النامية. والأولى والثانية يعبر عنهما بقوة النزوع، ونتيجتها الآثار المتعلقة بالشهوة والغضب، للإرادة للموافق، والكراهة للمخالف والمفارق، فالشهوة تميل إلى اللذات العاجلة بقوة منها طبعاً، ويسمى ذلك الهوى الطبعي، والغضبية تنفر من المشاق نفوراً بمعناها هرباً منها، وتطلب الاستيلاء، والقهر والغلبة على غيرها، وسرعة الانتقام، وتسمى السبعية. وإذا تحركت قوة الفكرة حصلت حجاباً بين العقل وبين عالم الفكر، فتجردت هذه الحركة عن التمييز العقلي لوجود الحائل بين الآلة والفاعل، فيوجد حينئذ عن تلك الحركة مقابح مذمومة، وأي الحركتين وجدت واستولت كانت حاكمة، وانعزل حكم الأخرى، وانبعثت الجوارح في تنفيذه، فإن كانت نفسية استعمل كل عضو وجارحة من جسد الإنسان حينئذ بما لا يوافق العقل، ويتصور الهوى في صورة العقل، وتنضم إليه ظلمة الشيطان مع ظلمة الطبع، فيقع التصرف القلبي في ظلمات بعضها فوق بعض. وهكذا يصير العقل أسيراً في مملكته، والحكم لعدوه عليه وعلى ما يتعلق به من الرعايا وثمرة ذلك ظلمة القلب وانطفاء نور جوهره الخاص، وذهاب رونق البصيرة لانقطاع الفيض العقلي عن البصيرة، ولكونه محجوباً عن الاتصال، وإن تمادى به الطرد وامتد به البعد صار الحجاب غيماً وطبعاً وموتاً.

الفصل السابع:
إعلم أن الجوارح مهما تقيّدت عن القبائح تعيّنت عن المحاسن والمصالح، وقد بينا أن حفظ الجوارح الظاهرة من أسباب الاستقامة الباطنة، وإذا استقامت الحركات الباطنة رجعت نتائجها على الحواس الظاهرة، ذلك معنى تأثير عالَم الغيب في عالَم الشهادة، وعالَم الشهادة في عالَم الغيب.

الفصل الثامن:
اعلم أن التفكر مختلف باختلاف حال المتفكرين والمتفكر فيه، فتارة يكون المتفكر القلب، وحينئذ أولى بالمتصلات الروحانية، والتأثيرات الحسية، وتارة توصل إليه انشراحاً وبسطاً، وتارة انقباضاً وضيقاً، ومن أعظم مكاسبه من عالَم الشهادة ما حصل بواسطة السمع والبصر، أو كليهما. أو هو يتراخى بحسب أعمال الفكر في المعنى المؤثر في القلب يصرح به على قدر ما يناسب حاله، فتارة يبكيه، وتارة يضحكه، وتارة يفرحه، وتارة يقلقه، وتارة يولهه، وتارة يبهته، وتارة يصحبه، وتارة يجنبه إلى غير ذلك. وذلك لما أشرنا إليه من اتصال الحياة بظاهر الجسد وباطنه بواسطة القلب، ومادة القلب من الكبد.

وأما حاسة البصر وما يتعلق بها من الآثار القلبية فهو ظاهر مشهور نحو العشق والمحبة، والبغض والإرادة، والكراهة وغير ذلك مما في معناه، وكذلك باقي الحواس على القياس، والجميع متعلق بالقلب منبعث إليه في المبدأ، منبعث منه في المنتهى.

قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}، فبين أنه إذا وجد في القلب حركات ومواريث داعية إلى طاعة الله تعالى، فذلك دليل على أن الله تعالى يرشده إلى سبيله، فيأخذه في المجاهدة، ليستحق الهداية إلى الحق، كما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، وثمرات هذه الحالة قوة الأنوار القلبية، وانكشاف الحجب شيئاً فشيئاً.

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): «تعلمت ألف باب من العلم، ففتح لي من كل باب ألف باب»، وقال (رضي الله عنه): «سلوني عن طرق السماوات فإني أعلم بها من طرق الأرض»، وقال (رضي الله عنه): «لو ثنيت لي وسادة لحكمت لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل الزبور بزبورهم، ولو أذن لي لشرحت في ألف "الحمد لله" سبعين وقراً».

وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليقصد الباب»، وكل ذلك تنبيه على أن النفس إذا تطهرت وبدلت أخلاقها الذميمة اتصل بها من المكاسب الغيبية ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأن علياً (رضي الله عنه) لم يتفقه فيما ادعاه، ونسب إليه من العلوم بطريق عالم الشهادة المشاهدة، فثبت أن ذلك حاصل له من قبيل الغيب الذي أشرنا إليه، ويعبر عن هذا المقام بالتعليم الرباني المشار إليه بقوله تعالى: {وعلمناه من لدنا علما}، وقوله تعالى: {وعلمك ما لم تكن تعلم}.

الفصل التاسع:
واعلم أن القلب الطاهر من الأخلاق النفسية الذميمة إذا اتصلت به الأنوار العقلية جذبت تلك الأنوار إلى عالمه من المواهب الإلهية ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، يقول الحق تعالى: «لا تسعني سمائي ولا أرضي ويسعني قلب عبدي المؤمن الوادع».

الفصل العاشر:
اعلم أن الإنسان الكامل في صفاته عبارة عن ثلاث عوالم، عالم الخلق، وعالم التسوية، وعالم الأمر، أما عالم الخلق فهو عبارة عن إكمال الصورة التخطيطية من التراب والماء والهواء والنار. وأما عالم التسوية فهو عبارة لقبول الروح الأدنى، بمعنى محرك لجسده يشاركه في مطلق المعنى السائر أنواع الحيوان. ويعبر عن هذا المعنى المحرك للجسد بالنفس في قوله تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها}، إشارة إلى كونها أمارة بالسوء، تقواها إشارة إلى كونها مطمئنة بتقوى خالقها. وأما عالم الأمر فهو عبارة عن الروح القدسي، الذي من عالم الأمر، وهو العقل الكلي الذي سبق الكلام في آثاره في العالمين بإذن خالقه، وهو طور زائد على صفة الإنسان، يعبر عنه بالتقويم الأحسن، والخلق الأكمل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}.

والإشارة إلى العوالم الثلاثة في الإنسان بقوله تعالى إشارة إلى آدم (عليه الصلاة والسلام): {إني خالق بشراً من طين}، تنبيهاً على الصورة التخطيطية التي أشرنا إليها، وهو عالم الخلق، ثم قال: {فإذا سويته}، إشارة إلى عالم التسوية، وهو تنبيه على النفس الحيوانية الإنسانية التي مثالها في عالم الشهادة المرآة الصقيلة التي هي معدة لقبول الصورة الشخصية على أي هيئة كانت مع ارتفاع الموانع حال وجود المقابلة، فكما أن المرآة تارة تكون صدئة، فيقابلها الأشخاص ولا تنتقش فيها هيئاتها مع أنها موجودة الجوهر الذي تنتقش فيه الصور، لكنه ممنوع من أعمال الخاصية؛ لوجود الريون المظلمة على وجهها، ومثاله في الغيب الإنساني للنفس المشار إليها إذا تغطى جوهرها بريون المكاسب الدنيوية، والأخلاق البهيمية والسبعية، فكانت أمارة بالسوء، وتارة يكون جوهر المرآة كامل الصقالة، والحقائق المرئيات مقابلة لها على التمام، ولكن الضوء الذي تدرك المرئيات بواسطته معدوم، والليل مظلم، فيتوقف الحكم المطلوب من ذلك حتى يوجد النور الذي يبصر به، فإذا طلع الصبح: {وأشرقت الأرض بنور ربها}، وظهرت الأشكال في المرآة من غير تكلف ولا تحويل، بل بمجرد ارتفاع الموانع، ومثال ذلك في عالم الغيب الإنساني النفس اللوامة، فإذا اتصلت بها المادة العلوية، والألطاف الإلهية اهتدت فأطاعت، وإذا غلبت ظلمة الجبلة والهوى الشيطاني خالفَت وعصَت: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}، وتارة تكون الأنوار أبداً متصلة بجوهرها الكامل الصقالة، والحقائق مقابلة لها على كمال الصفات المطلوبة، فلا تزال عالمة ومعلمة من غير نقص، ومثالها النفس المطهرة التي أهلها الله تعالى لقبول الحقائق الروحانية، والعلوم العلوية والسفلية، ولكنها لا ضوء عندها حالة التهيئة، وهي حالة التسوية، كما قال تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها}، وذلك تنبيه على خلوّها في بادئ الأمر من الهداية، حتى اتصلت بها الموهبة الإلهية باتصال النور الأمري بمعناها، فلما اتصل بها النور الأمري المعبر عنه بالروح القدسي ظهرت آثار الحكم الإلهية في جملة هذه الصورة المكملة.

قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً}، ولما أكمل خلقه بالنفخة الأمرية، قال تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، فهذه الصورة الكاملة عبارة عن لب في قشرين: فالقشر الأول: هو الصورة التخطيطية، وما يتعلق بها من المكاسب والحركات البدنية، والهمم القلبية فيما يتعلق بمصالح الصور والإرادات الدنيوية، وهو الحجاب الأول الذي إذا قطعه الإنسان باطراحه رقي معراجاً من المعاريج الثلاثة للسعادة. ثم يلقاه الحجاب الثاني، وهو ما يختص بعالم النفس من الأخلاق الذميمة نحو الكبر والعجب والشح والطمع والحقد والحسد والمراء والغضب والخيانة والكذب والقنوط والشره والنميمة والغيبة وحب النفس وطول الأمل وحب التعظيم والتزين للخلق ونظر الأعمال والاعتماد عليها ورجاء الخلق وخوفهم وجميع ما للنفس فيه حظ عاجل دنيوي مجرد عن محض الإخلاص كائناً ما كان، فإن ذلك كله حجاب عن الحق، وما كان من ذلك فهو متعلق بالقلب مما يلي البصيرة التي أشرنا إليها آنفاً، فتارة يتصف بالكثافة بانضمام بعض الأخلاق إلى بعض، وتارة توصف باللطافة انسلاخ بعضها عن بعض، فإذا ارتفعت بأسرها عن القلب وتبدلت بضدها من الأخلاق الحسنة نحو: التواضع والصدق والكرم والحلم والإيمان والوفاء والصبر والصفح والحياء والفقر والقناعة والرضا والعفة والتقوى والأمانة والصيانة والورع والتوكل واليقين والخشية والتودد والعفو والإيثار والإعانة والرحمة والشجاعة والمجاهدة والحكمة والإخلاص والمعرفة والعبودية، فإذا اتصفت النفس بهذه الأخلاق الحميدة عوضاًعما تقدمها من الأخلاق الذميمة ارتقى القلب معراجاً ثانياً إلى السعادة الثانية. فالأولى يعبر عنها بالفناء عن عالم الصور، وهذه الحالة يعبر عنها بالفناء عن عالم المعاني، وهو الفناء الأوسط الذي ليس بعده إلا النهاية، وهو الفناء عن الفناء، وهو مقام الحرية.


شرح ترجمان الأشواق

مختارات من ديوان «ترجمان الأشواق»


من قصيدة «سُحَيْرا أناخوا»


....................... .......................
أفيقوا علينا، فإنا رُزِئنـا ..|.. بُعيدَ السُّحيْرِ قُبيْلَ الشروقِ
بيضـاء غيداء بهتـانةً ..|.. تُضوّعُ نشراً كمِسكٍ فتيقِ
تمايَلُ سَكرى، كمثل العضونِ ..|.. ثنتها الرياح كمثل الشـقيق
برِدفٍ مهولٍ كدعص النقا ..|.. ترجرج مثل سَـنامِ الفنيقِ
فما لامني في هواهـا عَذولٌ ..|.. ولا لامني في هواهـا صديقي
ولو لامني في هواهـا عذولٌ ..|.. لكان جوابي إليه شـهيقي
فشوقي ركابي، وحزني لباسي ..|.. ووجدي صبوحي، ودمعي غبوقي

الشرح:
البيت الأول والثاني:
يقول: ولا تشغلكم أحوالكم التي قد أضعَفتكم وأفنتكم عن أن تفيقوا للنظر في حالنا لتعلقنا بكم، وطلبنا المعونة على ما نحن بصدده بهمتكم ودعائكم وقوله: «فإنا رزئنا» من الرزية. يقول: أخذنا عنا، ولم نصل إليه وصول من حصل بيده شيء لمكانة العزة. وقوله: بعيد السحير، قبيل الشروق، وهو زمان العروج من النزول الإلهي إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر. يقول: انقضى الوقت. ولم نحصل على مطلوب وجعل ذلك رزية.

يقول: رزئنا بفقد بيضاء، أي ما فيها شك، يريد هذه الصفة الذاتية التي هي مطلوبة، وقوله: غيداء يقول: مع كونها جليلة القدر فها ميل إلينا، وهو النزول الذي ذكرناه، ومع هذا فلا نحصل منه ما يضبطه علم أو عقل أو وهم أو خيال، والبهتانة: الطيبة الريح.

يقول: إن لهذه الصفة في قلوبنا طيباً ونشراً، يقول وإن لم تشهد ذاتها فإن لنا منها ما لنا من المسك رائحته، وإن نشهد عينه، وهذه هي الآثار الإلهية التي في قلوب العباد، غير أن كل أحد ليس له مشم إدراك ما هي عليه من العطرية. والنشر: الطيب. وشبهها بالمسك لأنه أطيب الطيب ولاسيما إذا كان مفتقاً فهو أطيب، وأليق بالمشام الإنسانية، ولو كان ثم ما هو أطيب من تلك الرائحة إذا أوقع التشبيه.

البيت الثالث والرابع:
يقول: تمايل، أي تتمايل وهو النزول كما ذكرناه، وقوله: سكرى، يشير إلى مقام الحيرة، لأن السكران حيران، فإن الميل إلينا لا يكون إلا بقدر ما يقع به التفهيم عندنا مما يناسب كأحاديث الضحك، والفرح، والتبشيش وما أشبه ذلك.

وقوله: كمثل الغصون، لأنها محل الثمر أي ميلها للإفادة، وقوله ثنتها الرياح أي أمالتها الهمم بطلبها إياها، فإنه تعالى يقول {ادعوني أستجب لكم} ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً فقربك شبراً أدى تقريبه إليك ذراعاً شبراً لشبر جزاء الزائد للمنة الإلهية والفضل الخارج عن الكسب.

وقوله: كمثل الشقيق، وهو الحرير الخام الذي لم تدخله صنعة الآدمي. يقول أي أنها ما هي عليه.
يشير إلى ما أردفه من النعم المعنوية، وغير المعنوية على عباده، وقوله مهول لمن فكر في ذلك عظم عليه، وهاله ما أردفه سبحانه من جسيم مننه التي لا طاقة للعبد على القيام بشكرها. وشبهها بكثيب الرمل لارتكا بعضها على بعض ونضدها وكثرتها، وتميز بعضها من بعض كما تنفصل دقيقة الرمل من الرمل، أي لا تمتزج فتختلط فلا تعرف، ثم شبه حركتها في قلوب العارفين بها مثل سنام الجمل العظيم في الرفعة والسنم فإنه دهن كله والدهن ممد الأنوار للبقاء فكذلك هذه العلوم إذا قامت بقلوب من قامت بها، أورثتها البقاء الأبدي في النعيم الأبدي.

البيت الخامس والسادس والسابع:
يقول: لاتساعها لا تتعلق غيرة العباد بها لأنها مع كل أحد كالشمس لو اتفق أن تهواها القلوب لقطعت بأسها من تماسها ذاتها، لنزاهتها وعلوها من مقام محبيها، ولنالت منها مقصودها بمجرد النظر على الانفراد لأنها متجلية لكل عين، فلهذا لا تصح الغيرة على محبوب بهذه الصفة، فإن المصلي يناجي ربه وكل شخص في زاويته على انفراده، يناجي ربه بقلبه، فلا يقع في ذلك ازحام فلا غيرة ولا لوم من عاذل ولا من صديق أصلاً.

يقول: لو تصور اللوم إلي من أحد في حبي إياها لكان جوابي الإعلان بالبكاء والزفير.
ويقول: فشوق ركابي إليها وهو الذي ينزلني عليها. يقول الحق تعالى: «أين المشتاقون إليّ (أنزههم في وجهي) وأرفع لهم الحجب عني يروني فطوبى لهم ثم طوبى لهم ما أحسن تلك المناظر العلى بالمقام الأجلى والمكانة الزلفى»، ثم قال: «إن وجدي بهم غذائي الذي هو سبب حياتي»، والصبوح شرب الغداة والغبوق شرب العشى: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} كما للمحجوبين النار يعرضون عليها غدواً وعشياً.

وختاماً لهذه الرحلة المتواضعة مع شخص عظيم من عظماء الأرض الحقيقيين أي شيخنا الأكبر محي الدين بن عربي أحب أن أستشهد بهذه الآيات الكريمة من القرآن الكريم:
يقول الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (سورة محمد، الآية 25)
وأيضاً، قوله تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} (المجادلة، 21)
وأيضاً، قوله تعالى: {أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} (آل عمران،7) صدق الله العظيم.


ملحق للدراسة


قراءة في دراسة الدكتورة سعاد الحكيم لـ:


كتاب الأستاذ ميشيل شودكيفيتش «خاتم الأولياء: النبوة والولاية في مذهب ابن عربي» (باريس، 1986)

مقدمة:
من هو الولي؟ ما وظيفته في الكون؟ ولماذا بعد أن خَتَمَ الله- عزّ وجلّ – النبوة أوجدَ الأولياء؟ ألا يكفي وجود النبي (ص) في حياة الإنسان المسلِم؟ فما ضرورة وجود الولي؟ كل هذه الأسئلة يطرحها وجود الولي في مجتمعنا وجمعنا المسلِم، ونحن فيها حيارى. ويمكن تلخيص واقع الولاية بعوالم ثلاثة، نتوقف عندها فيما سيأتي.

تكاثرت الأسئلة عن الولاية ومعناها وعن الولي وهويته.

