بدوي الجبل

- مقدمة
- سيرة حياته
- والده
- والدته وإخوته
- نسبه
- طفولته
- نشأته وثقافته
- لقبه
- البدايات الوطنية الأولى
- سجنه الأول
- المرحلة الوطنية الأولى
- المرحلة الوطنية الثانية
- سجنه الثاني
- العودة إلى النضال الوطني
- فترة المنفى
- محاولة اغتياله
- تداعيات محاولة الاغتيال
- وفاته
- أبناؤه
- أعماله
- أدبه وتأثيره على مسيرة الأدب
- الكيان الشعري عند بدوي الجبل
   - أولاً- البعد السياسي
   - ثانياً- البعد الصوفي
         - على هامش الدراسة: نظرة حول ثنائية العقل والقلب في التجربة الصوفية
   - ثالثاً- معنى الصحراء
                - الأطلال 
                - الموت
                - الازدواجية
                - السراب
                - الرحلة الروحية
                - الغربة 
- بدوي الجبل والمرأة
- بدوي الجبل والحداثة الشعرية
- ما قيل فيه
- مختارات من شعر بدوي الجبل
- المراجع
- مراجع هامة للدراسة الأدبية 

مقدمة
قد يكون غريباً أن أبدأ في مقدمة عن الشاعر بدوي الجبل بالحديث عن ديانة الشنتو اليابانية، ذلك أنني أعثر لديهم على شيئين أساسيين، أولاً: الحس بالامتنان والالتزام، وثانياً: الحج الذي يقومون به لأسلافهم، ضارعين خاشعين، وكذلك الأمر لإمبراطورهم، وماضي أمتهم. كما أن الشنتوية ارتبطت بالروح الوطنية، فباتت الوطنية اليابانية، والشنتوية وجهين لعملة واحدة.
لاشك أن كل ديانة وكل حضارة وكل علم، لها رسالتها في العالم والكون، والإنسان المنفتح يحترم الآخر، والكل، ويصبح الكل معلّماً له في معراجه نحو الحقيقة.
إن روحاً مثل روح بدوي الجبل ترف في وجدان الوطن، بعد أن صدحت بأجمل الألحان والكلمات والقوافي السحرية، هذه الروح سكنت عميقاً في قلب الأمة، وكذلك روح سعد الله ونوس، وروح نزار قباني، وروح محمد الماغوط، وسواهم كثيرون من علماء وحكماء وقادة..!!
إن الشنتو تعلمني الحس بالامتنان والالتزام ليس لهؤلاء فحسب، بل للكون من خلال الوطن الذي أنا فيه، ومن خلال هذه الأرواح النبيلة.
وكما أن أتباع الشنتو يقومون بالحج للأسلاف ضارعين خاشعين، فإنني أتعلم القيام بحج روحي لهذه الأرواح التي أضاءت ليل الوطن كالنجوم المترامية على صفحة السماء، كل نجمة لها وميض، ونغمة سرية، وقبلة محبة وشوق تهديها للناس على هذا الأديم. وربما نحن الآن في حاجة أكثر من أي وقت مضى أن نتواصل مع روح مثل روح بدوي الجبل أو روح يوسف العظمة، وغيرهم الكثير، ممن عاصرونا، ممن سمعنا بهم، وممن لم نسمع بهم، علّهم يلهموننا كيف نتجاوز مرحلة قد تكون من أصعب المراحل التي تمر بها الأمة العربية، من تفتت وخصام ومآسٍ.!!
وكما أن الشنتو ترتبط بالروح الوطنية، أدرك جيداً أن العبادة تقوم على أديم هذا الوطن، فوطنيتي هي سجادة الصلاة التي أركع عليها خاشعاً ساجداً للإله الحي. وطنيتي هي التفاعل مع الحدث الذي يعصف بنا كل يوم وكل لحظة من خلال الصدق والحب والألم.
ربما، هذا ما بوسعي أن أتعلمه من رحلة بدوي الجبل في هذا الوطن الغالي.
إن بدوي الجبل قصة شعب، وقصة وطن على مذبح التاريخ..!!
سيرة حياته
اسمه محمد سليمان الأحمد، وُلِدَ في قرية «ديفة» في جبل اللكام، من جبال محافظة اللاذقية السورية. وترعرع في قرية «السلاّطة» قريباً من «القرداحة».
ويرجح الدارسون اعتبار سنة 1904 تاريخاً لولادته. والحال أن قيد نفوسه يشير إلى أنه من مواليد العام 1898. لكن البدوي يقول أن هذا التاريخ هو تاريخ ولادة أخ له توفي قبله ولم يرقّن قيده من السجل المدني، فلما وُلِدَ هو سُمِّيَ باسم المتوفي وحمل تاريخ ولادته.
والده
والده العلاّمة الشيخ سليمان الأحمد، وهو من مواليد 1868، وهو بالإضافة لكونه فقيهاً دينياً، وعالماً لغوياً، وعضواً في المجمع العلمي العربي في دمشق، كان واحداً من كبار المصلحين التنويريين في جبال الساحل السوري. حيث عمل على نشر الوعي بضرورة العلم، ومحاربة الجهل والخرافات، وكان من أول الداعين إلى تعليم المرأة. وحين تولى منصب «قاضي القضاة» في تلك المنطقة، عمل على تنظيم المرجعية الفقهية لمنصبه ومحاربة النزعات الطائفية البغيضة. والشيخ سليمان الأحمد أيضاً شاعر، وشارح لشعر جدّه المتصوف الشهير «الحسن المكزون السنجاري»، وفيلسوف له مناقشاته وحواراته مع عدد من مفكري عصره العرب والأجانب، ومنهم المستشرق الشهير العلامة لويس ماسينيون الذي زاره في بيته في السلاّطة، وقد احتفت الأمة العربية بيوبيله الذهبي في مدينة اللاذقية عام 1938.
يذكر د. شاهر امرير عنه أنه حين بدا له أن الفرنسيين يخططون لتمزيق أواصر المسلمين بإصدارهم لفكرة "الظهير البربري" في المغرب عام 1925، وأنهم يخططون لتمزيق الوطن بنفس الطريقة، انتفض مغضباً في وجه الجنرال الفرنسي «بيوت»، وقال له: «سيادة الجنرال سواء عبدنا الحجر، أو عبدنا المدر، فليقيننا أن هذا هو ما جاء به "محمد بن عبد الله"، فلِشاكٍ أن يشك في صحة فهمنا، لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن لا مجال لأي شك في انتسابنا، واتباعنا له».
وقد تضمن حفل تأبينه بعد وفاته في العام 1942، كلمات وبرقيات من العديد من الشخصيات السياسية والأدبية والفكرية والدينية في سورية والوطن العربي، ومما قاله الرئيس الأسبق لسورية (هاشم الأتاسي) في رسالة تعزية للبدوي بوالده: «لقد أنجب الفقيد علماً من أعلام الأدب والوطنية في العالم العربي، أنشأه، وتعهّده بالروح السامية، والمبادئ القويمة، فأهدى به لأمته عبقرية فذة هي أجلّ الهدايا، وأثمنها، والولد سر أبيه».
والدته وإخوته
والدة البدوي «رائجة عجيب» تزوجها الشيخ سليمان وعمره خمسة وعشرون عاماً، أنجبت له عدة أولاد بقي منهم حياً بعد وفاتها، «سكينة» والصبي «محمد» الذي أصبح بدوي الجبل، وقد كان عمره عند وفاة أمه سنتين فعاش في كنف زوجة أبيه التي أنجبت كلاً من:
- فاطمة: وهي من الشاعرات الرائدات في سورية، نشرت قصائدها في الصحف السورية والعربية في العشرينات من القرن العشرين، واشتهرت في الحياة الأدبية باسم «فتاة غسان».
- د. علي: الذي درس الطب في فرنسا وزاوله منذ العام 1937، وحتى وفاته.
- آمنة: خريجة دار المعلمين.
- د. جمانة: وهي أول امرأة طبيبة في جبال الساحل السوري، وقد شغلت مناصب عديدة في وزارة الصحة.
- د. أحمد: أستاذ جامعي، وشاعر.
- سلمى: خريجة معهد التربية العالي بمصر، ومربية فاضلة.
- محمود: مجاز من كلية التجارة، وعمل مفتشاً بوزارة المالية حتى تقاعده.
نسبه
ينتهي نسب بدوي الجبل إلى «الحسن المكزون السنجاري» الشاعر، الأمير، المتصوّف، الذي يتصل نسبه بملوك اليمن القدماء.
ويذكر أ. طارق عريفي بدوره أن المتصوف الكبير «الحسن المكزون السنجاري» ينتمي في أصله إلى الغساسنة، فهو غساني من رجال القرن السابع الهجري، واشتهر بتصوفه وشعره في الغزل الإلهي. وقد كان قوم الأمير يسكنون جبل «سنجار» قبل أن ينتقلوا (في هجرتين متتاليتين تحت قيادة الأمير) إلى جبال الساحل السوري. ويذكر د. شاهر امرير أن الأمير جاء بحملة تقدر بخمسة وعشرين ألف مقاتل لإنقاذ مشايعيه من الاضطهاد، وذلك في حوالي العام 617 هـ (القرن الحادي عشر الميلادي) لكنه دُحِرَ، وهُزِمَ. ثمّ جاء بحملة أخرى مؤلفة من خمسين ألف مقاتل، تغلّب بهم على أخصامه، وسكن مدة في قرية «سيانو» ثم في قرية «متور» ومكن لأشياعه وأنصاره من المنطقة.
طفولته
يذكر الباحث ديب علي حسن عن الشاعر قوله: «عشت في قريتي حتى بلغت الحادية عشرة، ما كان أجمل قرى تلك الأيام! ما كان أروع منازلها المشرّعَة الأبواب، دون استئذان يقبل عليها الناس، ومنها يخرجون. كانت رمز الألفة والحرية، طفولتي سعيدة في كل الوجوه، أما جو منزلنا العلمي والأدبي، فإليه يرجع الفضل الأكبر في توجيهي نحو المناخات الشعرية. لكن، الله وحده يصنع الشعراء».
نشأته وثقافته
يذكر أ.طارق عريفي أن بيت الشاعر كان مدرسته الأولى التي تعلم فيها أصول الدين والأدب. «درج الصبي مع إخوته محاطين برعاية (والده) الشيخ (سليمان الأحمد) مبتدئين بحفظ القرآن الكريم، يتلقون عليه علوم اللغة، والدين. وأظهر الصبي ذكاءً خارقاً في الحفظ، ومقدرة فائقة على استيعاب ما يقرؤه فحفظ دواوين فحول الشعراء، وقرأ ما وقع في يديه من كتب التاريخ والأدب ورسائل البلغاء».
وفي حوار لمنير العكش مع البدوي يقول: «بدأت القراءة بالقرآن الكريم، ثم قرأت على أبي، برغبة منه الحديث الشريف، ونهج البلاغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو غاية الغايات في البيان، والإيمان والفناء في الله. ثم قرأت على أبي بعد ذلك اللزوميات لأبي العلاء المعري. ثم قرأت عليه المتنبي وأبا تمام والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي والحماسة لأبي تمام».
كما يذكر أ.نبيل سليمان أن بدوي الجبل في حواره يضيف أنه قرأ على أبيه ديوان المكزون السنجاري عشرات المرات وأنه فضّله على ابن الفارض، وأنه لم يتأثر بالمنتجب العاني.
درس الابتدائية في الجبل، والإعدادية في اللاذقية، وعندما احتل الفرنسيون اللاذقية كان متصرّفها آنذاك الرجل العربي الكبير رشيد طليع فتوثقت بينه وبين الشيخ سليمان آصرة صداقة، فحث أباه على تعليمه. وكذلك كان موقف زوجة أبيه فبعث الشيخ ابنه إلى دمشق حيث أكمل دراسته في مدرسة عنبر، ويُقَال أنه هناك بدأ ينظم الشعر.
كما يذكر د.شاهر امرير عن قصة نظم الشعر لدى البدوي يقول: «لقد بدأ البدوي ينظم الشعر مبكراً، فكان يقدم كل يوم لوالده قصيدة، فينظر فيها الوالد، ويصلّحها، ويقوِّم من اعوجاجها، فالشعر كما يحتاج إلى الفطرة السليمة، يحتاج إلى الدربة حتى تستقيم الملكة، فلم تمض فترة طويلة حتى استقام الوزن، وأسلست اللغة، واستجابت الألفاظ، والقوافي، فإذا البدوي، وهو الشاب الصغير، شاعر، يكاد يُعَدّ من الفحول، عند هذا، ابتسم الوالد ابتسامة الرضى، والاعتزاز، وأمسك بالقصيدة الأخيرة للشاب، فربّت على كتفه، وقال له، والدموع تخنقه من الفرح: الآن أصبحت يا محمد شاعراً، فاذهب، وتغنّ بهذا الشعر، فسوف تكون شاعر البلاد العربية في مستقبل الأيام بإذن الله».
لقبه
كان البدوي في بداياته الشعرية، يرسل نتاجاته إلى صحيفة «ألف باء» ولم يكن مشهوراً، وحدث أن هزّ العالم آنذاك موت المناضل الإيرلندي ماك سويني محافظ مدينة كورك الذي قضى نحبه مضرباً عن الطعام لمدة أربعة وسبعين يوماً احتجاجاً على وجود الإنكليز في بلاده، وقد تأثر الشاعر بهذا الموقف، فكتب قصيدة «ماك سويني» وأرسلها للصحيفة المذكورة.
وقد تملكت الغرابة الشاعر عندما شاهد القصيدة منشورة ومذيّلَة بتوقيع «بدوي الجبل» فذهب إلى صاحبها معاتباً، إلا أن الأستاذ يوسف العيسى صاحب الجريدة الذي أطلق اللقب عليه قال له: «إن الناس يقرؤون للشعراء المعروفين، ولست منهم، وهذا التوقيع المستعار يحملهم على أن يقرؤوا الشعر للشعر، وأن يتساءلوا من ذا يكون هذا الشاعر المجيد؟ وأنت في ديباجتك بداوة، وأنت تلبس العباءة، وتعتمر العقال المقصب، وأنت ابن جبل، إذاً فأنت بدوي الجبل». هذا ما يرويه صديقه الأستاذ أكرم زعيتر، عن هذا اللقب الذي شاع فيما بعد في عالم الأدب والشعر.
البدايات الوطنية الأولى
يذكر الباحث ديب علي حسن عن البدوي قوله: «بانتقالي من القرية إلى المدينة، قفزت إلى الرجولة دفعة واحدة، بدأت حياتي السياسية، وأنا بعد في سن الحداثة، ولقد عبرت بي السنون مسرعة لم تترك في حياتي سوى ذكريات ضاعت ملامحها، وصرت أتجشّم الصعاب كلما حاولت استعادة شيء منها. غريبة هذه الحياة، تدهمنا كالعاصفة تسبقنا أحياناً، ونلهث، ونحن نركض وراءها».
كان نزول الفرنسيين على الساحل السوري في 15/11/1918 أي قبل احتلال دمشق بزهاء السنتين، وفي هذه الأثناء كان أن الملك فيصل عيّن رشيد طليع آنذاك وزيراً للداخلية، في حين أن ثورة الشيخ صالح العلي كانت في بدايتها، وصدرت إرادة ملكية بإرسال وفد حكومي إلى الشيخ صالح العلي للحديث حول أمور الثورة، فتألف الوفد من وزير الدفاع آنذاك يوسف العظمة، الذي استشهد في معركة ميسلون، وكان يرافقه نسيب حمزة أحد أقطاب الكتلة الوطنية بدمشق.
وقد نصح طليع الملك فيصل بأن يرسل فتى عنده مع الوفد، حيث أن لأبيه منزلة كبيرة لدى الشيخ صالح العلي، وأنه إذا ما رآه في رفقتهم سيسر به، ويأنس إليه. فوافق الملك فيصل وانضم البدوي إلى الوفد، فركبوا القطار إلى حماه، ثم نقلتهم عربة خيل إلى بيت الشيخ صالح.
ويروي بدوي الجبل ذكرياته عن تلك الرحلة قائلاً أن الأمن كان ضعيفاً، والمسافر يتعرض لمخاطر، ومنها عصابة فهد الشاكر، وبينما كانوا في الطريق تصدّت لهم العصابة، وأخذت بالسطو على ما في العربة، غير أن وجود فتى في مثل سنه بين أعضاء الوفد قد أثار دهشة اللصوص، وسألوه: أأنت حقاً ابن الشيخ سليمان الأحمد؟ فقال: نعم، فصرخ أحدهم مردداً اسمه، وقال: لن يحرسكم في الطريق إلى بيت الشيخ صالح العلي إلا وجود هذا الفتى بينكم، وأخلت العصابة لهم الطريق.