تظل الولاية سراً بين الولي وبين من ولاّه – سبحانه: يحتفظ بسرّ الولاية، يعيش عبوديته الخاصة، ويضنّ بهذه المعرفة على غير أهلها.

الولي – في نظر السوى – هو إنسان بدنُه أرضي وروحُه سماوية، أباح جسمه لمن أراد مجالستَه، وحبيبُ قلبه في الفؤاد أنيسه. والولي هو إنسان أولاً وآخَراً، إنسان يشعر، يحب، وهو في أعلى درجات القرب يتقطّع قلبه على طفله المحموم. وشودكفيتش هو أول من ألقى الضوء على إنسانية الولي، إذ كل من سبقه من الدارسين اهتم بخوارق الولي وبمظاهر الألوهية المتجلية فيه، وجعله مفارقاً لعالم البشرية، وكأن كل شعور بشري هو نقص وعلائق وسقوط يجرح علوه ومقامه. ونحن نتابع هنا شودكفيتش في نظرته إلى إنسانية الولي: فالفرق كبير بين أن يرقى الإنسان بمشاعره وعواطفه من آفات البشرية إلى آفاق الإنسانية، وبين أن يفارقها بالكلية. فالولي، كما يؤكد شودكفيتش بحق في آخر كتابه، هو القريب من الله، القريب من الناس.

إن الولي هو القريب من الله، القريب من الناس. وهذا القرب من الناس هو امتداد لقرب الأنبياء من الناس، على علو مكانتهم عند الله. – فالأنبياء – وهم السلالة المختارة من الجنس البشري – عاشت مع الناس، وظلت قريبة منهم، تحقِّق الوصل بين الأرض والسماء. فالنبي يكون من الناس قريباً، والولي يتابع هذا الدور، لأنه الوريث والنائب، يحمل أعباء شريعة النبي، ويعيش مع الناس قريباً منهم، ليحقِّق اتصال الأرض بالسماء، واتصال التابعين بالمتبوع. ويبيّن شودكفيتش أن الولي يؤكد النبوة، ويتابع دوره في البنية الدينية للمجتمع المؤمن.

أما وظيفة التصوف فتكمن في أنه يساعد على ظهور الأولياء، وأنه السماء التي يرتفع فيها نجم هداية الأولياء. والصوفي يشعر بأن عليه أن يعطي صورة الولي، ويعكس جميع كمالات التقى للناس.

وعلى الرغم من أن ابن عربي كان مسبوقاً بكتّاب وصوفية تناولوا موضوع الولاية، فهو أول من قدّم نظرية شاملة، وتتبّع صورها الموروثة من شخصيات أنبياء الأديان كافة: ولي موسوي، ولي عيسوي، ولي إبراهيمي، إلخ.

الفصل الأول: اسم مشترك
يبدأ الأستاذ شودكفيتش الفصل الأول بإيراد بعض رؤى منامية لابن عربي، يرى فيها الأنبياء (ع) بمفردهم أو هم وأتباعهم.

والولي هو «على قَدَم» نبي، يتبعه في العلم والعمل والحال. وهذه الرؤى يؤيدها كلامُ تلميذه صدر الدين القونوي، الذي كان يقول إنه في طاقة أستاذه أن يجتمع بروح من يشاء من الأولياء السابقين الراحلين: وهذا كتاب التجليات لابن عربي شاهدٌ على مثل هذه اللقاءات.

يخصِّص شودكفيتش هذا الفصل لبحث معنى «ولي».

الولاية هي الولاء لله، وبالمعنى الثاني، الولي هو الذي يتولى أموراً، ويأخذ على عاتقه شريعة. مثلاً، الولي المحمدي لا يعطي شريعة، ولكن يأخذ على عاتقه الشريعة المحمدية، وهكذا دواليك.

والولي كذلك هو اسم مشترك بين الله وبين الإنسان: فـ «الولي» هو أحد الأسماء الإلهية، وهو أيضاً اسم يُطلَق على الإنسان: {الله ولي المؤمنين} (آل عمران 68)، {الله ولي الذين آمنوا يُخرجِهم من الظلمات إلى النور} (البقرة 257)، {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (يونس 62).

الفصل الثاني: من يراك يراني
يستعرض هنا شودكفيتش تاريخ فكرة الولاية. فكثيراً ما كان ابن عربي يؤكّد على قضية النصرة في الولاية، ويرى أن الولي والأولياء هم الذين تولاّهم الله ينصرتهم، تولاّهم في محاربتهم أعداءهم الأربعة: النفس، والهوى، والدنيا، والشيطان.

وبحسب الهجويري، يرجع وجود الولي والولاية في اللغة الصوفية إلى الحكيم الترمذي (القرن التاسع الميلادي) الذي توالَت كتبه حاملة اسمها: علم الأولياء، ختم الأولياء، سيرة الأولياء. فالترمذي يُعَدُّ أول صوفي بيَّن معالِم الولاية وطرح مشاكلها ومسائلها.

يفرِّق الترمذي بين طريقين للولاية: طريق الصدق والجهد والعبادة، وطريق المنّة والوَهْب والعبودية، وهذا الطريقان، على تداخلهما، يشيران إلى مرتبتين من مراتب الحياة الروحية، أي مرتبتين من مراتب الولاية: مرتبة «ولي حق الله» ومرتبة «ولي الله حقاً». الولاية الأولى يحصِّلها السالك بسيره في الطريق الأول، وهو ممارسة الصدق، فالصدق أول خطوة في الولاية، وهو يفرض الأداء الكامل لكل الفروض الداخلية والخارجية المترتبة عن العهود الإلهية، صدق العهود مع الله، وباختصار صدق العبادة. والولاية الثانية ينالها المؤمن بالوَهْب والمنّة الإلهية، وتتصف بصدق العبودية.

إن عبارة «حق الله» على المخلوقات توهِم بحقّ المخلوقات على الخالق. لذلك فإن «ولي حق الله» هو الذي تظهر ولايته في خدمته للحقوق الإلهية، وهي: أداء الفروض، حفظ الجوارح، الصبر على الشهوات، التوكل في الرزق. يعطي ليأخذ: يعطي صدق العبادة، فيمنُّ الله عليه ويعطيه طريقاً أعلى في الولاية، ويرقى إلى أن يكون «ولي الله حقاً»، يجاهد المؤمن نفسه في عبادة الله، فتتوالى عليه أنوار العطاءات الربانية. فإن لم يقف عندها خلّصه الله – عزّ وجلّ – لعبوديته، وحرّره من كل شيء، ورقّاه في درجات الولاية، وأنزلَه محلّ قُربه. وهذا الولي، وإن كان لا يطلب المعاوضة بالخدمة، إلا أن عبوديته المطلقة هي مساحة أعماقه التي تحررت من كل شيء وامتلأت بالحضور الإلهي. لذلك نجد أن أهم صفات الولاية الصادقة عند الترمذي هي تنزّل السكينة على الولي، أي الحضور الإلهي.

وينتقل شودكفيتش إلى السؤال الذي يُطرَح في كل نظرية روحية في الإسلام: ما هي العلاقة بين الولي وبين النبي أو الرسول؟ هذا الموضوع بالذات – وقد أشار إليه الترمذي في رسالة بدء الشأن – هو الذي أثار عليه ثورة الفقهاء. يرى الترمذي أن نبوّة الأنبياء ورسالة الرسل لهما نهاية وحدّ في هذه الدنيا، وتتوافق نهايتهما مع نهاية العالَم ورجوع مخلوقاته إلى خالقها في يوم الفصل العظيم. وعلى العكس من ذلك، تستمر صفة الولاية أبدية. وهذا ما يفسر أن «الولي» هو أحد الأسماء الإلهية. وهذا الكلام لا يعني أن الولي «أفضل» من النبي أو الرسول، ولكن صفة الولاية في شخص الرسول أو النبي نفسه تستمر أبدية، على حين فعل رسالته أو نبوّته ينتهيان بانتهاء العالَم.

وبعد أن عرض شودكفيتش للولاية عند الحكيم الترمذي، يتساءل عن معنى «ختم الأولياء» الذي عنوَنَ به كتابه. ذلك أن الإشارات التي تلامحَت عند الترمذي، أمثال قوله إن ختم الأولياء هو «حجة الله على الأولياء» أو أنه «سيد الأولياء» و«حكيم الحكماء». ويبقى أن الحكيم الترمذي أورد مجموعة أسئلة كانت تحدياً للمدّعين، تحدياً لمن يتكلم كالأولياء وليس منهم. هذه الأسئلة المائة والسبعة والخمسون ظلت تنتظِر دون جواب زمن ابن عربي الذي واجه التحدي وأجاب في الفتوحات عن الأسئلة جميعها. وأهم هذه الأسئلة: كم عدد منازل الأولياء؟ أين منازل أهل القُربة؟ من الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق محمد (ص) خاتم النبوة؟ ما سبب الخاتم وما معناه؟ أين مقام الأنبياء من الأولياء؟ ما سكينة الأولياء؟ الخ.

في الحقيقة هنالك مصطلحين يستعملهما القشيري في تفسيره للقرآن (في «لطائف الإشارات») فنراه يفرّق بين «معصوم» و«محفوظ»: عصمة النبي تكمن في أنه لا يجد في نفسه الرغبة في معصية، أما الولي فإنه ليس في ملجأ من الإغراء، ويمكن أن يضعف أحياناً أمام الغواية، ولكن المنّة الإلهية تحفظه من الإصرار على الخطأ.

الفصل الثالث: دائرة الولاية
في هذا الفصل سوف يحدد شودكفيتش تدريجياً طبيعة الولاية عند ابن عربي ودورها وأشكالها. ويبدأ بأن يلفت النظر إلى أن مذهب ابن عربي في الولاية مضمّن تحت أسماء كثيرة – إلى جانب اسم الولي – أهمها: «العارِف»، «المحقِّق»، «الملامي»، «الوريث»، «الصوفي»، «العبد»، «الرجل».
ويلحظ شودكفيتش أن ترتيب الفصول المتعلقة بالأنبياء لا يتبع التوالي التاريخي: فالفصل المخصّص لعيسى يسبق المخصّص لسليمان الذي، بدوره يسبق الفصل المخصّص لداود (عليهم السلام). ويلحظ أن شخصيتين من هذه الشخصيات السبع والعشرين – وهما شيث وخالد بن سنان – لم ترِدا في القرآن، على حين أن نبيّيْن مذكورين في القرآن – هما ذو الكفل وأليسع – غائبان عن كتاب ابن عربي. ويلحظ أيضاً أن لقمان، الذي يعطي اسمه لأحد الفصوص، هو في الواقع – قرآنياً – حكيم أكثر منه نبي.

ويفيدنا كتاب فصوص الحكم أيضاً في استخلاص بنية الولاية الصوفية ومعرفة تنوع شخصيات الأولياء، وذلك من خلال الأنماط الروحية التي يُبرزها كل فص من الفصوص. ففي كل فص من الفصوص نجد نمطاً روحياً يتحدّد بالتقاء وجه من وجوه الحكمة الإلهية مع القابل الإنساني الذي يحويها ويُفرَض عليها، بالتالي، شروطه الإنسانية. كل نمط روحي هو التقاء المطلق الإلهي، أي الحكمة الإلهية، بالمقيّد الإنساني، أي بالكلمة.

ثم ينتقل شودكفيتش إلى بيان الظروف التي دفعت ابن عربي إلى نشر فصوص الحكم. فابن عربي، مع أنه ليس برسول ولا بنبي، إلا أنه «وارث» يكتب إملاء إلهياً.

وفي الفصل المتعلق بعُزَير، يعطي ابن عربي نصوصاً وإشارات هامة إلى علاقة النبوة بالولاية، يقول: «اعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام، ولهذا لم تنقطع. أما نبوءة التشريع والرسالة فمنقطعة. وفي محمد (ص) قد انقطعت، فلا نبي بعده: يعني مشترعاً أو مشرّعاً له، ولا رسول، وهو المشرّع. وهذا الحديث قَصَم ظهور أولياء الله لأنه يتضمّن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة».

وباختصار فالأولياء هم ورثة الأنبياء.

ومن الجدير بالذكر أن النبوة والولاية تشتركان في ثلاثة أشياء: العلم، والفعل بالهمة، ورؤية عالم الخيال بالحس، وتختلفان في الخطاب الإلهي. ولعله من أهم نصوص ابن عربي في هذا المجال هو عشرة فصول متتابعة من الفتوحات (152-162)، حيث يرسم دوائر الولاية والنبوة والرسالة، ويبيّن العلاقة فيما بينها، ويُنهي هذا المبحث بفصل عن «مقام القُربة» الذي يمثل كمال الولاية وأعلى مراتبها.

وهكذا تتحدد طبيعة الولاية عند ابن عربي على أنها قُربة، ويتحدد شكلها بفعل الوراثة الموجود بين الولي الوارث والنبي الموروث. ولكن كل ولي وارث لنبي فإنه لا يرثه مباشرة، وإنما من حيث الحقيقة المحمدية. لذلك كل ولي هو ولي محمدي في شكل من الأشكال. وهذا ما دفع شودكفيتش إلى التوقف عند «الحقيقة المحمدية» ومكانتها الوجودية في الفصل التالي.

الفصل الرابع: الحقيقة المحمدية
كل وارث من نبي من الأنبياء هو دائماً وارث من محمد (ص). ويقول ابن عربي في الفتوحات إن:
«كل الأنبياء الذين تقدموا في الزمان على محمد (ص) هم نوّابه في عالَم الخلق، وهو لا يزال روحاً مجرداً ونوراً مسوّى. قيل له: متى كنت نبياً؟ فقال: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين. إلى أن وصل زمانُ ظهور جسده المطهَّر (ص)، فلم يبق حكم لنائب من نوابه».

ثم يبيّن شودكفيتش أن عبارة «الحقيقة المحمدية» تجد جذورها القرآنية في عبارة النور المحمدي، المستوحاة من قوله تعالى: {سراجاً منيراً}(46:33). وإن فكرة «النور المحمدي» لها أصول في كتب السيرة، نجدها فيما يُروَى عن النور الذي كان بين عيني والده عبد الله، ورأته سيدةٌ عشية زواجه بآمِنة، وفارقه عندما رأته ثانية صبيحة اليوم التالي. إنه نور النبوّة المنتقِل في الأصلاب والأرحام.

ويشير شودكفيتش إلى الصوفيين الذين أكدوا أسبقية النور المحمدي في الظهور على كافة المخلوقات، كجعفر الصادق وسهل التستري والحكيم الترمذي والحلاج، وإلى ارتباط الحقيقة المحمدية بعبارة مفهوم الإنسان الكامل، الذي هو هدف كل حياة روحية وغاية كل تعريف للولاية.
والوارث غير المحمدي يرى الناسُ ولايتَه بما يظهر على ظاهره من علامات كالكرامات والخوارق. وعلى العكس، فإن الوارث المحمدي يجهله الناس، ولا يعرفه إلا النخبة، لأن خوارق الطبيعة لا تظهر على ظاهره، وإنما تتنزل في قلبه على هيئة علوم وأحوال روحية.

الفصل الخامس: وَرَثَة الأنبياء
ينطلِق ابن عربي من أن محمداً (ص) يحوي كلية الصور النبوية، ويحوي شخصه، بالتالي، كل المزايا المخصوصة التي لكل واحد من الأنبياء. ففي شخص النبي (ص) تجتمع صفات الأنبياء كافة، يرِث من الحقيقة المحمدية الوجه الخاص بالنبي الموروث. فمن الأولياء من يرث وجه عيسى من الحقيقة المحمدية، فيُطلَق عليه عيسوي، ومنهم من يرث وجه موسى من الحقيقة المحمدية، ويُطلَق عليه اسم «موسوي»، وهذا «إبراهيمي»، وذاك «هودي»، وغيرهم.

وابن عربي نفسه يروي أن أستاذه أبا العباس العريبي أصبح عيسوياً في آخر حياته، وأنه هو نفسه – ابن عربي – على العكس، كان عيسوياً في البداية، ثم أضحى موسوياً، ثم أمسى هودياً، ثم ورث على التوالي من كل الأنبياء، وفي آخر المقام من محمد (ص) بنفسه.

وهكذا يتكون من مزايا كل نبي ومعجزاته نمطُ شخصيته، تظهر صورتُها على الولي الوارِث. فالولي العيسوي، مثلاً، تأتي كراماتُه على صورة معجزات عيسى، فتراه يمشي على الماء، ويشفي المريض، ويُبرئ الأعمى. ويشير شودكفيتش إلى شخصيات معروفة في الوسَط الصوفي، ويؤكد أنها كانت عيسوية الولاية، كالحلاج وعين القضاة الحمداني، مريد أحمد الغزالي، وعبد الله أحرار والشيخ العلوي، كما يشير إلى أحمد البدوي موسوي. هذا وفي استطاعة العارف، إن تمرّس في أحوال الولي، أن يكتشف الطابع النبوي الذي يطبع ظاهره. ولا تتعدد الأنماط الروحية للولاية الموروثة عن النبوة إلى ما لا نهاية، بل يحصر ابن عربي صورها الرئيسة في كتاب فصوص الحكم بفصوله السبعة والعشرين.

الفصل السادس: الأوتاد الأربعة
بعد أن درس شودكفيتش في الفصول السابِقَة طبيعة الولاية وهوية الولي وأنماط شخصيات الأولياء، ينتقِل هنا من الطرح النمطي للولاية إلى الطرح الجغرافي، حيث يحتل كل ولي مركزاً جغرافياً من الأرض، بحسب مرتبته من الولاية: لكل ولي منزل، مركز جغرافي يحتله، ومنه يباشِر وظيفته وولايته. ويبدأ شودكفيتش بتلمّس منازل الأولياء في النصوص السابقة لابن عربي، ويجد حديثاً شريفاً عند السيوطي، عن أبي هريرة يشير إلى سبعة يحفظ الله بهم سكان الأرض.