سجنه الأول
لازم بدوي الجبل الشيخ صالح العلي شهوراً، حتى كان استشهاد يوسف العظمة في معركة ميسلون الشهيرة 24/10/1920، واحتلال الفرنسيين لدمشق، فصدر أمر بتوقيف بدوي الجبل الذي تخفى حينذاك في دمشق في بيت البطريرك الشامخ الوطنية غريغوريوس حداد، الذي ظل متمسكاً ببيعة الملك فيصل، ثم يمّم شطر حماه هارباً من بطش الفرنسيين، وكان ذلك سيراً على الأقدام، وبقي فترة متخفياً عن الأنظار، إلى أن دل عليه أحد المتعاملين مع جيش الاحتلال، عندما كان يتزوّد من الهواء الطلق وأشعة الشمس، أمام المنزل الذي كان يتوارى فيه، وما هي إلا نصف ساعة حتى كان البيت مطوَّقاً، وسيق الشاعر مصفّداً حيث اعتقلوه في أحد خانات المدينة الرطبة، وقد عُذِّبَ، وضُرِبَ بالسياط، حتى أُدْمِيَتْ قدماه، وعوقِبَ بالحفر وتكسير الأحجار قبل أن يُنْقَل إلى سجن حمص، فسجن الديوان الحربي في بيروت حيث قضى ستة عشر شهراً، اقتيد بعدها إلى سجن قلعة أرواد فكان وربيع المنقاري أول من عرف هذا المعتقَل من الساسة الوطنيين السوريين. وقد وَشَمَ البدوي على ذراعه ذكرى ذلك بهذه العبارة «تذكار السجن الفرنسي».
ويذكر أ.طارق عريفي عن البدوي قوله: «وذات يوم زار قلعة أرواد حيث سُجِنتُ الحاكم العسكري لمدينة اللاذقية، وكان يُدْعَى الكولونيل نيجر فلما شاهدني – ولم أكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمري – قال: هذا خطأ، بل فضيحة كيف يُحْكَم على فتى في هذه السن بالسجن ثلاثين عاماً»، وهكذا أُطْلِقَ سراحُه وكان ذلك عام 1922.
المرحلة الوطنية الأولى
يبدو أن تجربة السجن كانت قاسية على البدوي، وهو غضّ الإهاب، وأن الاضطهاد قد أوهن جلده فجنح إلى مهادنة المحتل حيناً، ويذكر أ.نبيل سليمان أن الاستعمار الفرنسي أعلن تقسيمه لسورية، فأنشأ دويلات خاصة في الساحل السوري وشمال سورية وجنوبها، وقد انتُخِب بدوي الجبل في 25/4/1930 عضواً في المجلس التمثيلي (البرلمان) عن منطقته، وكذلك في انتخابات عام 9/3/1935. إلا أن نداء الوحدة كان صاخباً، وكانت هناك أقلية تطالب بتكريس الانفصال، إلا أن في رأس خصوم هذه الأقلية وقف زكي الأرسوزي الذي كان يتصدّر عصبة العمل القومي في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو أحد مؤسسي حزب البعث العربي بعد أقل من عقد، والذي أصبح منذ مطلع الخمسينيات حزب البعث العربي الاشتراكي. ولعل قصيدة البدوي «حياة أسير القيد بلا معنى» في العشرينيات إشارة إلى تقطيع الاستعمار لأوصال الوطن، وإلى النزوع الوحدوي في جبال الساحل السوري.
المرحلة الوطنية الثانية
يشير أ.نبيل سليمان إلى أن عودة الأجزاء المقسّمة إلى الوطن الأم (15/12/1936) قد أرّخت بداية المرحلة الوطنية الثانية عند بدوي الجبل.
ففي عام 1938 احتُفِلَ باليوبيل الذهبي لوالد الشاعر الشيخ سليمان الأحمد، الذي حضرته شخصيات من كامل أنحاء الوطن، من اللاذقية وحلب ودمشق وطرطوس، وأرسلت إليه القصائد من المغتربين العرب في كل مكان، ومنهم الشاعر الكبير زكي قنصل. وفي العام نفسه حضر البدوي في القاهرة المؤتمر البرلماني العربي من أجل فلسطين، بصفته نائباً في مجلس النواب السوري.
كما يذكر د.شاهر امرير إلى أنه حين نقض الفرنسيون بالعهد عام 1939، وخاسوا بالوعد فقوّضوا الحكم الوطني، وراحوا يغرون أبناء الوطن الواحد بالانفصال عن بعضهم، وتكوين دويلات لا قيمة لها، ظل البدوي يدافع عن الوحدة مع المدافعين، وأسقطَت الحرب الحصانة عن النوّاب فأيقن الشاعر أنه مستهدَف، ومطلوب، فقطع البادية هارباً إلى العراق حيث التحقت به أسرته.
وفي ملجئه البغدادي عمل الشاعر مدرساً في معهد المعلمين في بغداد. وبلغ نشاطه من أجل سورية حداً، جعل فرنسا تطالب بإخراجه من بغداد.
سجنه الثاني
حين اندلعت ثورة رشيد عالي الكيلاني في بغداد عام 1941، كانت لبدوي الجبل مشاركة فيها من الناحية الإعلامية، وبعد فشل هذه الثورة، عاد إلى اللاذقية، فاعتقله الفرنسيون، وزجوا به في قلعة كسب شمالي اللاذقية على الحدود السورية التركية، وأثناء اعتقاله هذا تُوُفِّيَ والده عام 1942، مما أثّر في نفسه أيّما تأثير. وحين وصلت القوات الإنكليزية والقوات الديغولية الفرنسية، نُقِلَ من معتقله إلى الإقامة الجبرية في منزله باللاذقية إلى أن أُطْلِقَ سراحه، وقد دامت فترة اعتقاله مدة ثمانية أشهر. وقد كانت قصيدته الأولى بعد إطلاق سراحه في ذكرى الزعيم التاريخي ابراهيم هنانو، وهي قصيدة «آلام».
العودة إلى النضال الوطني
يذكر أ.نبيل سليمان أن بدوي الجبل عاد إلى الحياة السياسية نائباً عن اللاذقية، في البرلمان الأول بعد إعلان الاستقلال عام 1943. وعندما صب الفرنسيون حممهم على دمشق عام 1945، تطوع بدوي الجبل مع نواب آخرين – منهم أكرم الحوراني – في الدرَك للدفاع عن البرلمان، كما ساهم في مقاومة العدوان الفرنسي على اللاذقية، وقرر الفرنسيون - فيما يروي رياض رويحه – اغتياله. لكن الأمواج هدأت به إلى أن أُعْلِنَ الاستقلال 17/4/1947، وعن هذا الحدث كتب قصيدته «جلونا الفاتحين»، ويذكر فيها بطلين من أبطال الاستقلال، وهما شكري القوتلي وسعد الله الجابري.
إلا أن سورية بدأت تشهد فترة من الانقلابات، وكان بدوي الجبل ضد هذه الانقلابات التي كان أولها انقلاب حسني الزعيم عام 1949 ثم انقلاب سامي الحناوي ثم أديب الشيشكلي. وكان البدوي مع الشرعية الدستورية والحياة البرلمانية.
وقد روى السيد أحمد الأحمد ابن الشاعر للأستاذ نبيل سليمان أنه إثر الانقلاب الذي قاده أديب الشيشكلي، شارك الشاعر في مؤتمر في حمص ضم ممثلين عن مختلف الأحزاب في تلك الفترة، وقد طالب المؤتمر بالانتخابات الحرة، فبدأت الاعتقالات، وقد طُلِبَ من محافظ اللاذقية آنذاك الأستاذ سعيد السيد اعتقال البدوي، لكن هذا الرجل بدلاً من اعتقاله، حمله بسيارته الحكومية إلى الحدود اللبنانية، فهرب البدوي إلى لبنان، وقد نقل عن الأستاذ سعيد قوله: «لا أريد أن يسجل علي التاريخ لعنة من لعناته باعتقالي مناضلاً كبيراًً».
أقام البدوي في لبنان حتى الإطاحة بالشيشكلي، وأثناء ذلك شارك في حفل تتويج الملك فيصل الثاني بقصيدة «يا وحشة الثأر». وكانت الحكومة العراقية تسعى لاستقطاب الزعماء السوريين، فمنحت بدوي الجبل وسام الاستحقاق، لكنه رفض الوسام، وعاد إلى سورية نهاية عهد الشيشكلي عام 1954.
يذكر د.شاهر امرير: «عُيِّنَ البدوي وزيراً بعد الشيشكلي في الوزارة التي لم تدم طويلاً، وتعرّض للاضطهاد من المكتب الثاني ذائع الصيت، بدعوى الاشتراك بمؤامرة عراقية ضد سورية، فهرب إلى لبنان مرة أخرى، وأفاد الأستاذ أحمد البدوي أن أخاه منيراً قد اعتُقِلَ من قبل المكتب الثاني (عبد الحميد السراج)، وعُذِّبَ بدعوى المؤامرة التي كان أحد عناصرها المقدم محمد معروف، وهو أحد أقربائهم، ولا علاقة للبدوي بها، وقد تشرّد البدوي بسببها ستة أعوام منذ 1956 حتى 1964.
فترة المنفى
أقام بدوي الجبل بادئ الأمر في بيروت خمس سنوات تقريباً، كان يشارك أثناءها في ندوة الخميس التي تنظمها مجلة «شعر»، ويروي د. شاهر امرير أن البدوي عاد إلى سورية أواخر عهد الانفصال (28/ايلول/1961)، وخرج بعد ثورة آذار (8/3/1963)، متنقلاً بين العديد من المدن الأوروبية، حتى استقر في جنيف، عاد بعدها إلى سورية بعد عفو صدر عام 1964.
ويذكر أ.نبيل سليمان أنه خلال إقامة البدوي في فيينا كتب قصيدته «البلبل الغريب» التي أثارت شفيق جبري الملقب بشاعر الشام، فكتب قصيدة «بلابل الدوح» فحياها البدوي بقصيدة «حنين الغريب». وكانت جنيف قد صارت مقامه، وسمى نفسه فيها بالأشعث الجوّاب واتخذه عنواناً لقصيدة من قصائده الصوفية.
محاولة اغتياله
يذكر أ.نبيل سليمان أنه عقب هزيمة 1967 كتب بدوي الجبل قصيدته «من وحي الهزيمة» فذاعت ذيوع قصيدة «إني لأشمت بالجبار»، وقد أساءت القصيدة التي وُصِفَت بـ«العاصفة» لمن أساءت من النظام الحاكم آنذاك، فتعرّض في 27/4/1968، وهو يمارس رياضته الصباحية إلى اعتداء جسدي، واختُطِفَ حتى 30/4/1968 حيث رُمِيَ في إحدى مشافي دمشق، فاقد الوعي، بعد أن أنقذه من الموت إنذارٌ صارمٌ للمختطفين، وجّهه وزير الدفاع آنئذ اللواء حافظ الأسد، فيما أشارت الأصابع إلى تدبير بعض الجهات للاعتداء.
بعد خمسة أيام من الغيبوبة، نجا الشاعر من الاعتداء الذي تعددت رواياته. ويذكر أ.نبيل سليمان أن السفير المصري في دمشق نقل له رغبة جمال عبد الناصر في استضافته في القاهرة، إلا أن الشاعر رد بأنه لا يقبل أن يقول التاريخ أنه هجاه ثم لجأ إليه. وفيما بعد، قيل أن مدبر الاغتيال قد انتحر.
تداعيات محاولة الاغتيال
يذكر أ.أكرم زعيتر أن الحادث قد أثر في بنية الشاعر، وتوافدت عليه الأمراض يبلّ منها حيناً، ويعاوده السقم حيناً، يعتمر بيروت يوماً، ويصطاف في بلودان أياماً، ثم بدا مرضه عياءً فلزم بيته بدمشق ولم ينقطع إخوانه عن عيادته.
وفاته
يقول أ.هاني الخيّر: «ظهر الثلاثاء الواقع في 18/8/1981 توقف قلب الشاعر الكبير بدوي الجبل إلى الأبد عن عمر يناهز الـ78 سنة».
«ها هو اليوم يعود إلى قريته الوديعة ليُدْفَن بجوار مقام والده، وعلى الطريق الطويل الموصل إلى قرية السلاطة خرج الرجال، والشيوخ، والنساء، والأطفال، لاستقبال جثمان بدوي الجبل، القادم من دمشق التي أحبته حتى الموت، ولم ينس الأهالي أن يرشوا على التابوت الزهور البرية، والرياحين».
أبناؤه
كان البدوي قد تزوج من زلفا، وأنجبت له ثلاثة أبناء وبنتاً أسماها جهينة، وتوفاها الله وهي عذراء في مقتبل العمر، وذلك في نهاية العقد الخامس من القرن الماضي ،1950 حين كانت في الجامعة السورية.
أما أبناؤه الشباب فهم الأستاذ أحمد والأستاذ عدنان والأستاذ منير. إلا أن نكد الدهر تواصل على بدوي الجبل، ففُجِعَ بابنه عدنان الذي تُوُفِّيَ عام 1967 عن اثنتين وثلاثين سنة. أما نجله منير فقد تُوُفِّيَ فيما بعد.
أعماله
صدر ديوانه الأول سنة 1925 وأطلق عليه اسم «البواكير» وأهدى الديوان إلى «الشهيد الراقد في ميسلون، إلى تلك الروح الكبيرة التي تمردت على العبودية وعلى الحياة». وكان هذا الإهداء كما يقول أ.هاني الخيّر سبباً كافياً لمصادرة الديوان، ولم يسلم منه إلا نسخ قليلة.
ويذكر أ.طارق عريفي: «كانت مقدمة الديوان مسطرة بأقلام أعضاء المجمع العلمي بدمشق، وعلى رأسهم الأستاذ محمد كرد علي، والأستاذ عبد القادر المغربي، والأستاذ خليل مردم بك الذي صاغ مقدمته للديوان شعراً».
وبعد ذلك صدرت الأعمال الكاملة، في بيروت عام 1979.
أما قصة صدور الأعمال الكاملة فيرويها الناقد جهاد فاضل، يقول: «قرأ بدوي الجبل مقالي عن دراسة الجندي لشعره، فلفت نظره ما ورد فيه خطأ: "صدر ديوان بدوي الجبل عن دار العودة في بيروت" فثارت ثائرته، إذ كيف يصدر ديوانه في بيروت دون علمه، ودون موافقته، وهو الذي كان يؤجل باستمرار صدوره لسبب أو لآخر؟ اتصلت أسرته بالمسؤولين في دمشق، فاتصل هؤلاء بقائد قوات الردع العربية في لبنان اللواء سامي الخطيب، بعدها اقتيد سعيد محمدية صاحب دار العودة إلى دمشق مخفوراً أو كالمخفور. وفي منزل بدوي الجبل شرح للشاعر ما التُبِسَ في مقال جهاد فاضل، وهو أن ما يعتزم نشره هو مجرد دراسة عنه وعن شعره كتبها علي الجندي مرفقة بعدد من قصائده لا أكثر، وأن غلاف الكتاب يشير إلى أنها دراسة وليست ديواناً. كانت دراسة علي الجندي ما تزال في المطبعة قيد الإعداد والتجليد، ولم تصدر بعد، فجرى الاتفاق بين الشاعر والناشر على عدم نشرها، ثم إصدار ديوان بدوي الجبل برعاية أكرم زعيتر صديق الشاعر، وهو مقيم إقامة دائمة في بيروت، وبإمكانه أن يتعهد عملية تصحيح النص وإجازته للنشر. وقد كتب أكرم زعيتر خلال ذلك مقدمته للديوان إلى أن صدر بعد ذلك، ونفدت طبعته الأولى خلال أسابيع قليلة».
أدبه وتأثيره على مسيرة الأدب
إن خير ما يعبر عن أدبه وتأثيره على مسيرة الأدب ما يقوله أدونيس فيه: «هل كتب وزناً؟ هل كتب نثراً، ما أشكاله؟ أسئلة تتراجع لتحل محلها أسئلة أخرى: ما الرسالة التي أعطاها؟ ما المعنى الذي أسسه؟ ما الأفق الذي افتتحه؟ ويكون الشاعر شاعراً بقدر ما يتيح لنا شعره الدخول إلى هذه اللجة، في هذا ما يؤسس عظمة بدوي الجبل. فأنت سواء أكنت شعرياً معه، أو ضده، لا تقدر إلا أن تشهد لدوره الكبير ومفارقته الإبداعية. لقد ختم تاريخاً شعرياً بكامله، وهو في الوقت نفسه، وبالقوة نفسها، يفتح للشعر العربي أن ينعطف، فيبدأ بنبض آخر، تاريخاً آخر».
وليس غريباً أن نسمع الدارسين لشعره يصرحون «الكلاسيكية الحية قد وقفت عند شاعرنا البدوي لا تجد بعده من يحملها وإليه انتهت».
أما ديوان بدوي الجبل، فهو قسمان: البواكير، وفيه واحد وثلاثون نصاً، أُنشِدَت ما بين عامي 1920، و1924، وما بعد البواكير، وفيه أربعة وستون نصاً.
الكيان الشعري عند بدوي الجبل
أولاً – البعد السياسي