وفيما يتعلق بموضوع مراكز الأولياء الذين يمثلون قوى «الكون الفاعل»، لعل النص الأكمل هو ما نجده في بداية الجزء الثاني من الفتوحات، وهذا النص هو ما سيتخذه شودكفيتش دليله في طريق تحديد عالَم الأولياء. يبدأ ابن عربي الفصل بتحديد أفضلية مقام الرسول على النوع الإنساني عامة. ثم يمثل الدين بالبيت القائم بقيام أركانه الأربعة، وأركان البيت الأربعة هي: «الرسالة» و«النبوة» و«الولاية» و«الإيمان».

يقول ابن عربي بأنه بعد وفاة محمد (ص) أبقى الله – عز وجل – من الرسل أحياء بأجسادهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس والياس وعيسى. إدريس بقي حياً بجسده، وأسكنه الله السماء الرابعة، والسموات السبع هن من الدار الدنيا، تبقى ببقائها وتفنى صورتُها بفنائها، لأن الدار الأخرى تُبدّل فيها السموات والأرض. أما الياس وعيسى فقد بقيا في الأرض. وهذه الشخصيات الثلاث مُجمَع على رسالتهم. أما الخضر وهو الرابع فهو «من المُختلَف فيه»، كما يقول ابن عربي: «عند غيرنا لا عندنا. فهؤلاء الرسل الأربعة باقون بأجسامهم في الدار الدنيا. فكلهم أوتاد، واثنان منهم الإمامان، وواحد منهم القطب، الذي هو موضع نظر الحق من العالَم. إذن واحد من هؤلاء الأربعة، الذين هم إدريس وعيسى والياس والخضر، هو القطب. وهو أحد أركان بيت الدين، وهو ركن الحجر الأسود، واثنان منهما هما الإمامان، وأربعتهم هم الأوتاد. فبالواحد يحفظ الله الإيمان، وبالثاني يحفظ الله الولاية، وبالثالث يحفظ الله النبوة، وبالرابع يحفظ الله الرسالة، وبالمجموع يحفظ الله الدين الحنيف. ولكل واحد من هؤلاء الأربعة من هذه الأمة في كل زمان شخص ولي على قلبه مع وجوده، هو نائبه».

ثم يتابِع شودكفيتش ابن عربي في تصويره لجغرافية العالَم الروحي، ويتتبّع توزيع الأدوار بين هؤلاء الأنبياء الأربعة: فإدريس هو القطب، والإمامان هما عيسى والياس، والوتد الرابع هو الخضر.

الفصل السابع: الدرجة العليا من الولاية
بعد الكلام على الأوتاد الأربعة التي سبَقَ تفصيلها في الفصل السابِق، يتابع شودكفيتش ابن عربي في الكلام عن الأبدال، وهم سبعة، لا يزيدون ولا ينقصون، يحفظ الله تعالى بهم الأقاليم السبعة (= الأقاليم المناخية السبعة)، وكل بدل «على قدم» نبي: الأول على قدم إبراهيم، والثاني على قدم موسى، والثالث على قدم هارون، والرابع على قدم إدريس، والخامس على قدم يوسف، والسادس على قدم عيسى، والسابع على قدم آدم. كما أن هناك، كل ولي من الأوتاد الأربعة ينوب عن النبي الحي بجسمه، وهنا كل بدل من الأبدال السبعة على قدم نبي من الأنبياء السبعة، سكان السموات السبع.
ثم يأتي بعد الأبدال، النقباء، وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك، كل نقيب بخاصية كل برج. وبعد النقباء يأتي النجباء، وهم ثمانية، ثم الحواريون وهو واحد في كل زمان، ثم الرجبيون، وهم أربعون شخصاً في كل زمان. ثم يتكلم على الأفراد، المساوين للقطب في المرتبة والخارجين عن نظره، ثم على الملامية، حتى يصل إلى أعلى درجات الولاية، وهي مقام القُربة عند ابن عربي.

الفصل الثامن: الأختام الثلاثة
إن عبارة «ختم الولاية» لم تَرِد في قرآن أو حديث؛ ولكن لما كان العلماء هم الأولياء عند ابن عربي، وهم وَرَثَة الأنبياء، ولما كانت النبوة خُتِمت بشخص سيدنا محمد (ص)، ينشأ عن ذلك أن تُختَم الولاية بشخص الختم. والسؤال رقم (13) في أسئلة الترمذي، يقول: ومَن الذي يستحق خاتم الأولياء كما يستحق محمد (ص) خاتم النبوة؟ يقول ابن عربي في الجواب: «الختم ختمان: ختم يختم الله به الولاية، وختم يختم الله به الولاية المحمدية. فأما ختم الولاية على الإطلاق فهو عيسى، فهو الولي بالنبوة المطلقة في زمان هذه الأمة. وقد حيل بينه وبين نبوة التشريع والرسالة، فينزل في آخر الزمان وارثاً خاتماً، لا ولي بعد بنبوة مطلقة».

ثم ينتقِل شودكفيتش للكلام على ختم ثالث يشارك ختمي الولاية المحمدية والولاية العامة في عنوان هذا الفصل: «الأختام الثلاثة». والخاتم أو «الختم الثالِث» لم يذكره ابن عربي إلا مرة واحدة، وهو «ختم الأولاد». يقول ابن عربي: «على قدم شيث يكون آخر مولود من هذا النوع الإنساني، وهو حامل أسراره، وليس بعده ولد في هذا النوع. فهو خاتم الأولاد. وتولد مع أخت له فتخرج قبله، ويخرج بعدها، يكون رأسه عند رجليها. ويكون مولده في الصين، ولغته لغة أهل بلده. ويسري العقم في الرجال والنساء، ويكثر النكاح من غير ولادة. هذا الخاتم يدعو الناس إلى الله فلا يُجاب. فإذا قَبَضَه الله تعالى وقَبَضَ مؤمني زمانه، بقي من بقي مثل البهائم، ولا يُحلُّون حلالاً، ولا يحرِّمون حراماً، يتصرفون بحكم الطبيعة شهوة مجردة عن العقل والشرع. وعلى هؤلاء الناس تقوم الساعة».

وأرى هنا، استناداً إلى هذا النص الوحيد الذي نمتلكه عن «خاتم الأولاد» والذي تضاربت حوله الشروح، فرأى بعضهم أنه هو خاتم الولاية العامة، الذي قيل عنه إنه عيسى، ورأى بعضهم الآخَر أنه مجرد ولد يولد في آخر الزمان.

الفصل التاسع: ختم الولاية المحمدية
أحياناً يقول ابن عربي إنه التقى بشخص في فاس، هو ختم الولاية المحمدية، وأحياناً أخرى يقول عن نفسه إنه هو ختم الولاية المحمدية، ويورد مبشِّرات تهادت إليه في رؤية منامية، ويؤكِّد، بعد وصوله إلى المشرق، أنه هو ختم الولاية المحمدية.

وتلامذة ابن عربي كذلك يؤكدون أنه هو نفسه خاتم الولاية المحمدية. ويكثر الجدل حول شخص الختم. ويخرج الأستاذ شودكفيتش من هذا المأزق بالالتفات إلى مفهوم «النيابة» عند ابن عربي، ويُثبِت أن شخص خاتم الولاية المحمدية هو ابن عربي، يما يحويه من وظائف الختم، وأن كل طائفة ادّعَت لوليّها مقام الختم فهي إنما ترى فيه «نائب» الختم المحمدي، ترى على صفحة ولايته «القمرية» انعكاس صفات ولاية الختم «الشمسية».

الفصل العاشر وهو الأخير: السلم المزدوج
يلخّص شودكفيتش في مطلع هذا الفصل، وفي فقرة واحدة، خلاصة نظرة ابن عربي إلى الولاية، ويرى أنها انتظمَت على مفاهيم ثلاثة: الوراثة، النيابة، القُربة. فالوراثة لأحد الأنماط النبوية في معرفة الله – عز وجل – تفسِّر أشكال الولاية وسبب وجودها على أنماط متنوعة، والنيابة، التي هي نيابة الولي في وظيفة، ترجع في الواقع إلى الحقيقة المحمدية وتفسِّر مهمات الولاية ووظائفها؛ وأخيراً القُربة، وهي حقيقة الولاية ومعناها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: كيف نصبح أولياء؟ الولاية، قبل كل شيء، هي تجربة فردية ومجهود شخصي؛ وهي دائماً غير مسبوقة بمثال. وهذا ما يؤكد عليه ابن عربي دائماً: فلا تتكرر تجربة أبداً، ولا يسلك سالكٌ أبداً طريق سالكٍ آخر، ولا يمر سالكان بطريق واحد. غير أن هذه الفردية في الطرُق الموصلة إلى القُرب والولاية لا تمنع من وجود أنماط طرائقية، يجمع كل نمط منها مقاماته ومخاطره. وهذا ما يبرِّر وجود الشيخ المرشد المربّي، أي «المعلم الروحي» الخبير بأنماط طرائق المجاهدات. ومن ناحية ثانية، يظهر المعراج النبوي على أنه القدوة والمثال لكل طريق؛ وكل عروج وترقّ يطمح إلى تقرّب وولاية يرقى في هذه المعارج. وهذا ما سيتّضِح، كما يقول شودكفيتش، عند بحث مقامات القُرب عند ابن عربي.