لم يكن بدوي الجبل قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره حين شارك بالمرحلة الوطنية حيث كان يلقي قصائده الوطنية في النادي العربي، وكذلك هيأت له الأقدار أن يرافق الشهيدين يوسف العظمة، ورشيد طليع وغيرهما في رحلاتهم إلى جنوب سورية وشمالها وغربها، وفي تهيئة الفكر العام وتوجيهه وتقويته وتنظيمه في تلك المناطق وذلك في أدق المراحل التي كان يمر بها الوطن.
هكذا إذن، كانت الحياة السياسية التي دخلها البدوي باكراً هي بمثابة الرحم التي وُلِدَ منها الكيان الشعري لبدوي الجبل.
إن الكيان الشعري لبدوي الجبل لم يلقَ دراسة وافية حتى الآن، ففيه الموقف وهي الحياة السياسية وفيه المعاناة وهي التجربة الشعرية.
إن الهندسة المعمارية للقصيدة البدوية – نسبة لبدوي الجبل – تقوم على قاعدة، تشكل البناء «الأفقي» (المادي) للقصيدة، وهذه القاعدة، أي البناء الأفقي، يشكله موقف الشاعر، فالحياة السياسية التي عاشها كانت عبارة عن سلسلة من المواقف التي اتخذها إزاء الأحداث الجسام التي شهدها وطنه الأم.
أما البناء العمودي للقصيدة المعمارية البدوية، فقد تجلى في المعاناة، وهو البناء العمودي أو «الصوفي» أو «الملحمي» للقصيدة البدوية.
ونستطيع أن نلمح البعدين الأفقي والعمودي في البناء المعماري للقصيدة البدوية، من خلال استثارة الحس الوطني والسعي للأهداف القومية العليا وهذا هو «الموقف» وهذا كله أتى في صورة فنية لخواطره وهواجسه ونبضات فؤاده وهذه هي «المعاناة».
يقول خليل الحاوي: «وما كان البدوي في تلك الحقبة ميالاً إلى التغيير الوجودي والماورائي، ووطنه مكبل، والأحداث تتوالى عليه بالرق والكبت والتسيير وفعل الإرادات الأخرى الخارجية التي تمتطيه بكل عبودية، وتوشك أن تمحقه محقاً. ولقد كان فعل الوجود ذاته في تلك الحقبة فعلاً قومياً وطنياً، لأن وطنه كان رازحاً تحت وطأة الآخرين يمنعون عنه فعل الخلق والحرية».
فلنرَ «الموقف والمعاناة» في صلب القصيدة البدوية في هذه الأبيات التي نسمعه يقولها عندما احتل الفرنسيون الشام:











لئن خان عهد الغوطتين عصابةٌ
ففي الجبل النائي لعصبة جِلَّقٍ
أمينٌ على عهد الشآم كأنه
رقدتُم وما نمنا غراراً على الأذى
  رأوا بيعهم ربحاً، وألفيتُه غبنا
من القوم خِدنٌ لم يَخُنْ في الهوى خِدنا
يرى، وهو قيسُ الحبِّ في جِلَّقٍ لُبْنَى
ودنتُم لأعداء الشآمِ، وما دِنّا

فلنسمع رأي د.شاهر امرير في هذه الأبيات، يقول: «بداية يقرر الشاعر حقيقة دونية مواقف الخونة، وخسارة بيعهم، ولا يفوته أن يعلن موقف الجبال الساحلية من المسألة الوطنية السورية، فهو متمسك بتراب الوطن، التزاماً، وعهداً، ملتف حول راية الشام حتى الالتحام عشقاً.
وهو يميز في هذه الأبيات بين عصابة وعصبة، فمن خانوا، هم "عصابة" وهي لفظة مرتبطة في الأذهان بالسطو، والقتل، والسلب، والنهب، والخروج على قيم المجتمع، ونواميسه، أما لفظة "عصبة" فتوحي بالجماعة المؤتلفة، المنسجمة، العصبة التزام بأهداف الجماعة وتعصب لها.
 
وحين وصف الجبل بـ"النائي" للدلالة على البعد الجغرافي، وليقرر أن هذا البعد مهما نأى عن العاصمة فهو ليس سبباً لنقص الوطنية، وإلا فما الذي يجعل النائين في الجبل الشامخ يتعلقون بالشام بحب عارم، لا يضاهيه إلا حب قيس ولبنى؟ وحين يقول "رقدتم" فهي تشير للذين باعوا الشام، واستمرؤوا الذل والهوان».
وفي العام 1924 يلقي البدوي قصيدة في المجمع العلمي بدمشق بعنوان أهوى الشآم يرد فيها على دعاوى المستعمرين، ويقول فيها:











لا تكذبُ الأممُ القوية، إنها
ولتهنأ الأممُ القوية، إنها
قالت، لقد بلغتكم أوطاركم
  باسمِ الحضارة، ثقَّفَت خطّارَها
قد أدركت، ممن تخادع ثارها
وهي التي بلغت بنا أوطارها

نحن نرى اليوم هذه الأمم القوية في ظل القطب الواحد في عصرنا هذا، أشبه بكوكب زحل التي تشير بعض الدراسات الإيزوتيرية إلى أنه رمز لمكمن قوى السلب، فهذا الكوكب الذي يسحر الألباب بحلقاته الجميلة والأقمار التي تدور حوله، ليس أكثر من كتلة في غاية القباحة وكلها سمّ!! فالقباحة تتنكر بهيئة الجمال لكي تجذب المخدوعين بها، والشر يتنكر بهيئة الخير لكي يجذب المخدوعين به. وكما يُقال أن «الخير المحقق بطرق شريرة ليس خيراًً!!».
إن أميركا التي يعمل في نواتها السياسية اللوبي الصهيوني، وهي تنحو إلى أمركة العالم على هواها، ونحن نرى ثقل ظلها الفظيع جاثماً فوق المنطقة العربية ينهب نفطها، ويثير الفتن الطائفية في أوطانها، لا بل تُسخّر أجهزة الإعلام في بعض هذه الدول لغاياتها تبثّ سمومها بمسميات الحضارة والعولمة والديمقراطية، وهي أبعد ما تكون عن احترام حقوق الأمم في تقرير مصيرها، واتخاذ خياراتها، وحرياتها الفكرية والروحية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي كرامتها!!.
ماذا لو أن بدوي الجبل كان حاضراً الآن فيما بيننا حين يقول: «باسم الحضارةِ، ثقّفَت خطَّارَها» أي ثقّفَت رماحها، ماذا لو يقوم بإحصائية عن كمّ القنابل والقذائف الصاروخية التي سقطت فوق أهل العراق، وبلادهم منذ حرب الخليج حتى الآن؟! ماذا لو يقوم بإحصائية عن كمّ القنابل، والقذائف البربرية التي سقطت فوق قرى لبنان الآمنة في حرب تموز، ماذا حتى عن القنابل العنقودية، وغيرها ممن يسمونه بالأسلحة الذكية، وتوقيع أطفال إسرائيل على الصواريخ المرسَلَة إلى أطفال لبنان؟!.
ولاشك أن البدوي في البيت الثالث يشير، ونستطيع أن نفهم ذلك نحن الآن من خلال ما يجري، إلى ما توحيه القوى الوحشية في أنها توصِل الشعوب المستعمرة إلى أهدافها، وغاياتها، وهي التي تصل في الحقيقة إلى أهدافها وغاياتها في إخصاء الشعوب الضعيفة لكي تظل تحت رحمتها واستغلالها وسيطرتها وتحويلها إلى أدوات لتنفيذ مآربها!!.
وفلسطين، هل أصبحت ضرب النسيان؟!. هل أصبحت في الذاكرة دموع الأطفال في كل يوم، والموت الذي يتربّص بشعبها، والتنكيل والاضطهاد، والسجون والاعتقالات، والعذاب والمذابح، التي تُرتَكَب كل يوم في حق هذا الشعب. إنّ فلسطين، وشعب فلسطين بالنسبة للعرب، يجب أن تكون مثل المسيح وصليبه بالنسبة للمسيحيين، إن هذا الشعب مصلوب بأكمله، وصليبه هو أرضه، وهو فداء وذبيحة عن الأمة العربية بأكملها، ودموعه ودمه وعذاباته مقدسة ومركز شفاعة للإنسان العربي الذي ما زال ينعم بسقف فوق رأسه!!.
ماذا للإنسان العربي أن يتعلم من هذا الشعب طفلاً، وشاباً، وفتاة، ورجلاً، وامرأة، وشيخاً عجوزاً؟!.
إن هذا الشعب مركز ومحور عبادة وتقديس في وجدان العربي، إنه قد أصبح رمزاً، إنه يحترق، ونحن نتفرّج!! لقد خدَّرَت قوى العدوان الوحشية أحاسيسنا، ووضعتها في قالب من جليد ينذر بعصر جليدي!!.
فلنسمع ما يقوله «البدوي» في رثائيته «من كسعد؟» التي هي نفحة وفاء لصديقه سعد الله الجابري، نرى البعد السياسي يدخل في الرثائية كألق البرق، إنه الحدس في القصيدة، وهذا الحدس يتمثل القدس، ويقول فيها:











مُدُنُ القدسِ كالعذارى سَبَوْها
كالسبايا لطَمْنَ خدّاً، ومزّقنَ
ضجّ سوق الرقيقِ في ندوة القومِ
يعرضون الشعوب عرضَ الجواري
غيْرَةُ الله! أين قومي؟ وعهدي
  وأرادوا لكل عذراء وغْدَا
شفوف الحرير بُرْداً، فبُرْدا
ونخّاسُه طغى، واستبدا
عُرِّيَت للعيون نحراً، ونهدا
بهم ينهدون للشرِّ نهْدا

                     
فلنسمع رأي د.شاهر امرير في هذه الأبيات: «الشاعر يرى في هيئة الأمم سوق نخاسة، وقد كنَّى عن هذه الهيئة بـ"ندوة القوم" فكما ندوة القوم ملتقى الناس، فإن هيئة الأمم، ملتقى الدول، ومنتداهم العالمي، لكنه المنتدى الذي تباع فيه الشعوب، وتُشرى من قبل الدول القوية، فتلك الدول نخّاسة هذا السوق، والدول الضعيفة رقيقه، ونخّاسو هذه الأسواق ظالمون، طغاة، مستبدون.
إنه يكيل الاتهامات للدول القوية المسيطرة على الهيئات الدولية، وتسيِّر العالم وفق شرعنتها، ومصالحها، وليس وفق شرعة الحق والعدل، فهم يمارسون العسف الاستعماري بكل صنوفه، وألوانه، بروح نخّاس فقد إنسانيته، وتعامل مع تجارته كسلعة، وليس كبشر، لهم كينونة إنسانية، ومشاعر وكرامة، إنهم كالنخّاس الذي لا يهمه سوى المصلحة، والمنفعة، فيعرّي جاريته ويبرز مفاتنها صدراً، ونهداً، وجيداً، كي يغري شاريها».
أما وبعد، فمن الجدير بالذكر أن البعد السياسي الخلاّق في حياة البدوي قد ظهر في فترتين يسميها البعض مهادنة المستعمر الفرنسي، فالأولى كانت في أوائل العشرينات، والثانية في أوائل الثلاثينات حيث كان يسكن اللاذقية، وقد صنع الفرنسيون منها وقتذاك عاصمة لدويلة صغيرة، وبعد وقت قليل أعلن انضمامه إلى «الكتلة الوطنية».
لكنني أفهم من «المهادنة» في البعد السياسي معنى «المساومة» مع العدو، وهي مرحلة لابد من المرور بها في العمل السياسي ببعده الثوري، فإذا ما كان للعدو من القدرة والبطش ما لا حول للوطني ولا قوة به، فلابد من «السياسة» التي تأخذ منحى «المساومة» أو ما يسميها البعض «المهادنة» وهي اعتراف مؤقت بالعدو، يستطيع من خلاله الوطني أن ينهض ببعد ثوري هو العمل الخلاّق الحر.
ومع ذلك نسمع د.شاهر امرير يقول: «لقد حاول الفرنسيون تقسيم الوطن السوري إلى دويلات من بينها دويلة في اللاذقية، لم أجد في شعره ما يثبت تأييده لها، بل إني وجدته لا يرضى حتى بالوطن السوري إطاراً، بل هو دائماً يذكر الشام، ولا يذكر سورية، ولم أجده مرة واحدة يذكر الوطن السوري، فكيف يمكن أن يرضى بدولة طائفية مساحتها بمساحة محافظة اللاذقية آنذاك؟!».
لقد كان البدوي سياسياً في حياته وشعره، وبعبارة أخرى جعل من السياسة شعراً، وسياسته الشعرية عبرت بشكل رئيسي عن مواقفه الوطنية ضمن موقف قومي أوسع، نراه حاضراً مثلاً في قوله:











بيت العروبة حين أسجد قبلتي   لا طوره قصدي ولا عرفاته

وهكذا، فإن السياسة الشعرية عند بدوي الجبل أخذت بعداً ثورياً شهد من خلاله عملاًّ خلاّقاً حرّاً. هذا العمل الخلاّق تجلى من خلال ما يسميه بول شاوول بالقصيدة – الفعل، وهذا ما يذكرنا عند سعد الله ونوس الذي آمن بالكلمة – الفعل التي جسدها في مسرحه.
 