بكلام آخر: الولي الكامل هو الواصل إلى الحق، الراجع إلى الخلق.

يبدأ شودكفيتش ببيان الطريق للسالك، منذ بداياته، كما فصّله ابن عربي في رسالة الأنوار.

وأول ما يبدأ به ابن عربي هو تعريف السالِك بأمَّهات المَواطن، أي يعرّفه من أين جاء، وأين هو، وإلى أين يذهب، حتى يعرف السالك ما يقتضيه كل موطن، فيستعد لمعاملة الموطن الذي هو فيه بما يتناسب ويليق. ويقول ابن عربي للسالك منبّهاً: «ينبغي لك أن تعرف ما يريده الحق منك في ذلك الموطن، فتُبادِر إليه من غير تثبيط ولا كلفة. والمَواطن ترجع إلى ستة: الأول هو موطن {ألست بربكم}؛ والموطن الثاني هو الدنيا التي نحن الآن فيها؛ والثالث هو عالَم البرزخ الذي نصير إليه بعد الموت الأصغر، أي الموت السلوكي، والموت الأكبر، أي موت البدن وانتقاله؛ والموطن الرابع هو أرض الحشر؛ والموطن الخامس هو الجنة والنار؛ والسادس هو موطن الكثيب خارج الجنة، وهو تلّ من مسك أبيض تكون الخلائق عليه عند رؤية الحق سبحانه وتعالى».

وبيان ابن عربي لهذه المواطن الستة التي ينزلها كل كائن تساهم – على ما يقول شودكفيتش – في تنبيه السالك إلى مخاطر الطريق الصوفي. فكلّ عاقل، كما يقول ابن عربي، عليه أن يعلم أن السفر مبني على المشقة والمحن والبلايا والأخطار والأهوال، وأنه من المحال أن يتنعّم المسافر أو يستريح أو يلتذ، وأن عليه أيضاً أن لا يستعجل المشاهدة والفتح، بل يعمل على تحصيل العلم، لأن الوقت في هذه الدنيا يجب أن يخصَّص لتحصيل العلوم الروحية، استعداداً ليوم البعث، حيث يتجلّى الله – عزّ وجلّ – فيه لكل إنسان في صورة عقيدته.

وبعد أن يشرح ابن عربي للسالك المَواطن، وينبّهه على المخاطِر وعدم طلب المشاهدة، ويدعوه للالتفات إلى العلم، يعطيه بعض القواعد التطبيقية التي تساعده في طريقه إلى الله. يقول له: «لابد لك من العزلة عن الناس وإيثار الخلوة على الصحبة. فإنه على قدر بُعدك من الخلق يكون قربك من الحق، ظاهراً وباطناً. وأول ما يجب عليك طلبُ العلم الذي تقيم به طهارتك وصلاتك وصيامك وتقواك، وما يفرض عليك طلبُه خاصة، لا تزيد على ذلك شيئاً – وهذا هو أول باب الطريق والسلوك. ويأتي بعده العمل به، ثم الورع، ثم الزهد، ثم التوكل. وفي أول حال من أحوال التوكل يصبح يحصل لك أربع كرامات، هي الدليل على حصولك أو درجة في التوكل، وهي: طي الأرض، والمشي على الماء، واختراق الهواء، والأكل من الكون. ثم، بعد ذلك، تتوالى عليك المقامات والأحوال والكرامات والتنزّلات إلى الموت».

ويرافق ابن عربي السالك معه على طريق الحضرة: فإن حقّق شروط الخلوة، وتحفّظ من الخيالات الفاسدة، واشتغل بذكر الله، وراعى اعتدال المزاج، وفرّق بين الواردات الروحانية الملكية والواردات الروحانية النارية الشيطانية، وحفظ عقيدته في الله عند دخوله الخلوة بأن الله {ليس كمثله شيء}، ولم يطلب من الخلوة من الله سواه، ولم يعلق وَلَهُ الهمَّة بغيره – إذا حقق السالك ذلك كلَّه فإن الله – عزّ وجلّ – يبتليه بأشياء يفتنه فيها، فعليه أن لا يقف مع شيء. ومن الأشياء التي يعرضها الله على السالِك ابتلاء أن يكشف له عن العالم الحسّي الغائب عنه، فلا تحجبه الجدران والظلمات عمّا يفعله الخلق في بيوتهم، ثم ينتقل من الكشف الحسي إلى الكشف الخيالي، وتتنزّل عليه المعاني العقلية بالصور الحسية، ثم تُكشَف له أسرار الأحجار المعدنية، فيعرف سر كل حجر وخاصّيته في المضارّ والمنافع، ويُكشَف له عن النباتات، وتناديه كلّ عشبة بما تحمله من خواص المضار والمنافع، ويُرفَع له عن الحيوانات، فتسلِّم عليه وتعرِّفه بما تحمله من الخواص. وهكذا كلُّ عالَم يعرِّف السالك بحمده وتسبيحه.

إن العارِج في الفتوحات لا يصل إلى السماء الأولى إلا بعد أن يتحلّل ويترك مركّبات تكوينه: يترك ماءه وترابه وناره وهواءه. كذلك هنا، أول ما يُكشَف له عن عوالم المعادن والنبات والحيوان؛ فإن لم يجتزها، ووقف مع أيّ عالَم منها، فإنه يُقطَع عليه الطريق. فاجتياز العوالم ومفاتنها في رسالة الأنوار يقابل تحلّل السالك من مركّبات تكوينه في الفتوحات. ويتابع شودكفيتش المداخلة بين الفتوحات وبين رسالة الأنوار، كشفاً بكشف، وسماء بسماء، حتى ينتهي إلى نهاية العروج الإنساني. وهنا الإنسان، في نهاية معراجه، لا يبقى منه إلا السرّ الإلهي الذي لا يتحلّل ولا ينقسِم – هذا السرُّ المنفوخ منذ بداية الخليقة في طينة آدَم.

وكما تحلّل السالك من أثوابه كافة قبل عروجه، فترك ماءه وترابه وناره وهواءه، حتى بقي سراً إلهياَ صرفاً غير ممزوج، نراه، عند رجوعه، يلبس أثوابه، واحداً واحداً، «يتركّب» حتى يعود إلى العالَم المركّب. ولكن التحليل والتركيب هما سلم مزدوج، يصعد فيه السالِك بدرجات وينزل بدرجات مقابلة، كأنها هي وليست هي. ويعود السالِك، يرجع الولي، من الوصول كأنه هو.

فالولاية على حد ما يعرّف بها شودكفيتش مراراً في هذا الكتاب، هي قُرب، ولكنه قرب مزدوج: قرب من الله، وقرب من الناس. فإذا كان «الإنسان الكامل» شجرة أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، والحقيقة المحمدية «برزخاً» بين الحق والخلق، فالولي وريث يجمع الأعلى والأسفل.

أخيراً وليس آخراً: نهاية الأولياء ليسَت إلا اسم آخر لنهاية العالَم.


نص لسعاد الحكيم


طبيعة عيسى الروحية


عيسى روحٌ تجسّدت، لا جسم نُفِخَت فيه الروح


قراءة في مذهب ابن عربي

عجبتُ[8] لِمَن ينادي بثقافة تسامح، فيعمل على التأسيس لها في الوعي المعاصر، دون أن يلامس تصوراتِ الوجود المولِّدة للسلوك الإنساني. فالتسامح الحقيقي، المتجذِّر في كينونة الإنسان، ليس موقفًا عقلانيًّا أو نفسانيًّا من الآخر، وإنما هو موقف كوني وجودي.


الولاية والنبوة

وقد فتح رجالاتُ الصوفية، على أطوال التاريخ الإسلامي، مساراتٍ أساسيةً للتسامح الإنساني الأصيل والمستدام، وأبدعوا في بناء تفاصيل مفصلية تدل على واقعيتهم وابتعادهم عن التنظير والنظريات. ومن هذه المفاصل الحيوية استعادةُ واحد من كبار الصوفية، هو محيي الدين بن عربي، للتاريخ الدينيِّ كاملاً وصياغته في جغرافيا كونية روحانية واحدة، يحتل فيها كلُّ نبيٍّ من أنبياء البشرية موقعَه الوجودي الذي لا يملؤه سواه، ويتجلَّى في كمال إنساني هو لبنة ضرورية في جدار الكمال، ويبقى أبد الدهر حقيقةً روحيةً محوريةً للسالكين والواصلين.

من هذه الحقائق الوجودية الضرورية لبناء عالم روحاني واحد – في تصور ابن عربي – الحقيقة العيسوية. فمن هو عيسى بن مريم؟ وماذا يمثِّل في الروحانية الإسلامية؟ وما هي المعرفة التي يضيفها ابن عربي إلى ما نملك من معارف حول شخص عيسى ودوره الروحاني؟ وإلى أيِّ مدى تساهم رؤيةُ عالِم صوفيٍّ مسلم للكمال العيسوي في قبول الآخر والاندماج الإنساني معه؟
نبدأ بالكلام على خَلْق عيسى، جسدًا وروحًا. وقد شكَّل هذا الخلق غير المعتاد إشكاليةً فكرية، وتضاربتْ فيه الأفكارُ وتحزَّبتِ الأحزابُ، ما بين منكر ومصدِّق، مشكِّك ومتوقِّف، مدافع ومتفكِّر، وغير ذلك.

وقد ساهم ابن عربي في التقريب بين المقبول الإيماني والمقبول العقلي، حين طرح مسألةَ خَلْق عيسى. فالأجسام الإنسانية، وإن كانت واحدة في الحدِّ والحقيقة والصورة الحسية والمعنوية، إلا أن أشكال خَلْقها متنوعة، لأن الله – سبحانه – بكلِّ خلق عليم؛ وحين تختلف أشكال الخلق تتنوَّع الأجسام.
وفي إلماحة مقارنة، يعطينا ابن عربي صورةً متكاملةً عن خلق أجسام الجنس البشري جميعًا. فأجسام البشر، وإن كانت جنسًا واحدًا، إلا أنها أربعة أنواع: النوع الأول هو جسم آدم، والنوع الثاني هو جسم حواء، والنوع الثالث هو جسم أبناء آدم وحواء، والنوع الرابع هو جسم عيسى. لقد خلق الله – سبحانه – جسم الإنسان بأسباب مختلفة تأكيدًا على السببية، من جهة، وحتى لا تدَّعي الأسبابُ أن الفعل لها، من جهة ثانية. فقد خَلَقَ – سبحانه – جسمَ آدم من دون ذكر وأنثى، وخلق جسمَ حواء من ذكر دون أنثى، وخلق أجسام ذريَّة آدم وحواء من ذكر وأنثى، وخَلَقَ جسد عيسى من أنثى دون ذكر.

يخبرنا ابن عربي في الفتوحات المكية[1] قصة خَلْق الأجسام الأربعة في اختصار: فأول الأجسام، الذي هو جسم آدم، ترابيُّ النشأة، ظهر دون تزاوُج ذكر وأنثى؛ وتشبه نشأتُه في عالمنا المشهود ما يُنشِئه الفاخوري من الطين والطبخ من أجسام. أما جسم حواء فهو جسم أنثى ظهرتْ من ذكر، خُلِقَتْ من ضلعه؛ وتشبه نشأتُه في عالمنا المشهود ما يُنشِئه النجار في ما ينحته من الصور في الخشب. وعندما خلق الله جسم حواء من جسم آدم، أحدث خروجُها من جسده فراغًا في محلِّها. ولما كان قانون الطبيعة يحتِّم أنه لا فراغ في الكون، فقد عمَّر محلَّها من جسد آدم بالشهوة إليها. فلما تغشَّاها وألقى ماءه في رحمها، تكوَّن جسمٌ ثالث يختلف في نشأته عن جسم آدم وعن جسم حواء؛ وتولى الله – سبحانه – هذا الجسم الثالث بالنشء في الرحم حالاً بعد حال، ونفخ فيه الروحَ الإنساني. فالجسم الثالث متولد من ماء ذكر وماء أنثى.

أما النوع الرابع – وهو جسم عيسى – فيختلف في نشأته عن الأجسام الثلاثة السابقة، كما أنه يشبهها من وجوه: فهو يشبه في نشأته آدم من حيث كونُه خُلِقَ من غير أب؛ ويشبه حواء من حيث إنه ظهر عن أصل بشري واحد؛ ويشبه بني آدم من حيث تكوُّنه في الرحم وتولّده على الهيئة المعتادة. والاختلاف المهم الذي يجعل جسد عيسى نوعًا رابعًا مغايرًا للأجسام الثلاثة المذكورة هو أنه «اندرجت تسويةُ جسمه وصورته البشرية بالنفخ الروحي»[2]. ويعني هذا الكلام أن أجسام الجنس البشري كلَّها، في حدود معرفتنا، وُجِدَتْ قبل وجود أرواحها؛ أي أن تسوية البدن ونفخ الروح هما حدثان متتابعان، لم يتمَّا دفعة واحدة. فالله – سبحانه – إذا سوَّى الجسم الإنساني نفخ فيه من روحه. أما جسد عيسى فلم يُسَوَّ قبل نفخ الروح فيه، بل حدث لحظة نفخ الروح. وتنتج عن هذه المقولة نتائج عدة عند ابن عربي، ربما تتقدم معها معرفتُنا الإنسانية بهذا الشخص الفريد.

ونتجاوز عن كيفية خَلْق عيسى، لنتابع ابن عربي في رؤيته لحقيقة جسد عيسى. فحيث إن جسده وروحه وُجِدا في لحظة واحدة، وبفعل واحد، فهذا يقود ابن عربي إلى الاستنتاج بأن روح عيسى هي عين ذاته؛ فالحياة ذاتية له، وهو ليس كائنًا ذا روح، بل هو روح: هو روح ظهر في صورة إنسان ثابتة، كما ظهر جبريل لرسول الله في صورة موقتة هي صورة روحية. وهذا الكلام يعني أن عيسى، بحسب رؤية ابن عربي، ليس كمطلق إنسان له جسمان: جسم مظلم كثيف، وجسم لطيف هو روح له، وهو عبارة عن «بخار يخرج من تجويف القلب وينتشر في أجزاء البدن»[3]؛ بل يذهب ابن عربي إلى التلميح بأن جسد عيسى متخيَّل[4]، أو أن جسده هو تجسيد لروحه، وأنه «أقرب إلى الجسدية من الجسمانية». إذن، عيسى هو روح تجسَّدت، لا جسم نُفِخَتْ فيه الروح.

ماذا ينتج عن كون عيسى – عند ابن عربي – روحًا تجسدت؟ ينتج عن ذلك أن عيسى ينعم بخصائص الروح. وأولها – وأهمها – أن الحياة ذاتية له، لأن الروح والحياة لا يفترقان[5]: فلو مسَّتِ الروحُ شيئًا أو وطأتْه حَيِيَ ذلك الشيءُ وسَرَتِ الحياةُ فيه[6]. ويستشهد ابن عربي لمقولته بما وَرَدَ في القرآن من أن السامري يعرف أن من خصائص الروح الإحياء؛ لذا قبض قبضةً من أثر الرسول، أي جبريل – وهو روح – ونبذها في العجل، فخار العجل!

وحيث إن عيسى هو روح إلهي، والروح والحياة لا يفترقان، كان يحيي الموتى بالنفخ؛ أي كان حاملاً للحياة وينفخها – بإذن الله – في ما وفي مَن يشاء[7]. وهكذا، فكل ما يظهر من قوى في شخص عيسى فهو قوى الروح التي وضع الله فيها خاصيةَ الإحياء. وهنا يساهم هذا العالِم المسلم في إرساء نظرية في عيسى مبنية على التفريق بين الروحية والإلهية، ويعطي تصورًا يُظهِر فرادة عيسى.

ولكن هذه الفرادة ترفعه إلى مرتبة الروح لا إلى مقام الألوهية. ذلك أنه عندما يظهر واحدٌ من البشر بخاصية إحياء الموتى فهو بذلك لا يشارك الله – سبحانه – في صفة ذاتية له، بل يشارك الروح في صفة ذاتية تخصُّه. فالإحياء خاصية روحية، لا خاصية إلهية؛ ومَن يحيي الموتى ليس بالضرورة إلهًا، بل قد يكون روحًا. ونقرِّب ذلك إلى الأذهان فنقول: كما أن الله – سبحانه – وضع في النار خاصية الإحراق، ووضع في الأسباب فاعليات تفعل بإذنه، كذلك وضع في الروح خاصة الإحياء. يقول ابن عربي: «عيسى روح الله، أي به ظهرت الحياة فيمَن نفخ فيه»[8].

ويتطرق ابن عربي إلى مسألة «علم عيسى»، ويعدِّد الكثير من علومه[9]. وبعد الاطلاع على عشرات العلوم العيسوية التي يعدِّدها الشيخ الأكبر، نستطيع أن نحصرها في علمين اثنين، عليهما مدارُ العلوم الباقية كلِّها. وقد ساعدتْني في هذا الحصر إشارةُ ابن عربي في عنقاء مغرب[10] إلى أن عيسى قد خُصِّص بعلمين؛ وهذان العلمان اللذان اختص عيسى بهما هما: علم النفخ (الكيمياء) وعلم الحروف (السيمياء).

لقد ظهر عيسى في عالم الأجسام مِن نَفْخ جبريل في السيدة الكاملة الطاهرة العذراء مريم – عليها السلام – وأُعطِيَ العلمَ الذي عنه وُجِدَ: أُعطِيَ علم النفخ؛ فينفخ في صورة الطين، مثلاً، فتصير طيرًا بإذن الله. ويؤكد ابن عربي أن لعيسى من علم الكيمياء الطريقين معًا: الإنشاء، وإزالة العلل العارضة. فهو كان ينشئ من الطين كهيئة الطير وينفخ فيه؛ كما كان يزيل العلل ويبرئ الأكْمَه والأبرص. وحيث إنه لا يُفتَح لأحد من البشر ليرى أو يعرف كيفية تعلُّق القدرة الإلهية بالخلق، لذا كان النفخ من عيسى سببًا للخلق، وفي الوقت نفسه حجابًا على الخلق[11].