فلنسمع بول شاوول يقول: «بدوي الجبل من ضمن هذا الهاجس الوطني والقومي المحرِّض، استرسل في بثه في مجمل أغراضه، من رثاء إلى هجاء (ويسميه "حقداً" على الاستعمار والشر)، وحتى إلى الغزل، إنه الشعر السياسي بامتياز. أوَليس من هذا القبيل رثى شخصيات سورية وعربية، كرياض الصلح، وسعد الله الجابري، وإبراهيم هنانو، وفارس الخوري، ويوسف العظمة؟ أوَليس من هذا القبيل تصدى للفرنسيين بعدما اقتحموا دمشق إثر معركة ميسلون واستشهاد وزير الدفاع آنذاك يوسف العظمة؟ أوَليس من هذا القبيل، أيضاً، أن بدوي الجبل عندما راح الفرنسيون في العام 1939 يغرون أجزاء من سورية بالانفصال، ظل هو وإخوانه يذودون عن الوحدة؟ أوَليس من هذا القبيل أنه يكون قد شارك – وإن مشاركة إعلامية – في ثورة الجيش العراقي على الإنكليز؟ وبالتأكيد، دفع بدوي الجبل ثمن مواقفه، بدخوله مرات عديدة إلى السجن على أيدي الفرنسيين، إلى منافيه في كل من لبنان والعراق وجنيف وروما وفيينا؟ في هذه المعارك السياسية كلها، كانت القصيدة سلاحه، يقارع بها، ويؤجج الضمائر والنفوس. وهذا ما عنينا به القصيدة – الموقف، القصيدة – الفعل، القصيدة التي تنضم إلى الحدث لتغير معطياته».
البعد السياسي في العمل الإبداعي عند بدوي الجبل قد اتخذ أيضاً طابعاً ملحمياً في قصائده.
إنه ذلك البعد الأفقي الذي يتجلى في الموقف، والبعد العمودي الذي يتجلى في المعاناة، هذا البعد العمودي الذي ينبجس في دفق العاطفة، وجيشان الوجدان الذي يتمخض من خلال الحدث، فيأتي تعبيراً صارخاً عن الحدث وتأريخاً له في نفس الوقت.
وهذا ما يعبر عنه د.نذير العظمة حين يقول: «في قصائده المبدعة صار التاريخي جمالياً، والجمالي تاريخياً، وظلت القصيدة محركة ومؤثرة، لا لأنها قصيدة وطنية، بل لأنها أيقونة شعرية، والجمال وسيلتها وغايتها في آن، وجوهرها الولاء وحب الوطن».
وكمثال على هذا نأخذ قصيدة «إني لأشمت بالجبار» وهي تأريخ لحدث شهد احتلال الألمان لفرنسا في الحرب العالمية الثانية، وحينذاك هرب ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية إلى بريطانيا، وقد نظمها أثناء إقامته في العراق، حيث عمل مدرساً. يقول في مطلعها، وهي من بحر البسيط:











يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا
خلِّ العتاب دموعاً لا غناء بها
آمنت بالحقد يذكي من عزائمنا
ويل الشعوب التي لم تسق من دمها
ترنح السوط في يمنى معذبها
تغضي على الذل غفراناً لظالمها
  رقّ الحديد وما رقوا لبلوانا
وعاتب القوم أشلاء ونيرانا
وأبعد الله إشفاقاً وتحنانا
ثاراتها الحمر أحقاداً وأضغانا
ريان من دمها المسفوح سكرانا
تأنق الذل حتى صار غفرانا

وفي القصيدة نفسها يندد بفرنسا، ويهزأ بها يقول:











سمعت (باريس) تشكو زهو فاتحها
والخيل في (المسجد المحزون جائلة)
والآمنين أفاقوا، والقصور لظى
  هلاّ تذكرتِ يا (باريس) شكوانا
على المصلّين: أشياخاً وفتيانا
تهوي بها النار بنياناً فبنيانا

إلا أن البعد السياسي عند بدوي الجبل يتجلى إنسانياً خالصاً، فهو يذكر في القصيدة نفسها فتاة أفاقت على دوي المدافع، فخرجت إلى سطح منزلها، وأجالت فلم ترَ إلا بيوتاً هدمها الفرنسيون، ودمروها، يذكر د.عبد اللطيف اليونس هذه الأبيات في القصيدة نفسها:











أفدي المخدَّرة الحسناء روَّعها
تطوف بالقصر عدواً وهي باكية
تجيل، والنوم ظلٌّ في محاجره
فلا ترى غير أنقاضٍ مبعثرة
  من الكرى قَدَرٌ يشتد عجلانا
وتسحب الطيب أذيالاً وأردانا
طرفاً تعهد هذه الأحلام وشنانا
هَوَين فناً، وتاريخاً، وأزمانا

ثم يندد بفرنسا، وعملها الوحشي، ويعلن شماتته بها، وقد تغلب عليها الألمان واحتلوها، قال:











إني لأشمت بالجبار يصرعه
لعله تبعث الأقدار رحمته
  باغٍ، ويوسعه ظلماً وعدوانا
فيصبح الوحش في بُرْدَيْه إنسانا

وقد انتشرت هذه القصيدة في العالم العربي وقتها انتشار النار في الهشيم، إلى درجة أن الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، والذي كان مسجوناً من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي، فوجئ بها وقد تم تهريبها إلى زنزانته في جزيرة الشيطان، حيث كان معتقلاً.


لقد ذكرنا قبل قليل أن البعد السياسي عند بدوي الجبل قد اتخذ أيضاً طابعاً ملحمياً، أشار إليه د.خليل الموسى، وذلك من خلال النزوع إلى القصائد المطوّلات مثل قصيدة «أين أين الرعيل من أهل بدر» في مئة وأربعة عشر بيتاً، وفي قصيدته «من وحي الهزيمة» وهي في مئة وخمسة وخمسين بيتاً.
يقول د.خليل الموسى: «إن الغضبة الملحمية لسبب داخلي تتجلى في قصيدة "من وحي الهزيمة" وهي تشكل غضبة عارمة لافتقاد البطل الملحمي الذي يقود الشعب من نصر إلى نصر، ولكن الحكام القائمين على الأمر والنهي هم الذين انهزموا في المواجهة في حزيران، وتركوا الشعب في السجون والأصفاد:









هُزِمَ الحاكمون، والشعبُ في الأصْــــــــــفادِ، فالحكمُ وحده المكسورُ
هُزِمَ الحاكمون، لم يحزنِ الشعـْـــــــــــبُ عليهم، ولا انتخى الجمهورُ
يستجيرون، والكريمُ لدى الغمْـــــــــــــــــــرةِ يلقى الردى ولا يستجيرُ

ثم هو ينذر الحكام ويهددهم ويحمّلهم تبعات جسيمة، فيقول: 











كلُّ طاغٍ – مهما استبدّ – ضعيفٌ
وهب الله بعضَ أسمائه للشَّــــــ
  كلُّ شعبٍ – مهما استكان – قديرُ
ـــــــــعبِ، فهو القديرُ، وهو الغفورُ



ثانياً – البعد الصوفي
لاشك أن أبعاد التجربة الصوفية غير محدودة، وهي تتصل على نحو وثيق بكل تجارب الحياة، فمن الصعوبة بمكان أن نحدد أين تبدأ وأين تنتهي، فهي يمكن أن تتألق في لحظة كشف على خط النار في مواجهة حية مع الموت، ويمكن أن تتألق في نضال الإنسان العادي في معتركه اليومي من أجل لقمة العيش، حين تنبع من أعماقه صلاة تهتز لها الأكوان، أوَ لم يكن مولانا جلال الدين الرومي في السوق حين سمع ضربات المطارق النحاسية، فأخذ يرقص ويدور في نشوة واتحاد صوفي مع الأكوان في رحلتها في الأبدي؟!. وآخر، نعرفه جيداً هو الحلاج، أوَ لم يصرخ ذات يوم قائلاً: «ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا في الدم!!».
كنا ذكرنا أن الكيان الشعري عند بدوي الجبل يقوم على قاعدة أفقية هي «الموقف» وبناء عمودي هو «المعاناة» أي «تجربته الشعرية»، «تجربته الحياتية»، «تجربته الوجدانية».. فماذا نرى من الأثر الصوفي في كيانه الشعري ببعديه؟
نرى ذلك في موقفه الذي يشير إليه كثير من دارسيه تجاه العقل واختياره «القلب» مكان التجلي عند الصوفية، فالحكماء والروحانيون والصوفيون، لا بل حتى بعض الملهَمين في الثيوزوفية كالمؤسِّسة مدام بلافاتسكي (هذه الأخيرة تعتبر العقل هو الهادم الكبير، وعلى المريد أن يهدم الهادم.. في حين أن الآخرين يصرون على بلوغ حالة اللاعقل، وهي تعني الوعي والحضور..!!).
هذا الموقف يتردد أيضاً لدى المتصوف و العالِم الرياضي الشهير باسكال إذ يقول: «الله ومعنى الحياة يجب أن يشعر بهما القلب لا العقل، إن للقلب مبرراته التي لا يعرفها العقل، وخيراً نفعل إن أصغينا إلى قلوبنا، وإن وضعنا إيماننا في الوجدان». والتجربة الصوفية أعمق من شهادة الحواس أو حجج العقل.
في دراسة جميلة للأستاذ طارق عريفي عن التصوف في شعر بدوي الجبل يذكر هذه الأبيات:











ويا ربُّ قلبي ما علمتَ محبةٌ
وآمنت حتى لا أروم لبانةً
فررت إلى قلبي من العقل خائفاً
تألّه عقل أنت يا رب صُغتَه
وضاقت به الدنيا ففي كل مهجة
تحداك حتى كاد يزعم أنه
وحاول غزو النيربين فردّه
وكفّ عنان العقل قسراً فربما
  وعطرٌ ووهجٌ من سناك صميم
تخـالف ما تختاره ويروم
كما فر من عدوى المريض سليم
وكاد يردُّ الميت وهو رميم
هواجسُ من كفرانه وغمومُ
شريك لجبار السماء قسيمُ
عن الذروة العصماء وهو رجيم
أُثير بإلحاحٍ السفيه حليمُ

 يذكر أ.عريفي عن عظة التقوى يقول فيها ربيب العلم، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «طوبى لذي قلب أطاع من يهديه».
وهذه الهداية عند بدوي الجبل دليلها القلب، فها نحن نسمعه يقول:











لم يضع في الظلام نورُك عن
مَعدِنُ الخير والجمال المصفّى
  قلبي فقلبي إلى سناك الدليلُ
وجهُك الخيِّرُ الكريم الجميلُ

وكذلك نسمعه يقول:











ربِّ! نعماك أن تنضّر قلبي
جوهرُ القلب وهو إبداع كفيك
وبقلبي رضوانُ يهفو لمرآك
  بمحياك فهو صادٍ محيلُ
على ما به كريم أصيلُ
وندى سريرتي جبريلُ


أما باب القلب فلا يُفْتَح إلا بعد توبة صادقة تقوم على الخوف والذل والدموع، وهذا ما نراه عند شيخ العاشقين «ابن الفارض» في هيامه في الصحراء، وعند ابن قيم الجوزية في روضة المحبين عن المحبة أنها: «شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب، وساقها معرفته، وأغصانها خشيته، وورقها الحياء منه، وثمرتها طاعته». وكذلك نرى هذه الوقفة عند باب القلب عند مولانا جلال الدين الرومي حيث يرى باب الله باباً للغفران. وفي هذا يقول أ.عريفي: «ومادام باب الله هو باب الغفران فقد وقف مولانا أمامه عبداً وضيعاً، خاشعاً، باكياً، وليس له أمام مولاه شاهد على عشقه إلا ما به من ذل ودموع».
أما الشاعر بدوي الجبل فهو يظهر هذه الوقفة من خلال «الدموع»، ويُقال أن «الدموع» هي صلة الوصل بين الروح والجسد، والولادة من الروح تعبر عنها الدموع، ويُقال أن دموع التائب تمحو الخطايا وتفتح باب السماء.
يقول البدوي:









يــــا رب بـــابُك لا يردُّ الــــلائذيـــن به ارتيــــــابُ
وإذا سُئلتُ عن الذنوب فـإن أدمعيَ الجـــــــوابُ
هي في يميني حين أبسطها لرحمتك الكتابُ

لقد تحدثنا فيما سبق عن مركزين هما العقل والقلب، إلا أن هنالك مركزاً ثالثاً يجعل كلاً من العقل والقلب دونما معنى، ودونما حياة بدون هذا المركز، وهو ما أشار إليه أحد المعلمين، وهو غوردجييف، وهو ما يعبر عنه بالمركز الحركي أي المركز الجنسي، وهذا المركز يلعب دوراً كبيراً في الرحلة الصوفية والتطور الروحي، فهو المركز الذي يمد كلاً من العقل والقلب بطاقته وزخمه، ولا يجب كبته أو تغييبه بحال من الأحوال.
إن هذا المركز هو ينبوع الطاقة، ومن خلاله تُعْرَف طاقة الحب التي تدفع بالمحب إلى العشق ومن عشق إلى عشق.
في الحقيقة أن هذه الطاقة التي حدّثَنا عنها فرويد وعرَّفَها باسم "الليبيدو" نعثر عليها قبل فرويد عند الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي في الفتوحات المكية، فهو حين يقول أنه لا يوجد محبوب سوى الله، وأن الله صورة كل محبوب على الأرض، وأن كل من أحب زينب، وسعاد، وهند، والدينار، والدرهم، والجاه، إنما في الحقيقة أحب الله، لأن الله ظاهر في كل محبوب لعين كل محب، كما أنه لم يعبد سواه، فإنه ما عُبِد من عُبِد إلا بتخيل الألوهية فيه، وهذا كله في الحقيقة جوهر "الليبيدو"‍‍!!.
والحال، أن الخلاص من العبودية للخلائق يكمن في التوجه إلى مبدأ العشق الحقيقي، وهو الألوهة المحتجَبَة في الخلائق، والتي هي المصدر الحقيقي لكل جاذبية وجمال وعشق.
نسمع البدوي في قصيدته «هواجس» يقول:











هواك عندي مقيمٌ في مواطنه
أحبك الحب تأليهاً خلعت به
  فإن تحوّل عن نعمائه اغتربا
على تدلهي الإجلال والرهبا

وحين يقول البدوي في قصيدة «ما شأن هذا الأشعث الجواب»:











وحملت أسمالي إليك وشافعي
فاسخر بإدلالي عليك وقل لها
  لهوى فتاتك غربتي وعذابي
ما شأن هذا الأشعث الجوابِ

يقول أ.عريفي: «هذه الأسمال، أو الثياب البالية الممزقة التي يسير بها البدوي أشعثَ جواباً في طريق المعرفة، هي الثياب التي يرتديها كل عاشق سالك في هذه الطريق، فتدل عليهم، وتشير إلى حالهم، وهذا ما يعبر عنه مولانا جلال الدين الرومي الذي يرى أن كل من تمزقت ثيابه من العشق أصبح طاهراً نقياً. فهو يقول: وكل من تمزقت ثيابه من العشق، فإنه يصبح طاهراً من الحرص من كل العيوب. فلتُسعَد أنت يا من عِشْقُه الجميل سرُّ هيامنا، ويا من هو الطبيب لكل ما نشكوه من علل. يا من هو الدواء لغرورنا، وكبريائنا‍.
إن العشق جعل جسم الأرض يعلو على الأفلاك، فرقص الجبل وأضحى خفيف الحركة،
العشق حل في روح الطور أيها العاشق، فسكر الطور، وخرّ موسى صعقا.
وهكذا فالسكر لدى الصوفية ناجم عن اشتداد حالة العشق، والخمرة هنا تأخذ مدلول النشوة الروحية، هذه النشوة يختبرها الصوفي حين ينتقل من عالم الصحو إلى عالم الغيب!!».
يقول البدوي في قصيدته «ما شأن هذا الأشعث الجوّاب؟»:











هل عند أنجمك الضواحك ما بي
طَهَّرتُ آثامي البريئة في لظى
فأدر علي سلاف ريقك واسقني
وإذا كتبتُ على لماك فربما
وَسّدْتك اليمنى لعلي في غدٍ
ونعمتُ ألمح في جفونك رغبةً
لا تغفُ تحلم بالنجوم فيرتمي
  يا ليل إشراكي وصبح متابي
قُبَلٍ كأحلام النعيم عذاب
واسق النديم سلافة الأعناب
سمح الحبيب برشفة الأعتاب
أرِدُ الحسابَ ووجنتاك كتابي
خجلى صريعة نشوةٍ ودعاب
منها لرشف لماك ألف شهابِ

كما يذكر أ.عصام شرتح هذين البيتين لبدوي الجبل يقول فيهما:











يا نديمي لا تأس بالله واشرب
وتمتّع بالنور إذ رُبَّ قومٍ
  لذةُ العيش هذه الصهباء
مُنع الكأس عنهم والضياء

«فالكأس هنا هي النور لأنها تحطم الحواجز المادية، وتصله روحياً بالله مبدأ النور والإشراق والصفاء والجمال المطلق».
وكذلك يشير أ.عصام شرتح إلى البعد الصوفي الذي يظهر جلياً في قصائد مثل «أطَلَّ من حرم الرؤيا فعزّاني»، و«اللهب القدسي»، و«ظمأ إلى السراب»، و«السراب المظلم»، و«انجلت نفسي في النور»، و«ما شأن هذا الأشعث الجوّاب؟».
على هامش الدراسة
نظرة حول ثنائية العقل والقلب في التجربة الصوفية:
ذكرنا في المقدمة أن أبعاد التجربة الصوفية غير محدودة، وأنها تتصل على نحو وثيق بكل تجارب الحياة، وأنه من الصعوبة بمكان أن نحدد أين تبدأ وأين تنتهي. ولكن حين يبدأ الحوار بين العقل والقلب قد يدخل المريد في التأمل، وفي التأمل يقول العارفون أن العقل والقلب يكونان منفتحين كلياً، وهذا التأمل يرتكز على ضبط الانتباه في الدماغ، ويضع الوعي على مستوى التأمل الفلسفي فينقل العقل إلى مدار الرؤى المجردة والخيال.
إلا أن هنالك مستوى آخر، وهو الحالة الصوفية السوية في التجربة الدينية، وهذا ما عبّر عنه أحد متصوفة إيران الكبار حين قال: «تتحقق الهداية باتحاد الدماغ والقلب، والحواس والطبيعة، وضلال النفوس ناجم عن تنافر هذه العناصر الأربعة وتباينها.
وبعد، فإن أنوار المعرفة هي الكاشفة لظلمة الغلفة والجهل. فلتبتعد عن نفسك، ولتنر الطريق الذي يمضي من القلب إلى الدماغ، ولا تترك القلب والعقل يعيشان كجارين بعيدين غير متعارفين، يجهل كل منهما الآخر. وكل هوى يشتد في قلبك اطرده باتحاد قوى القلب والعقل. وحين تصل حواسك مجتمعة إلى موطن القلب ولا تود الرجوع والنكوص، عندئذ تجد ذاتك. وإذا ما ربّيْتَ روحك الكثيفة من منبع الحياة، فسوف ترى صورتك النورانية».
نستخلص إذن، وكما ذكرنا أنه ثمة ثلاثة مراكز أساسية العقل والقلب والجسد، والطريق الصوفي يظهر في اجتذاب العقل إلى القلب حيث يتوحد الإنسان بكليته مع جسده أيضاً، والجسد هنا لا يُلْغَى بل يتوهّج بالنعمة، ولا يبقى ثمَّة انشطار بين عقل وغريزة، بل يغدو واحداً موحداً.
وحين يُجتذب العقل إلى القلب فإنه لا يعقلن الأشياء بل يحيا!!.
وفي أدب النسكيات فإن حالة اللاعقل هي الحفاظ على العقل والقلب نقيين من كل «فكر» وهذا هو النقاء أو الصمت العقلي، ويقول هذا الأدب أن الإنسان الذي لا يملك وعياً داخلياً كافياً يسقط بسهولة تحت سطوة فكر ما ويصير عبداً له!!.
ثالثاً-معنى الصحراء
كما ذكرنا أن الكيان الشعري عند بدوي الجبل قائم على قاعدة أفقية تتمثل «الموقف» فيها، هذا الموقف قد يصبح حضوراً للمكان في شعر البدوي، فالمكان أيضاً بُعْدٌ «أفقي»، هو ذلك البعد الذي يحتوي «التجربة» أو«المعاناة» وهي البعد العمودي الذي يعطي للمكان معناه وألقه، والمكان بدوره يعطيه أي للبعد العمودي تجسّداً وحضوراً من خلاله. هذا «المكان» نراه على نحو صارخ في قصائد البدوي بشكل خاص وقد يكون طاغياً في ما نسميه حضور «الصحراء» في شعره!!.
لاشك أن فهم معنى الصحراء عند بدوي الجبل يشكل مفتاحاً مهماً لاستكناه أبعاد الكيان الشعري عنده.
إن الصحراء عند البدوي هي همزة الوصل أو الجسر الذي يربط البعد السياسي بالبعد الصوفي والبعد الأفقي بالبعد العمودي.
فالصحراء تشكل أكثر من ثلاثة أرباع مساحة الوطن العربي، كما أنها مهد اللغة العربية، ومن ربوعها تفجر الدين الإسلامي، وأخيراً انطلقت منها في بدايات القرن العشرين (1916) الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي.
وهكذا تعكس الصحراء الهوية القومية العربية من جهة، والهوية الروحية من جهة أخرى. ففي الهوية القومية تعكس وحدة الأوطان العربية، وفي الهوية الروحية تعكس وحدة الوجود العميقة التي ينشدها الصوفي في وصاله مع الذات الإلهية من خلال رحلته عبر الصحراء!!.
الأطلال
الصحراء تخبئ سراً عميقاً دفيناً في أعماقها وصمتها، وليس عبثاً كثرة الشعراء الجاهليين الذين وقفوا على الأطلال في لوعةٍ عن ماضٍ ما، عن سرٍّ دفين خبأته رمال الصحراء، ورياحها. هذه الوقفة على الأطلال لم تغب عن شعر بدوي الجبل أيضاً، وامتزجت بكائيات وطنية وقومية في قصائد يشير إليها د.فاروق اسليم مثل «مرابع الأحباب» (1920)، و«على أطلال الجزيرة العربية» (1924)، وأخيراً «أين أين الرعيل من أهل بدر» (1952)، حيث يحدث تبدل في الوقفة من نسبة الطلل إلى الحبيبة الراحلة في الشعر الجاهلي إلى طلل البطولة فيقول فيها:









لا تسلها، فلن تجيب الطلولُ         ألمغاويرُ مثخنٌ أو قتيلُ
موحشاتٌ يطوف في صمتها الدهرُ، فللدهر وحشةٌ وذهولُ
غاب عند الثرى أحباءُ قلبي   فالثرى وحدَه الحبيب الخليلُ

الموت
الصحراء مسألة تحدي تواجه الإنسان العربي خصوصاً، وهي قادرة أن تزلزل أعماق أعماقه، الموت والزوال والاندثار في غياهب النسيان مصير ينتظر لا الأفراد فحسب بل الأمم أيضاً، يقول البدوي:











ذرتِ السنون الفاتحين كأنهم   رملٌ، تناوله مهبُّ رياحِ

وعلى مستوى الأفراد يظهر التحدي الذي تطرحه الصحراء، والموت والزوال والاندثار، فمن خلال هذا التحدي تبدأ المعاناة الوجودية، لماذا أنا موجود؟!، وهل يكفي إحساسي بأنني موجود في معنى أنني حي؟!، ما معنى الحياة؟!، وما معنى الموت؟!.
فثمة وقفة ومواجهة مع الموت لطالما وقف فيها العرب طويلاً، يذكر أ.عريفي عن الغزالي في سراج الطالبين على منهاج العارفين يقول: «رقة القلب وصفوته بذكر الموت»، وعن مولانا جلال الدين الرومي يقول: «إذا تشبثت بحالة، وتمسكت بها، ورفضت الانتقال منها إلى حالة أخرى، بقيت على بدايتك، ولم تصل إلى قمة الإنسانية، وذروة الكمالات الروحية»، وكذلك: «إن الإنسان لم ينل البقاء إلا عن طريق الفناء، فلماذا تفر يا هذا من الفناء الجديد الذي هو مقدمة للبقاء الخالد، ولماذا تتمسك بهذه الحياة وتلتصق بها، مع أنها تخلف حياة لا زوال لها، ولا خوف فيها، ولا أحزان بها، ولا متاعب، العارف لا يتوجع لمفارقة هذه الحياة، ولا يحزن، إن الموت عند العارفين نفحة حياة».
وبالطبع فإن هذه الوقفة لم تغب عن شاعرنا بدوي الجبل الذي يقول:











شبح الموت ما يخيف البرايا
وجد الناس في كؤوسك سُمَّاً
فاسقنيها قد طال صحوي ومكثي
  من حتوف تعانق الأرواحا
غير أني وجدت فيهن راحا
وتمنيـتُ سكراً ورواحا

الازدواجية
الصحراء هي ذلك المكان الذي يشعر فيه الكائن الإنساني بالعزلة عن الآخر، هذا الشعور الذي يولّد القسوة والعدوانية والحقد.
لاشك أن وعي الصحراء يخلق ازدواجية إن عرف المرء أن يصالح بين وجهيها اللذين يعكسان الوعي السيكولوجي لها فإنه يخرج من عزلته وينفتح على الآخر.
هذه الازدواجية يعبّر عنها البدوي في بيتين جميلين من قصيدة «يا وحشة الثأر»، يقول فيها:











عبدتُ فيها إلهَ الشمس منتقماً
الليلُ يخلقُ فيها الحُورَ مُترَفَةً
  ومعــذِّباً، وإله الليل رَحمانا
وتخلق الشمسُ جِنَّاناً وغيلانا

لاشك أن ما يذكره البدوي في هذين البيتين يحتاج إلى وقفة طويلة فهو حين يقول «عبدتُ فيها» أي الصحراء التي تعكس هذه الازدواجية. فهل نستطيع أن نصالح بين إله الشمس المنتقِم والمعذِّب والذي يخلق الجنّان والغيلان، وبين إله الليل الرحمن الذي يخلق الحور مترفةً؟!
إن إله الشمس هذا نراه حاضراً في روح القوة، روح القتال، وفي وقتنا هذا نراه حاضراً في روح النفط التي تخلق جنّاناً وغيلاناًً. في حين أن إله الليل نراه حاضراً في سر الحياة الروحية للإنسان العربي، في صوفيته، في أحلامه ورؤاه، في حياة السلام الداخلي والكمال، والخلاص لا يكمن في أن ننبذ جانباً على حساب جانب آخر، وإنما يكمن في المصالحة بين الجانبين!!.
السراب
في هذه الصحراء يخوض الصوفي والناسك والقديس معركة دامية أشد قسوة وعنفاً بأبعادها الكونية من كل معارك الأرض، إنها مسألة أكون أو لا أكون!!.
معركة قد يدمى الجسد فيها، ويهزل، ويضعف، وتصبح أسماله وثيابه ممزَّقَة – كما رأينا معناها في الفقرة السابقة – إلا أن ما يدمى فيه حقيقة هو «العظم» أي الروح فيه، وهكذا فالجهاد الروحي في الصحراء يأخذ طابع التصوف، طابع تلك التجربة الروحية الخارقة التي عرفها الكبار فينا، والتي نراها عند البعض كالذين ذكرهم أ.عريفي مثل شيخ العاشقين ابن الفارض الذي هام في الصحراء نحو خمس عشرة سنة، أو عند المكزون السنجاري الذي عبّر عنها من خلال قصيدة «تزكية نفس»، أو التي بلغت حدَّ الأسطورة كما نراها عن د.أسعد علي في «أسطورة الصحراء».
والصحراء هي تلك القوة المجهولة فينا أو ما يسميه د.بول شوشار «الحافز السري» الذي يجبرنا على أن نرغب فيما قد لا نود في الواقع أن نرغب فيه، ونقع أسرى له!!.
إنه ما يُسَمَّى بلغة الصحراء «السراب» الذي يخدع المسافر.
يقول د.فاروق اسليم: «السراب ظاهرة بصرية خادعة للمرتحلين عبر الصحراء، تمنحهم الشعور بقرب الوصول إلى الماء والحياة، قبل أن تفجأهم بمزيد من الرمال والهجير والظمأ. والسراب لذلك رمز لخداع قد يفضي إلى الهلاك، فهو خطر وبغيض».
لاشك أن معنى السراب يشير إلى حكمة سرية عميقة، ونلمح له ثلاثة مظاهر نستنبطها من هذه الأبيات التي أوردها د.فاروق اسليم للبدوي.
يقول في قصيدة «السراب المظلم»، ونرى فيها المظهر الأول:











حنا السرابُ على قلبي يخادعه
فكيف رُحتُ ولي علمٌ بباطله
  بالوهم من نشوةِ السقيا، ويغريه
أهوى السرابَ وأرجوه وأغليهِ؟

والمظهر الثاني نراه في هذين البيتين من القصيدة نفسها:











أدعو السرابَ إلى روحي، فقد حليتْ
لهفي عليه أسيراً في يدَيْ قدرٍ
  بها اللبانات ترضيه، وتغويه
يميته كل يومٍ، ثم يحييه

والمظهر الثالث في الخاتمة يقول:











أنتِ السراب، ولكني على ظمأي
محوتُ من قلبيَ الدنيا، فما سَلِمَت
  بأنهرِ الخمرِ في الفردوس أفديهِ
إلا طيوفُ هوانا وحدها فيه

فالسراب في مظهره الثالث الذي يعبر عن العطش، لكن هذا العطش في مظهره الثالث يقود للماء الحقيقي الذي هو «ليلى» الذات الإلهية، وحضورها في خيام ليلى!!.
الإنسان في الحقيقة «مسافر» على هذا الكوكب، ويظن أنه مقيم على هذا الكوكب إلى الأبد، ولكل إنسان «سرابه» الخاص، فهذا يريد أن يستولي على هذا «المكان» أو ذاك.. وآخر يريد «الشهرة» هنا وهناك.. وآخر يريد «اللذة» هنا وهناك.. وفي الحقيقة كله «سراب» وإذا قسنا عمر الإنسان بعمر الكون، ربما يكون جزءاً من أعشار الثانية من عمر الكون إن لم يكن أصغر بكثير.. فهو «مسافر» فقط، "عابر سبيل"، ولن يأخذ شيئاً معه، فهو "مسافر" فقط، "عابر سبيل"..!!. لكنه "مسافر" و«عابر سبيل» في الصحراء، وهذا يعطيه معنى كبيراً لوجوده وحياته وتجربته. فالصحراء هي ذلك المكان الذي يجب المرور فيه واجتيازه نحو الحياة التي لا تموت ولا تفنى.
إن حضارة الإسمنت المسلَّح قد غيَّبَتْ حقيقة الصحراء من وعي الإنسان بشكل عام، والإنسان العربي بشكل خاص، إلا أن حضورها في لا وعيه ما زال قوياً، وذلك البدوي يضجّ في عروقه. إن في جعبته رسالة، ليت الإنسان العربي يستطيع فك رموزها!!.
الرحلة الروحية
ذكرنا قبل قليل أن السراب في مظهره الثالث عند بدوي الجبل يعبر عن العطش الذي يقود للماء الحقيقي الذي هو «ليلى» أي الذات الإلهية، وحضورها يعبر عنه خيام ليلى!!.
وبالتالي فالرحلة الروحية عبر الصحراء، هي رحلة روحية للاتحاد بالذات الإلهية، هذه الرحلة يعبِّر عنها بدوي الجبل في قصيدته «الكعبة الزهراء» التي أهداها الشاعر إلى أعتاب «أبي الزهراء محمد» (صلى الله عليه وسلم)، وكان قد أصر الشاعر على جامع ديوانه أن يضعها في أول الديوان تكريماً لصاحب المقام.
وفي بداية القصيدة يناجي الشاعر «مكة» وقد اختار من أسمائها «أم القرى» المحمَّل بعبق الإسلام والتاريخ العربي يقول في مطلعها:











بنورٍ على أم القرى وبطيــبِ
لثمتُ الثرى سبعاً وكحلت مقلتي
وأمسكتُ قلبي لا يطير إلى منىً
فيا مهجتي: وادي الأمين محمد
هنا الكعبة الزهراء والوحي والشذا
ويا مهجتي: بين الحطيم وزمزم
وفي الكعبة الزهراء زينت لوعتي
  غسلتُ فؤادي من أسى بلهيبِ
بحسنٍ كأسرار السماء مهيبِ
بأعبـائـــه من لهفةٍ ووجيب
خصيبُ الهدى والزرعُ غير خصيبِ
هنا النور فافني في هواه وذوبي
تركتُ دموعي شافعاً لذنوبي
وعطّرَ أبوابَ السماء نحيبي

 يقول أ.عريفي: «الشاعر بدأ رحلته هذه إلى المزار الشريف، وهذه الرحلة ركن من أركان الإسلام الخمس. وإذا ما أراد الإنسان الشروع في أي واحد منها، يجب أن يكون في حالة خاصة. وفي مقام خاص. فإذا ما أراد الصلاة يجب أن يطهِّر بدنه على سبيل المثال، وإذا ما أراد الحج يجب أن يطهر روحه، وشاعرنا أراد الحج، فكيف طهر روحه؟
وهنا طهارة الروح تكون بطهارة الفؤاد (القلب) لذلك قال شاعرنا «غسلت فؤادي» وفي هذه الصورة الشعرية لا يكون الغسيل بالماء، وإنما بالنور والطيب.
وهو يريد تطهيره من أعباء الحياة، يريد أن يجعله فارغاً من كل شيء إلا من حب حبيب هواه واشتدت لهفته ووجيبه للقاه. لقد أفرغ قلبه من كل شيء يشوبه، وسار في موكب الروح، ولذلك وجدناه يذرف دموعه بين الحطيم وزمزم».
يشير أ.عريفي إلى الرحلة الروحية التي يحدثنا عنها بدوي الجبل إلى أعتاب الكعبة الزهراء حيث الوحي والشذا والنور، حيث يقول:











مواكبُ كالأمواج عجّ دعاؤها
وردّدتِ الصحراء شرقاً ومغرباً
تلاقوا عليها من غني ومعدم
نظائرٌ فيها: بُردُهم بردُ محرمِ
  ونار الضحى حمراء ذاتُ شبوبِ
صدى نغمٍ من لوعةٍ ورتوبِ
ومن صبيةٍ زُغب الجناحِ وشيبِ
يضوعُ شذا: والقلبُ قلب منيب

في قراءة لهذه القصيدة يذكر أ.عريفي: «وبعد طول طريق ومجاهدة، يصل البدوي إلى غايته ومناه، وإذا بالرمال الكئيبة العنيفة تتبدل، وتصبح جمالاً، ضاحكاً، ناعماً، وذاك فعل الحب الذي بدل من قبل الصحراء، فجعلها صحراء شوق، ومفازة خير، وأسطورة يرويها العشاق، وها هي الآن تتحول حسناً، ضاحك الدل، ناعماً»: 











وبدّلتُ حسناً ضاحك الدلّ ناعماً
ومن صحب الصحراء هام بعالمٍ
وللفلك الأسمى فضول لسرها
  بحسنٍ عنيفٍ في الرمال كثيبِ
من السحر جني الطيوفِ رهيبِ
ففي كل نجمٍ منه عينُ رقيبِ

وكذلك:











أشمُّ الرمال السمرَ في كل حفنةٍ
على كل نجدٍ منه نفح ملائكٍ
توحدتُ بالصحراء حتى مغيبها
ومن هذه الصحراء صيغت سجيتي
  من الرملِ: دنيا من هوىً وطُيوبِ
وفي كل وادٍ منه سرُّ غيوبِ
ومشهدها من مشهدي ومغيبي
فكلُّ عجيب الدهر غير عجيبِ

وماذا رأى بدوي الجبل في الصحراء أيضاً؟











أرى بخيال السحب خطوَ محمد
وسمرَ خيامٍ مزّق الصمت عندها
وناراً على نجدٍ من الرمل أوقدت
  على مُخصب من بيدها وجديبِ
حماحم خيلٍ بُشِّرَت بركوبِ
لنجدة محروم وغوثِ حريبِ

يقول أ.عريفي: «لا يخفى ما في هذه الأبيات من رموز يبثها الشاعر البدوي في رحلته الروحية، فخطو محمد هي "قدم الصدق" في طريق الهدى، والمخصب اسم مكان من "خصب الهدى"، وسمر الخيام وهي ما يسميه الصوفية "خيام ليلى" والتي تعني الذات الإلهية، أما النار الموقدة على نجد من الرمل»، فهنا يشير أ.عريفي إلى أن البدوي يسلك نهج جده الأكبر المكزون السنجاري في صوفيته.
الغربة
يبقى أن نشير أخيراً إلى أنه إذا كانت الصحراء هي المكان الذي تنبت فيه الأشواق للقاء الخالق، فالغربة هي صحراء النفس التي تنبت فيها الأشواق والحنين للعودة إلى الوطن.
قد يكون الوطن في أقصى معانيه إحدى رموز الذات الإلهية، فمنه خرجنا وإليه نعود. من هنا، توحد معنى الغربة عند بدوي الجبل في حنينه للوطن مع حنين الروح إلى بارئها، وهكذا نعود من حيث بدأنا في رؤية الكيان الشعري عند البدوي حيث يتخذ حضور المكان في البعد الأفقي «الصحراء» وهي «غربته أيضاً» و«المعاناة» في حنين الروح في بعدها العمودي.
نعود للأستاذ عريفي الذي يقول: «البدوي الذي يملؤه حنين بعودة الروح إلى بارئها، هو ذاته البدوي الذي يملؤه حنين بعودة الجسد إلى وطنه، وفي الحالتين كلتيهما تتمثل لشاعرنا قصة موسى:











وفاءٌ كمزن الغوطتين كريم
وشعرٌ كآفاق السماء تبرجت
تطوحني الأسفار شرقاً ومغرباً
وأسمع نجواها على غير رؤيةٍ
  وحبٌّ كنعماء الشآم قديم
شموسٌ على أنغامه نجوم
ولكن قلبي بالشآم مقيم
كأني على طور الجلال كليمُ

وحين يقول الشاعر في «الكعبة الزهراء»:











هتكت حجاب الصمت بيني وبينها
حبست بها جنية معبديَّــةً
  بشبابةٍ سكرى الحنين خلوبِ
وفرّجت عن غمّائها بثقوبِ

 ورمز "الشبابة" صورة واضحة عن الاغتراب الروحي الذي تعاني منه نفس شاعرنا، و"الشبابة" هنا رمز للنفس البشرية لأنها قُطِعَت من أصلها الأم "الشجرة" وأُبعِدَت عنها مثلما أُبعِدَت الروح عن موطنها الأول "خالقها" فهي في حنين دائم إليه».
بدوي الجبل والمرأة
لا شك أن نظرة بدوي الجبل إلى المرأة تميزت بخصوصيتها في الشعر العربي، فهو كشاعرمرهف الحس قد أعجب بالمرأة أيما إعجاب، وأحبها في أدوارها المختلفة بالنسبة إلى الرجل، أماً وأختاً وحبيبة وزوجة.
يقول الكاتب هاشم عثمان: لكي نعرف مقام المرأة عند بدوي الجبل لا بد أن نقرأ قوله فيها أولاً: « نعمة الله على الخيال والفن والعاطفة، تمدهن بأروع الصور أملحها وأسماهها، وإنني لا أستطيع أن أتصور أدباً لا يستمد عذوبته وخياله من ابتسامة المرأة وحنانها وحبها أماً وزوجة وحبيبة».
لكن نظرة البدوي إلى المرأة في شعره تختلف عما اعتدنا عليه في الشعر العربي من موقفين لا ثالث لهما، إما الشاعر العذري الذي لا يعترف بحضور المرأة الجسدي وتبقى له خيالاً بعيداً عصياً عن المنال، أو الشاعر الماجن المغامر على طريقة عمر بن أبي ربيعة، لا يرى فيها روحاً ولا خيالاً، وليس أبعد من اللذة الآنية المباشرة.
لقد تجاوز بدوي الجبل هذين المفهومين، عندما مزج بينهما بسهولة الشاعر المبدع، ثم أضاف بعداً ثالثاً قلما نراه في الشعر العربي عموماً، إنه البعد الروحي الما ورائي، والانتقال إلى ما تجسده المرأة وترمز له، من قدرة الإبداع والخلق المذهلة عند خالق الكون، الذي وضع في هذا الكائن الضعيف الجميل، أسرار الطبيعة الغامضة، في تقلبها وغضبها ورضاها وجمالها ونعومتها وقسوتها وهجرها وصدها، والشاعر هو الكائن التائه في غموض هذه الرموز وتعقيدها، يحاول أن يفكك طلاسمها عله يظفر بالراحة والاستقرار والهناء، وعله يلقي نظرة أبعد، قد تذهب به خطوة أخرى في اكتشاف حقائق الكون، والتقرب أكثر من خالقه.
وقد أحب البدوي هذا الغموض والترميز، وشده هذا أكثر فأكثر إلى المرأة وعوالمها:











أحببتها ساحرة كالرؤى   مبهمة غامضة كالظنون

ولكن هذا لم يمنع الشاعر من أن يستجيب لكل مؤثر تشكله فتاة جميلة، فيجود بأجمل قصائد الوصف لهذا الجمال الآسر، وهكذا توالت القصائد الجميلة تصف السمراء والشقراء والعذراء الخائنة، ومما قال في وصف الشقراء:











شَقْراءُ يا لَوْنَ حُسْنٍ
وَيَا جَمَالاً غَرِيباً
لاَ وَسْمُ لَيْلايَ فِيهِ
  مُحَبَّبٍ مُسْتَبِدِّ
عَلى ظِبَاءِ مَعَدِّ
وَلاَ مَلامِحُ هِنْدِي

ويحكى أن المطربة الكبيرة الراحلة أم كلثوم قد طلبت من الشاعر أن يسمح لها بغناء هذه القصيدة شرط أن تبدل شقراء إلى سمراء إلا أنه رفض ذلك.
ومن طرائف قصص البدوي الغزلية ما رواه الأديب الكبير عبد السلام العجيلي في مقابلة له مع الأستاذ فيصل عمران، ودونها في كتابه «ذكريات السياسة»:
«كنت في المجلس النيابي زميلاً للشاعر الكبير بدوي الجبل الذي كان نائباً وأميناً لسر المجلس، وكان الرئيس فيه العلامة المرحوم فارس الخوري. وفي أصيل أحد الايام كنت في زيارة لصديقي الشاعر الكبير في فندق الأوريان بالاس، فاقترحت عليه أن يحضر معي ندوة لحلقة الزهراء كان موعدها بعد ظهر ذلك اليوم، على أن نخرج من الندوة إلى جلسة المجلس النيابي التي كانت ستعقد في وقت لاحق في المساء. لم يبدِ الأستاذ البدوي استجابة لما اقترحته، وتعلل في البدء بواجبه في أن يصل قبل النواب الآخرين إلى مكتبه، ثم نزل على إلحاحي وقبل مرافقتي بعد أن وعدته بأن نترك الجلسة مبكرين.
كان اجتماع الحلقة في تلك الأمسية مثل كل اجتماعاتها ندوة أدب وسمر رفيعين. كما إنها حفلت ، إلى جانب روادها من المثقفين والكتاب، بزمرة رائعة من السيدات والأوانس تألقت بينهن صبية فاتنة الحسن رقيقة التهذيب تفيض ظرفاً وحيوية. وبدا لي أن صديقي الشاعر الكبير لم يندم على نزوله عند اقتراحي ، بل أن جو الندوة راق له إلى درجة نسي فيها جلسة البرلمان التي حان انعقادها. وكما فعلت حين استصحبته الى هذه الندوة كان علّي أن ألح عليه، وان أذكره بمقعده إلى جانب رئيسنا وأستاذنا فارس بك، حتى يطاوعني فيغادر مقر حلقة الزهراء إلى دار مجلس النواب.
وفي الجلسة، وبينما كنت في مقعدي إلى جانب زملاء من النواب الشباب كنت أؤلف وإياهم كتلة نواب واحدة، جاءني أحد السعاة يحمل إلي ورقة مطوية من أمين سر المجلس الذي كان في مقعده إلى جانب الرئيس. فضضت الورقة فإذا فبها بيت شعر هو التالي :











لاتبالي والخير في أن تبالي   الهجرُ لصدٍ أم لــدلال


ضحكت وساءلني زملائي ماذا تريد الرئاسة مني فتهربت من الجواب. كنت أعرف ماذا حرك شيطان الشعر في صدر صديقي، أو من حركه. فتناولت قلمي ورحت أجيبه، وكتبت تحت البيت الأول هذه الأبيات:











لو تراها وأومضت مقلتاها
أين لا أين عاشقٌ "بــدوي"
قلت أودى بلبه ياســـــليمى
كلنا في هــواك صبٌّ عميــدٌ
  تسكب الشوق في ثنايا السؤال
ملهم الروح عبقري الخصال
خافـــق هام في فنـون الجمال
مثل بدو السهول بــدو الجبال

وأعدت الورقة مع الساعي إلى المنصة وعيني عليه، وكذلك عيون زملائي. ولحظنا جميعاً كيف قرأ البدوي الورقة ومال بها إلى الرئيس يتلوها عليه، وكيف كان فارس الخوري يهز هامته الضخمة لتلك التلاوة. وانصرفنا بعض الوقت الى أعمال الجلسة ورفاقي في تساؤل عما بيني وبين أمين سر المجلس ورئيسه من مراسلة. ولم يلبث الساعي أن عاد إلي بعد قليل بورقة أخرى مطوية، فضضتها فإذا بها تحمل هذه الأبيات الرائعة :











ما لسلمى بعد المشيب ومالي
إن حب الجمال أصبح عندي
كلما لاح بارق من سنــاه
وأنا الظامىء القنوع كفاني
أعشق الحسن نظرة وحناناً
وأحب الجمال يلهمني السحـْـ
  بدعة الحب صبوتي واكتهالي
بعد شيبــي عبــادة للجمال
جن قلبي وضلّ أي ضلال
عن ورود الغدير ومضة آل
ورؤى حالمٍ وطيف خيــال
ــرُ وأهواه مشرّباً بالـدلال

قرأت الورقة وطويتها محتفظاً بها لنفسي، غير مشبعٍ فضول رفاقي، ولا فضول الصحفيين الذين كانوا يرقبون من شرفتهم رواح السعاة ومجيئهم بين منصة الرئاسة وكتلة النواب الشباب في قاعة المجلس بهذه الأوراق المكتوبة. لقد ظنوها تتعلق بإحدى المناورات السياسية التي كان المجلس النيابي مسرحاً لها، فجاءوا إليّ بعد انفضاض الجلسة يسألون ويلحّون في السؤال. غير إني لم أطلع أحدا على الحكاية، ولم أنشرهذه الأبيات التي أوحتها حسناء في حلقة الزهراء ونظمها نائبان من نواب الأمة، قبل هذا اليوم».
إلا أن القصيدة الأجمل في رأيي بين قصائد البدوي في المرأة هي قصيدة «خالقة» التي تماهى فيها الجسد بالروح، وتماهت فيها الكلمات بالصور، فانتقلت بالقارئ أو السامع إلى عالم آخر، ساحر الجمال.
قصيدة خالقة:












من نعمياتكِ لي ألفٌ منوّعةٌ
رفعتِني بجناحَيْ قدرةٍ و هوىً
تعبُّ من حسنه عيني فإن سكرتْ
أخادع النّوم إشفاقاً على حلمٍ
وزار طيفك أجفاني فعطّرها
طيوبُها في زيارات الرؤى نزلتْ
كأنّ همسك في ريّاهُ وشوشةٌ
تندى البراءة فيه فهو منسكبٌ
رشفتُ صوتك في قلبي معتّقةً
لو كنت في جنّة الفردوسِ واحدةً
خلقتني من صباباتٍ مدلّهةٍ
فكيف أغفلتِ قلبي من تجلّده
و كيف تشكين من حبّي غوايته
وهل تريدين روحي هدأةً وونىً
ألفتُ نفسي على ما صغتِ جوهرها
***
كبّرتُ للطلعة النشوى أسبّحها
يا طفلة الروح: حبّات القلوب فدى
آثامك الخفراتٍ البيض لو جليتْ
كأنّها أقحواناتٌ منضّرة
يا نجمة تختفي حيناً و تشرق لي
لقد هجرت أخاك الفجرَ وانتبهتْ
من موطن النّور هذا الحسن أعرفه
ففي السماء على مطلولِ زرقتها
***
لا تجزعي من مقادير مخبّأةٍ
عندي كنوز حنان لا نفاد لها
أعطي بذلّة محروم فوا لهفي
جواهري في العبير السكْب مغفية
تاهت عن العنق الهاني فأرشدها


 

وكلّ واحدةٍ دنيا من النورِ
لعالمٍ من رؤى عينيك مسحورِ
أغفت على سندسيٍّ من أساطير
حانٍ على الشفة اللمياءِ مخمور
يا للطيوفِ الغريرات المعاطيرِ
من مقلتيَّ على أصفى القواريرِ
دار النسيم بها بين الأزاهيرِ
من لغوِ طفلٍ ومن تغريد عصفور
لم تُعتصرْ وضياءً غير منظور
من حُورها لتجلىّ الله للحور
ظمأى الحنينِ إلى دَلٍّ وتغرير
لمّا تولّيتِ إبداعي وتصويري؟
وأنت كوّنتِ تفكيري وتعبيري
فكيف أنشأتِ روحي من أعاصير؟
يا غربتي عند تحويري وتغييري! 