والعلاقة بين علم الحروف والنفخ واضحة: فالنفخ، إذا دققنا فيه، نجد أنه عبارة عن نَفَس؛ والحرف هو موضع انقطاع الهواء (أي النَّفَس) في طريق خروجه من تجويف القلب إلى الفم. إذن، نَفَس الإنسان هو المادة التي تظهر فيها الحروفُ كلُّها. وعلم الحروف هو علم السيمياء الموقوفة على العمل بالحروف والأسماء، لا على البخورات والدماء؛ إنه علم يتعلق بـ «طول العالم»، أي بالعالم الروحاني، وبـ «عرض العالم»، أي بعالم الخلق والطبيعة والأجسام[12]. فإذا سمعنا عارفًا يقول: إن الحرف الفلاني طوله كذا ذراعًا وعرضه كذا، فإنه يريد بـ «طوله»، أي فعلَه في عالم الأرواح وبـ «العرض» فعلَه في عالم الأجسام[13].

ونستشف من نصِّ ابن عربي علاقاتٍ مميزة لعيسى بغيره من عالم البشر، نشير هاهنا إلى ثلاث منها: عيسى ويحيى، عيسى وابن عربي، عيسى والعيسويين. إن علاقة عيسى بيحيى، بغضِّ النظر عن قرابة النَّسَب (جدة عيسى وأم يحيى أختان)، هي علاقة الروح بالحياة: فعيسى هو الروح، ويحيى رمز الحياة، والروح والحياة لا يفترقان؛ كذلك هذان النبيان لا يفترقان، وينزلان في سماء واحدة هي السماء الثانية[14].

أما علاقة ابن عربي بعيسى فقديمة العهد. لقد بدأ مسارَه الروحي بالمقام العيسوي، وانتهى بالمقام المحمدي؛ وما بين هذين المقامين تنقَّل بالفتح الموسوي، ثم الهودي، ثم جميع النبيين[15]. وقد تجلَّت «عيسوية» ابن عربي – في بداياته – في مظهرين: عدم رغبته في النساء وتفضيله الفقر على الغنى. ويصرِّح ابن عربي بأنه كانت له مع عيسى لقاءاتٌ كثيرة، وأنه على يديه تاب[16]، وأن عيسى أمَرَه بمجاهدتين هما: الزهد والتجريد. كما أن عيسى أمَرَ كاتبَه أن يكتب لابن عربي صكَّ ولاية؛ وهو يشبه في صياغته مراسيم الدولة للتعيين[17].

ونختم بالقول إن ابن عربي أفرَدَ مكانًا للعيسويين المسلمين؛ وهم العيسويون الثواني، الوارثون الروحيون لعيسى، يرثون الوجهَ الخاص بعيسى من الحقيقة المحمدية. والولي العيسوي تكون ولايتُه، في غالب الأحيان، واضحةً لعامة الناس؛ ومن علاماته: دعاء مقبول، ورحمة بالعالم، وإمكانه إعطاء الحال باللمس أو المعانقة أو إلباس الثوب، واتصافه ببلاغة في النطق، ومعرفة بالطبائع وتأليفها.

لقد أفسح ابن عربي مكانًا مميزًا في الوجدان المسلم ليتجلَّى فيه عيسى، بفرادته وخصائصه؛ كما أنه قدَّم جديدًا حين تأمَّل في شخص عيسى وتفكَّر في ذاته الإنسانية.

إنه خطوة عملية على درب التآلف الإنساني.

هوامش النص:
[1] الفتوحات، السِّفر الثاني، ص 248-250.
[2] فصوص الحكم، ج 1، ص 142.
[3] الفتوحات، ج 3، ص 156.
[4] الفتوحات، ج 2، ص 333.
[5] الفتوحات، ج 2، ص 274.
[6] فصوص الحكم، ج 1، ص 138.
[7] فصوص الحكم، ج 1، ص 139.
[8] فصوص الحكم، ج 1، ص 142.
[9] الفتوحات، ج 2، ص 274 وما بعدها.
[10] عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب، ص 19.
[11] الفتوحات، ج 2، ص 274.
[12] تتصل رمزية «الطول» و«العرض» برمزية الصليب: تقاطُع محور الصليب الطولاني مع محوره العرضاني يرمز إلى اجتماع الروح والطبيعة (المادة) في الكائن الإنساني. يبقى أن نعرف ما هو «العلو» و«العمق»، على حدِّ ما جاء في رسالة القديس بولس إلى أهل إفسُس (3: 18-19): «[...] حتى إذا ما تأصَّلتم في المحبة وأُسِّستم عليها أمكن لكم أن تدركوا [...] ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا محبة المسيح التي تفوق كلَّ معرفة، وتتسعوا لكلِّ ما عند الله من سَعَة» (المحرِّر).
[13] الفتوحات، السِّفر الثالث، ص 88-95.
[14] الفتوحات، ج 2، ص 247؛ ج 3، ص 246-247.
[15] الفتوحات، ج 1، ص 224.
[16] الفتوحات، السِّفر 12، ص 122.
[17] الإسرا إلى المقام الأسرى، بتحقيق د. سعاد الحكيم، ص 82-84.


المراجع


1) الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي، تأليف: هنري كوربان، ترجمة: فريد الزاهي، منشورات الجمل، الطبعة الثانية، 2008.
2) الرمزية والتأويل في فكر ابن عربي، تنسيق: د.بكري علاء الدين، أوراق العمل المقدمة في الندوة الدولية المنعقدة أيام 22-24 حزيران 2005، المعهد الفرنسي للشرق الأدنى.
3) مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، تأليف: هادي العلوي، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، 1997، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي.
4) شرح المشاهد القدسية لتكميل دائرة الختم الموصوف بالولاية المحمدية، ابن عربي، شرح: ست عجم بنت النفيس بن أبي القاسم بن طرُزَ البغدادية، تحقيق: د.بكري علاء الدين ود.سعاد الحكيم.
5) ماهية القلب، تأليف: محيي الدين بن عربي، تحقيق: قاسم محمد عباس، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، 2009.
6) ديوان ترجمان الأشواق، تأليف: محيي الدين بن عربي، ضبط: عمر الطباع، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، الطبعة الأولى، 1997.
7) ديوان ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، تحقيق: د.محمد علم الدين الشقيري، القاهرة، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الطبعة الأولى، 1995.
8) موقع «اكتشف سورية» على الإنترنيت، موضوع: بدوي الجبل.
9) موقع «معابر» على الإنترنيت، موضوع: إصدار خاص عن ابن عربي.


الهوامش


[1] راجع «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي»، تأليف هنري كوربان، ترجمة: فريد الزاهي، منشورات الجمل، ص46.
[2] راجع المرجع السابق ص65.
[3] الفتوحات المكية، مجلد 1، ص 186.
[4] كتاب «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي» تأليف: هنري كوربان. ترجمة:فريد الزاهي. منشورات الجمل. ص83.
[5] المرجع السابق ص83.
[6] المرجع السابق ص87.
[7] راجع كتاب هنري كوربان النص الثالث عشر بعنوان «حول الكعبة الصوفية».
[8] د. سعاد الحكيم أستاذة التصوف في الجامعة اللبنانية وعضو جمعية ابن عربي الدولية.


إعداد: نبيل سلامة

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق

قصي الشامي:

أشكركم على هذا الموضوع الرائع.. وكل المواضيع التي ينشرها موقعكم المحترم. وكل الاحترام لمعد هذه الدراسة الغنية عن شيخنا الأكبر.. شكرا لكم وكل عام وأنتم بخير

إسبانيا

دماسكوس مان:

كل الشكر لفريق عمل اكتشف سورية لما تقدمونه من معلومات موثقة عن الشخصيات السورية الفكرية والادبية وهو جهد كبير نقدره ونحترمه كثيراً

سورية

صحفي سوري مغترب:

كل الشكر لكم على كل ما قدمتوه وتقدمونه... قادني البحث عن الكاتب والأديب بو علي ياسين لهذا الموقع الجميع وأصبح ضمن قائمة المفضلة عندي.. سورية بخير ان شاء الله وكل عام وأنتم بالف خير وتمنياتي لكم بدوام النجاح

د. عزة علي آقبيق:

نشكر إدارة الموقع والمشرفين على مايبذلونه من جهد في تقديم التميز من المعارف

syria

محمد سليمان غانم صنور:

بارك ألله فيكم على هازى العمل الراءع و دمتم سالمين

تركيه

النور صديق محمود علي:

إن لله عبادا فطنا****طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا***فلما علموا أنها ليست لحي سكنا***جعلوها لجة وأتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا. جزي الله ناشر هذه المعلوت الغنية خير الجزاء وكل من ساهم معه خير

جمهورية السودان

محمدمحمود:

نحن صورة المعبود والحقيقة المطلقه هو.

مصر

ابوالوفا احمد محمد ابراهيم بريرى:

اكرمكم الله...هذا هو التصوف ..روح الدين من آدم الى محمد عليهما السلام...يجمع,,,يوحد..يلغى التناقض والتنافر...ينشر السلام والحب...ما احوج العالم الى التعريف به ونشره فالخير كله فيه

مصر

صلاح أحمد:

الحق وحده الموجود وباقي الموجودات ظل له

Syr