أكان لله أم للحسن تكبيري
ذنبٍ لحسنك عند الله مغفور
لطور موسى لندّت ذروة الطور
بمخضّبٍ عبق الريحان ممطور
حيناً أفانين تعريفٍ وتنكير
شمس الصباح على أنّات مهجور
حلو الشمائل قدسيّ الأسارير
أرى مساحبَ ذيل منك مجرور
 
حنا يدلّلنا ظلم المقادير
أنهبتها كلّ مظلوم ومقهور
لسائل يغدق النعماء منهور
 من الونى بعد تغليس وتهجير
   إلى سناه حنين النور للنور




وهذه القصيدة التي يمكننا الاستماع إليها بالصوت الساحر، لسفيرة العالم العربي واللغة العربية إلى النجوم، المطربة الكبيرة فيروز، تأخذ السامع أو القارئ إلى عوالم غريبة وصور من الخيال الذي يتجاوز الخيال، إنها اللغة الساحرة التي تتدفق كماء ينبوع ثر المياه دافئ المنهل، فينهل منها متعبو الأرواح والطامحون إلى تجاوز قيود هذا العالم، والغوص في أغواره الروحية، من حب وصداقة ونعيم العيش، كل ذلك من خلال العشق الصادق والحب العميق.
وفي هذه القصيدة تبدو قدرة البدوي اللغوية. ولطالما تساءل النقاد عن قدرته في إيراد الألفاظ الصعبة، فتبدو في سياق القصيدة سلسلة عذبة ومن ذلك قوله: «يا للطيوف الغريرات المعاطير»، إذ أن كلمة «المعاطير» الصعبة اللفظ والمبنى بحد ذاتها، ترد هنا دون أي صعوبة تذكر، رغم توالي الحروف العصية اللفظ فيها كالعين والطاء والراء.
كما تبدو قدرته التصويرية الهائلة في نقل القارئ إلى سياق مشهدي تتوالى فيه الصور، التي تحفز مخيلة القارئ، فهي صور ليست من هذا العالم، وعليه أن يرتقي إلى الحالة الشعورية التي تخلقها القصيدة، كي يعيش فيها ولها أجمل لحظات الإحساس والإبداع. وأظن أن هذه القصيدة أو مثيلاتها هي ما يتحدث عنه المخرج السينمائي السوري أسامة محمد، حين ينقل عنه الناقد السينمائي محمد الأحمد، في أنه تعلم عشق السينما من أبيات بدوي الجبل، ويرى أن قصائده تحتفي بمشهدية سينمائية عالية.
وربما دفعت هذه القصيدة بالذات بعض النقاد إلى إبداء وجهة نظر تقول، أن قارئ شعر البدوي، يحس بأن للكلمات ظلاً في قصائده، يسير معها، ويستثير القارئ في التعمق في أغوارها ومحاولة اكتناه معانيها العميقة.
بدوي الجبل والحداثة الشعرية
لا يمكن اعتبار بدوي الجبل شاعراً حداثوياً وفقاً لمعايير الحداثة المتعارف عليها اليوم، فهو شاعر كلاسيكي بامتياز، من حيث التزامه بعناصر الشعر العربي العمودي لغة ومحسناتٍ وبديعاً وأوزاناً وقوافيَ وروياً.
إلا أن شعر البدوي يتحدى مفاهيمنا الحداثوية من حيث جدّته الفكرية، وقدرته المذهلة على الوصول إلى جوهر المعنى ولب الفكرة، رغم القيود اللغوية التي يفرضنا الوزن، فإذا بالصورة أو الفكرة جلية واضحة دون زيادة أو نقصان، ودون تكلّف أو إضافة ليس لها معنى.
إن معالجة البدوي لموضوعات معاصرة، سواء في الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية أو العاطفية، يجعله ابن زمانه، يعبر عن أحاسيس عصره وطموحاته وأشجانه ومشاكله وأحلامه، ويستشرف رؤاه المستقبلية، مما يجعله شاعر حداثة وليس شاعر ماضوياً، فنظرته دائماً إلى المستقبل، حيث الابتكار والإبداع سيدا موقفه الفكري وأدواته الشعرية.
إلا أن البدوي لا يرى التحديث في شكل الشعر العربي، بل التجديد في الأفكار والصور والخيالات، والابتكار في استخدام الألفاظ ومطاوعة اللغة العربية والوزن الشعري، لتعالج موضوعات الحاضر والمستقبل، وتبدع في اقتراح الحلول وطرح المشكلات.
وليس أدل على ذلك من علاقة البدوي برواد الحداثة الشعرية في الشعر العربي، من أدونيس إلى محمد الماغوط وشوقي أبي شقرا ويوسف الخال وغيرهم، فقد احترمهم واحترموه، ونشر قصائده في مجلة «شعر» التي كانت الناطقة باسم هذه المجموعة من الأدباء، ورأى فيهم شعراء ابتعدوا عن جادة الشعر، وتمنى لو أنهم رجعوا إليها، ومن ذلك ما يقال أنه كان يرى في أدونيس شاعراً عبقرياً ضلّ الطريق، في إشارة إلى رغبته في أن يكتب أدونيس الشعر الموزون المقفى.















بدوي الجبل مع أركان مجلة «شعر»
من اليمين في الأمام: أدونيس، فؤاد رفقة، يوسف الخال، محمد الماغوط، شوقي أبو شقرا
وراءهم: فدوى طوقان، بدوي الجبل، سلمى الخضراء الجيوسي، جورج صيدح




ويعبر عن ذلك قول الشاعر الكبير بشارة الخوري (الأخطل الصغير) واصفاً السمات الشعرية لدى البدوي: «إن الشعراء في سورية كأصابع الكف الواحد عدداً وحجماً، وبدوي الجبل إحدى هذه الأصابع في نفسه شاعران، إذا انتصر أحدهما للقديم اعترضه نصير الجديد ، فما خرجت القصيدة من نفسه إلا وعليها طابع الشاعرين، هذا هو بدوي الجبل في شفق عمره فكيف به وهو في رأد الضحى».
ويقول أحد رواد مجلة «شعر»، الشاعر شوقي أبو شقرا في لقاء معه أجراه الأستاذ يقظان التقي: «مجلة شعر، ربما لا تكون صورة صحيحة كاملة عن التجربة الشعرية الحديثة أو عن المغامرة بأسرها، ذلك أنها مجلة حاولت أن تستقطب الاتجاهات من مختلفة ومن قريبة وأنها من الدرجة الأولى كانت ذات منحى صحفي، أي يريد أن يحتوي ما هو جديد وكذلك ما يُصنع من سائر الشعراء ولا سيما الفحول منهم الذين كانوا أحياء آنذاك: جورج صيدح وبدوي الجبل وخليل حاوي (على ضفة أخرى)، وأذكر أن بدوي الجبل كان تجاوب مع ما صنعنا وكان مثلاً يقول لي كلما التقيته معلقاً على قصيدتي "من أكياس الفقراء" ومردداً و"تنقر الباب على الله"».
أما الشاعر والكاتب ممدوح عدوان فيبدو أنه قد توصل إلى نتيجة أخيرة تقول أن قصيدة حديثة الشكل ليست بالضرورة قصيدة حديثة، وكذلك فإن قصيدة موزونة مقفاة ليست بالضرورة قصيدة غير حديثة، فهو يقول في لقاء معه أجراه الأستاذ أنور بدر في مجلة القدس العربي: «اكتشفت مع الأيام أنني مع الشعر ولست مع شكل الشعر، فمؤخراً جمعت مختارات من شعر بدوي الجبل وهو شاعر كلاسيكي، انتقيت له قصائد اعتبرها أفضل من كثير مما يسمى بالشعر الحديث».
ويمكن القول أن أدق وصف تناول موقع شاعرنا البدوي من الحداثة الشعرية قد ورد على لسان الشاعر الكبير أدونيس في حوار له مع مجلة عيون حيث يقول: « كان بدوي الجبل الصدر الذي يحتضن جسد الشعر العربي، ويعيد تكوينه في اللغة وبها، أنيقاً، مترفاً، بهياً. عرفت في شعره كيف تكون الذاكرة ذِكْراً، وكيف تتداخل فيها أصوات الشعراء القدامى وتتآلف قريبة بعيدة في صوت واحد. وعرفت فيه كيف يصير الماضي حاضراً، دون أن يلبس الثاني ثوب الأول، ودون أن يدير الأول ظهره للثاني. وعرفت كيف يكون الشعر سلكاً ينتظم فيه العقل والقلب، الغضب والحب، المرارة والطمأنينة. كان بدوي الجبل جبلاً، لكنه كان في الوقت نفسه موجاً».
ما قيل فيه
لقد تبوأ بدوي الجبل مكانته في الشعر العربي، وحظي بحب وإعجاب النقاد والأدباء، ناهيك عن جمهوره الكبير من محبي الشعر العربي ومتذوقيه، فأخذ مكانته بين عمالقة شعراء عصره، الذين لم يخفوا إعجابهم العميق بهذا الشاعر الكبير.
ويبدو ذلك واضحاً في آرائهم التي أدلوا بها في مناسبات مختلفة، ونثبت هنا بعضاً منها:
فيقول سعيد عقل:
«بدوي الجبل أحد قلائد الشعر في الدنيا».
وأمين نخلة:
« بدوي الجبل أمير الشعراء وأوفى الأوفياء».
ونزار قباني:
«بدوي الجبل السيف اليماني الوحيد المعلق على جدار الشعر العربي، في حنجرته ألف لبيد وألف شريف رضي وألف أبي تمام».
وعبد الوهاب البياتي:
« من يكتب الشعر بعد بدوي الجبل سنرميه بحجر».
والعلاّمة محمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق:
« إن بدوي الجبل هو في مقدمة شعراء العرب، الذين يحملون لواء وحدتها ويقودونها إلى سبيل سلامتها وعظمتها».
وشفيق جبري:
«بدوي الجبل لا يدانيه شاعر من شعراء العصر، في شعر البدوي ديباجة الشريف الرضي، والشريف الرضي أشعر شعراء قريش».
وكذلك تناوله النقاد في دراساتهم فنجد د. عمر الدقاق يقول عنه:
«اتسم شعره بديباجة جميلة تجعله يسمو في شعره الى آفاق البحتري والشريف الرضي, ولعله آخر شاعر كبير في سلسلة الشعراء التقليديين».
أما عباس محمود العقاد فيقول:
« إن شعر البدوي يطلع من أعماق نفس القائل ليرتد إلى أعماق نفس السامع لا ليروي طريفاً أو يثير انفعالاً بل ليستقر ويُحفظ بعد الإلقاءة الأولى كل هذا في أناقة مترفة».
وتقول الأديبة الكبيرة الدكتورة نجاح العطار في تعليق لها بعد وفاته:
« السلاطة كانت حتماً ووعداً وغدت في الخيال حقيقة، أحييها من بعيد كفاء صنع شاعرنا الكبير البدوي في تحياته لدمشق، وأعلن عجزي عن رد بعض صنيعه لعجز عن مثل قصيده».
ونختتم بقولين لاثنين من كبار الشعراء، أحدهما من عمالقة شعراء الحداثة الشعرية وآخر من عمالقة الكلاسيكيين:
الأول هو أدونيس ويختصر كل هذه المقولات عن البدوي بقوله:
«بدوي الجبل أكبر شاعر كلاسيكي معاصر، وواحد من كبار شعراء العربية في مختلف عصورها».
ولعل الجواهري لم يعن إلا نفسه حين قال:
«أكبر شاعر عُرِف في هذا العصر: بدوي الجبل، وشاعر آخر».
ونختتم هذه المجموعة من الأقوال بالحادثة الطريفة التالية المروية عن الشاعر الكبير عمر أبي ريشة ورأيه في البدوي:
يحكى أن جلسة أدبية في دمشق، أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، جمعت كلاً من الشاعرين الكبيرين نديم محمد وعمر أبي ريشة، والناقدين الكبيرين د. أمجد طرابلسي ود. عبد الكريم الأشتر، وآخرين.
سأل أحدهم نديم محمد: أيهما أشعر، عمر أبو ريشة، أم بدوي الجبل؟ وقد اعتقد السائل أن نديماً سيتردد في تفضيل البدوي على عمر أبي ريشة، لأن الأول كان من المغضوب عليهم سياسياً وقتها، وكان يعيش خارج البلاد، فضلاً عن توهمه بأن سؤاله قد يحرج نديماً بوجود عمر أبي ريشة. إلا أن ظنون السائل سرعان ما خابت، وما كان من نديم محمد إلا أن أشار بيده إلى بيت في جبل قاسيون قائلاً: هل ترون ذلك البيت على سفح قاسيون؟
السائل: لا نسألك جغرافية، وإنما نسألك أدباً؟
نديم محمد: وأنا أجيبكم أدباً، والله ما عمر أبو ريشة بجانب البدوي، إلا كهذا البيت بجانب قاسيون.
استغرب الجميع إجابة نديم محمد واستنكرها، إلا الشاعر العملاق عمر أبي ريشة، الذي علق ببداهة المبدع الواثق، وبساطة الشاعر الكبير الحق، الذي يعرف قدر بدوي الجبل ومكانته الشعرية: يشرفني أن أكون البيت المزين على سفح بدوي الجبل.
ولعل أجمل ما نختم به، هذه الأبيات لبدوي الجبل المليئة بالروحانية الممتزجة بالإحساس بالكرامة البشرية، والعزة والإباء، التي تعتبر المكون الأساسي لشخصية الإنسان العربي الأصيل، التي عاش الشاعر وهو يحلم أن تتمثلها أمته:

 










ُأُطلُّ على الدنيا عزيزاً أضمّني
وما حاجتي للنور والنور كامنٌ
وما حاجتي للأفق ضحيانَ مشرقاً
وما حاجتي للكائنات بأسرها
وأشقى إذا أعرضتُ عمّن أُحبُّهُ
ونفسي لو أنّ الجمرَ مسَّ إباءَها
  إليه ظلام السجن أم ضمّني القصرُ
بنفسيَ، لا ظلٌ عليه ولا سترُ
ونفسي الضحى والأفق والشمس والبدرُ
وفي نفسيَ الدنيا وفي نفسيَ الدهرُ
ولكن دواء الكبرِ عندي هو الكِبْرُ
على بشرها الريّان لاحترق الجمْرُ

مختارات من شعر بدوي الجبل


ابتهالات
                                 
مهداة إلى قبور حبيبه في /بغداد وحلب وحمص واللاذقية/









لا الغُوطَتانِ ولا الشبابُ أَدْعُو هَوايَ فَلا أُجَابُ

أَيْنَ الشَّآمُ مِنَ البُحَيْرَةِ والمَآذِنُ والقِبَابُ

وَقُبورُ إخْواني وَمَا أَبْقى مِنَ السَّيْفِ الضِرابُ

الصامِتاتُ وللطُيورِ على مَشارِفِها اصْطِخَابُ

الغافِياتُ فَلَم تَرُعْ مِنْها الزَماجِرُ والوِثَابُ

أَشْتاقُ أَحْضُنُهَا وأَلْثِمُهَا وللدَمْعِ انْسِكابُ

تَحنو الدموعُ على القُبُورِ فَتُورِقُ الصُمُّ الصِلابُ

ولها إلينا لَهْفَةٌ ولطُولِ غُرْبَتِنَا انْتِحَابُ

يا شامُ: يا لِدَةَ الخُلودِ وَضَمَّ مَجْدَكُما انْتِسَابُ

مَنْ لي بِنَزْرٍ مِنْ ثَراكِ وقد أَلَحَّ بِيَ اغْتِرَابُ

فَأَشُمُّهُ وكأنَّهُ لَعَسُ النَواهِدِ والمَلابُ

وَأَضُمُّهُ فَتَرى الجَواهِرُ كَيْفَ يُكْتَنَزُ التُرَابُ

هَذا الأديمُ شَمائِلٌ غُرٌّ وأَحْلامٌ عِذابُ

وَأُمُومَةٌ وطُفولةٌ وَرُؤى كما عَبَرَ الشِهَابُ

وتحِيَّةٌ مِسْكِيِّةٌ مِنْ سَالِفينَ هَوَوْا وَغابُوا

وَمِنَ الأُبُوَّةِ والجُدودِ لأهْلِ وُدِّهِمُ خِطَابُ

هَذا الأدِيمُ أبِي وأُمِّي والبِدايَةُ والمَآبُ

وَوَسائِدي وَقَلائِدي وَدُمَى الطُفولَةِ والسِخَابُ

وَدَدٌ يُبَاعُ لَهُ الوَقارُ وَلا نَدامَةَ والصَوابُ

أَغْلى عَلَيَّ مِنَ النُجومِ ولا أُلاَمُ ولا أُعَابُ

الرُوحُ مِنْ غَيْبِ السَمَاءِ وَمِنْكِ قَدْ نُسِجَ الإهَابُ

أشْتَاقُ شَمْسَكِ والضُحَى أنَا والبُحَيْرَةُ والضَبَابُ

وَمُضَفَّراتٌ بالثُلوجِ كأنَّما نَصَلَ الخِضَابُ

تَعْوِي الرِياحُ فما القَساوِرُ في الفَلاةِ وما الذِئابُ

والثَلْجُ جُنَّ فَلَمْ تَبِنْ سُبُلٌ وَلَمْ تُعْرَفْ شِعَابُ

أَخْفَى المَعَالِمَ لا السُفوحُ هِيَ السُفُوحُ ولا الهِضَابُ

يا شَمْسُ غِبْتِ فَكَيْفَ تَمَّ – ولا طُلُوعَ لَكِ – الغِيَابُ

إِنْ كُنْتِ مُسْلِمَةَ الهَوى فَتألَّقِي رُفِعَ الحِجَابُ

مَلَّ السَحابُ مِنَ السَماءِ وَقَرَّ في الأرْضِ السَحابُ

وكأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مِلْءَ الأُفْقِ آلِهَةٌ غِضَابُ

حُسْنٌ يُهَابُ وما سَمَا حُسْنٌ يُحَبُّ ولا يُهَابُ

*

دَوْحَ البُحَيْرَةِ أيْنَ سامِرُكَ المُعَطَّرُ والشَرَابُ

والرَاقِصُونَ وَنوْا فَحِينَ دَعاهُمُ النَغَمُ، اسْتَجَابُوا

والقَاطِفُونَ شِفاهُهُمْ كَوُرودِهِمْ حُمْرُ رِطَابُ

ثَغْرٌ على ثَغْرٍ، تَسَرَّبَ فِيه، فاخْتَلَطَ الرُضَابُ

قُبَلٌ، أغاريدُ الشِفاهِ فَتُسْتَعادُ وَتُسْتَطابُ

وَتَكادُ تُقْطَفُ كالريَاحينِ المَجَانَةُ والدُعَابُ

أهِيَ العُقُودُ على الرِقابِ بل المَعاصِمُ والرِقابُ

بَيْنِي وبَيْنَ الدَوْحِ في أَحْزَانِهِ النَسَبُ القُرابُ

مِنْ كُلِّ مُوحِشَةٍ فَأيْنَ الطِيْبُ والوَهَجُ المُذَابُ

وَغَداً يَعُودُ لَكَ الشَبابُ وَلَنْ يَعُودَ ليَ الشَبابُ

أَلدَّهْرُ مِلْكُ يَمِينِهِ والشَمْسُ مِنْ يُسْراهُ قَابُ

طَابَتْ سُلافَتُهُ تُدارُ على سُكَارَاها وطَابُوا

لَهْفِي عَلَيْهِ فَطَالَما أَشْقَاهُ لَوْمٌ واغْتِيابُ

نَعِمَ المَلائِكُ بالشَبابِ فَما لِنِعْمَتِهِ اسْتِلابُ

وَيَزُورُنا لَمعُ البُروقِ فما لِلامِعِهِ اصْطِحَابُ

والعُمْرُ أيَّامٌ قَدِ اخْتُصِرَتْ وآمَالٌ رِحَابُ

لَيْتَ المَلائِكَ يُشْفِقُونَ على الأُلى عَبَثُوا وخَابُوا

قَدَرٌ تَعجَّلَ أَن نُعاقَبَ مُؤمِنينَ وأَنْ يُثابُوا

عُدْ يا شَبابُ ولن أُطامِنَ مِنْ جِماحِكَ يا شَبابُ

*

فِي غُرْبَةٍ أَنَا والإبَاءُ المُرُّ والأدَبُ الُلبَابُ

كالسَيْفِ حَلَّتْهُ الفُتُوحُ وَرُبَّما بَلِيَ القِرَابُ

طَوْدٌ أَشَمُّ فَكَيْفَ تَرْشُقُني السِهامُ ولا أُصَابُ

يَخْفَى البُغَاثُ فَلا تُلِمُّ بِهِ ولا يَخْفى العُقَابُ

الكِبْرُ عِنْدي للعَظيمِ إذا تَكَبَّرَ لا العِتَابُ

عِنْدي لَهُ زُهْدٌ يُدِلُّ على الكَواكِبِ واجْتِنابُ

يَزْهُو الكَرِيمُ وَقَلْبُهُ قِطَعٌ تمزِّقُهَا الحِرَابُ

أغْلَى المروءَةِ شِيمَةٌ طُبِعَتْ وأرْخَصها اكْتِسابُ

*

أنَا ما عَتَبْتُ على الصِحابِ فليس في الدُنيا صِحَابُ

خُرْسٌ ولكنْ قَدْ تَفَاصَحَتِ الخَواتِمُ والثِيابُ

عَقِمَتْ مُروءتُهُم وَتَطْمَعُ أَنْ يُدَغْدِغَها احْتِلابُ

وَأَعِفُّ عَنْ سَبِّ اللئيمِ وَرُبَّما نَبُلَ السِبَابُ

حَيَّا فَبِشْرُ سَلامِهِ نَزْرٌ وَبَسْمَتُهُ اغْتِصَابُ

يا مَنْ يَمُنُّ بِوُدِّهِ والشَهْدُ، حِينَ يمُنُّ – صَابُ

أَنَا كالمُسافِرِ لاحَ لي أَيْكٌ وأَغْرَتْنِي قِبَابُ

وَتَفَتَّحَتْ حَوْلِي الرِياضُ الخُضْرُ واصْطَفَقَ العُبَابُ

وَوَثقْتُ أنَّ النَهْرَ مِلْكُ يَدِي فَفَاجَأنِي السَرَابُ

*

أَنَا لا أُرَجِّي غَيْرَ جَبَّارِ السَماءِ وَلا أَهَابُ

بَيْنِي وَبَيْنَ اللهِ مِنْ ثِقَتِي بِلُطْفِ اللهِ بَابُ

أبَداً أَلُوذُ بِهِ وَتَعْرِفُنِي الأَرائِكُ والرِحَابُ

لِي عِنْدَهُ مِنْ أَدْمُعي كَنْزٌ تَضِيقُ بِهِ العِيَابُ

*

يا رَبُّ: بَابُكَ لا يَرُدُّ اللائِذينَ بِهِ حِجَابُ

مِفْتَاحُهُ بِيدي يَقِينٌ لا يُلِمُّ بِهِ ارْتِيَابُ

وَمَحَبَّةٌ لَكَ لا تُكَدَّرُ بالرِيَاءِ ولا تُشَابُ

وَعِبادَةٌ لا الحَشْرُ أَمْلاهَا عَليَّ ولا الحِسَابُ

وإذا سَأَلْتَ عنِ الذُنُوبِ فَإنَّ أَدْمُعِي الجَوَابُ

هِيَ في يَميني حِينَ أَبْسُطُهَا لِرَحْمتِكَ الكِتَابُ

إنّي لأَغبِطُ عاكِفِينَ على الذُنوبِ وما أَنَابُوا

لوْ لَمْ يَكُونوا واثِقينَ بِعَفْوِكَ الهَانِي لَتابُوا

مِنْهُمْ غَداً لِكُنوزِ رَحْمتِكَ اخْتِطَافٌ وانْتِهَابُ

وَلَهُمْ غَداً بِيَقِينِهمْ مِنْ فَيءِ سِدْرَتِكَ اقْتِرابُ

وَسَقَيْتُ جَنَّتَكَ الدموعَ فَروَّتِ النُطَفُ العِذَابُ

وسَكَبْتُ في نِيرانِكَ العَبَراتِ فابْتَرَدَ العَذَابُ

تَنْهَلُّ في عَدْنٍ فَنَوَّرَ كَوْكَبٌ وَنَمَتْ كَعَابُ

قَرَّبْتُها زُلْفَى هَواكَ فلا الثَوابُ ولا العِقَابُ

أَنْتَ المُرَجَّى لا تُنَاخُ بِغَيْرِ سَاحَتِكَ الرِكَابُ

الأُفْقُ كَأْسُكَ والنُجومُ الطافِيَاتُ بِهِ حَبَابُ

أنا مِنْ بِحارِكَ قَطْرَةٌ مِمَّا تَحَمَّلَهُ الرَبَابُ

أَلْقَى بِها بَعْدَ السِفَارِ فَضَمَّها قَفْرٌ يَبَابُ

ألْبَحْرُ غَايَتُها فَلا وادٍ يَصُدُّ ولا عُقَابُ

يا دَمْعَةَ المُزْنِ اغتَربْتِ وَشَطَّ أهْلُكِ والجَنَابُ

حُثِّي خُطاكِ فلِلْفُروعِ إلى أَرُومَتِها انْجِذابُ

حُثِّي خُطاكِ فَشاهِقٌ يُرْقَى وَمُوحِشَةٌ تُجَابُ

ألْبَحْرُ مَعْدِنُكِ الأصيلُ وَشَوْق رَوْحِكِ والحُبَابُ

وَغداً لِلُجَّتِهِ وإنْ بَعُدَتْ يَتِمُّ لَكِ انْسِيَابُ

*

أَنَا لا أُطِيلُ إذَا ابْتَهَلْتُ وقد تَحَدَّتْنِي الصِعَابُ

لا أشْتَكِي وَبِمُهْجَتِي ظُفُرٌ يُمَزِّقُها وَنَابُ

مَسَحَ الحَيَاءُ على الدُموعِ وأَكْرَمَ الشَكْوى اقْتِضَابُ

تَكْفِي بِبَابِكَ وَقْفَةٌ وأَسىً تَجَمَّلَ واكْتِئَابُ

*

يا شَامُ عِطْرُ سَرِيرتي حُبٌّ لِجَمْرَتِهِ التِهَابُ

أَنْتِ اللُبَانَةُ في الجَوانِحِ لا النَوارُ ولا الرَبابُ

لَكِ مُهْجَتِي وَقَبُولُها مِنْكِ الهَدِيَّةُ والثَوَابُ

والنُورُ في عَيْنِي وَلا مَنٌّ عَلَيْكِ وَلا كِذَابُ

أنَا مَنْ عَرَفْتِ: تَجَلُّدٌ زَخَمَ النَوائِبَ واحْتِسَابُ

وَلَئِنْ عَثَرْتُ فَرُبَّما عَثَرَتْ مُجَلِّيَةٌ عِرَابُ

يَعْيَا بِحَقِّك مَنْ يُسَوِّفُهُ ولا يَعْيَا الطِلاَبُ

غَالَبْتُ أَشْواقِي إِلَيْكِ وَيُضْرِمُ الشَوْقَ الغِلاَبُ

وَوَدِدْتُ لوْ عَمَرَتْ رُباكِ وألْفُ عامِرَةٍ خَرَابُ

أنا طَيْرُكِ الشادِي وللأنْغَامِ مِنْ كَبِدِي انْسِرَابُ

سُكِبَتْ أَغارِيدي وللأمْواجِ زَأْرٌ واحترابُ

فَصَغَتْ لِتَسْمَعَها الرِياحُ وَقَرَّ في المَوْجِ اضْطِرابُ

أَنَا والرَبِيعُ مُشَرَّدَانِ وللشَذَا مَعَنَا ذَهَابُ

لا الأيْكُ بَعْدَ غِيَابِنَا غَرِدُ الطُيوبِ ولا الرَبَابُ

والنُورُ يَسْأَلُ والخَمائِلُ والجَمَالُ مَتَى الإيَابُ؟

                                                                                     جنيف 22/شباط/1964


الدمية المحطمة
 











أيَا دُمْيَةً أَنْشَأْتُها وَعَبَدْتُهَا

سَكَبْتُ بِها رُوحي وأَهْواءَ صَبْوَتي

جَمَعْتُ بها الدُنْيَا فكانَت سُلافَتِي

وَنامَت على الحُلْمِ المُريحِ بِمُقْلَتِي

***

وَيا دُمْيةً أَنْشأتُها ثُمَّ حَطَّمَت

جَمَالكِ مِنْ سِحْري وعِطرُكِ مِنْ دَمِي

وثَغْرُكِ مِنْ حَاني فَيَا لِمُنَمْنَمٍ

أَلَمَّ بِهِ إثْمي فَنَدَّاهُ بالمُنى

خَلَقْتُكِ مِنْ أهْواءِ نَفْسِي وَنَوَّعَتْ

فَمَا يُشْتَهى خَدَّاكِ إلا لأنَّني

وما أَسْكَرَتْ عَيْنَاكِ إلا لأنَّنِي

***

أَيُنْكِرُني حُسْنٌ خَلَقْتُ فُتونَهُ

وتُنْكِرُني: يا غَضْبَةَ الشِعْرِ والهَوَى

***

رَدَدْتُكِ للطينِ الوَضيعِ وما حَنا

وفارَقْتُ إذ فارَقْتُكِ الطينَ وَحْدَهُ
  كما عَبَدَ الغَاوُونَ مَنْحُوتَ أحْجارِ

وأَلْوانَ أحْلامِي وبِدْعَةَ أطْوارِي

وكأسِي ونُدماني وأهْلي وسُمَّارِي

وَهَدْهَدَها عِطْري وحُبّي وإيثارِي



يَدايَ الذي أنشَأْتُ تَحْطِيمَ جَبَّارِ

وفِتْنَتُكِ الكبرى خَيالي وأشْعارِي

نَدِيٍّ بأنفاسِ الرياحينِ مِعْطارِ

وَمَرَّ بِهِ وَهْناً فَطَيَّبَهُ عَارِي

بِكِ الحُسْنَ أهْوائِي وحُبّي وأوْطارِي

تَرَكْتُ على خَدَّيْكِ إثْمِي وأوْزاري

سَكَبْتُ بِجَفْنَيْكِ الغَوِيَّيْنِ أسْرارِي



فَيَخْنُقُني عِطْري وتَحْرِقُني ناري

ويا غَضْبَةَ الدُنْيَا ويا غَضْبَةَ البَارِي



على رَوْضِكِ الهاني هُبوبي وإعْصاري

وعادَتْ إلى نَفْسِي عُطوري وأنْواري



شقراء












هَدْهِدْ هُمومَكَ عِنْدِي

حُورُ النَعِيمِ تَمَنَّتْ

هَلْ عِنْدَهُنَّ رَحِيقِي

يَا سَاكِبَ الشِعْرِ خَمْراً

وَمِنْ مَعَانِيهِ عِطْرِي

تَأَنَّقَ اللهُ دَهْراً

حَتَّى جَلانِيَ شِعْراً

خَيالُهُ السَمْحُ نَدَّى

وَقَلْبُهُ كَانَ كَأْسِي

وَالأنْجُمُ الزُهْرُ حَوْلِي

فَغَارَتِ الحُورُ مِنِّي

وَهَبَّ فِي رَوْضِ عَدْنٍ

فَكَانَ لِلَّهِ حُكْمٌ

واخْتَارَ بُعْدِيَ عَنْهُ

***

دُنْيَايَ أَحْلَى وأَغْلَى

أنَا الرَبيعُ المُنَدّى

يَهِيمُ حُسْنِي بِحُسْنِي

وَجُنَّ ثَغْرِي بِرِيقي

وَكُلُّ وَشْيِ حَرِير

وَكُلُّ عِطْرٍ تَشَهَّى

شَقْرَاءُ تَحْلُمُ شَمْسُ الـ

رَفَّتْ خُصَيْلاتُ شَعْرِي

سَكْرانِ تيهٍ وَدَلٍّ..

يَا شَاكِياً زُوْرَ وَعْدِي

هِيَامُنَا يا حَبِيبِي

أرِيدُ طَيْفاً لِجفْني

كُلُّ المُحِبِّينَ مُلْكِي

وَكِبْرِيَاءُ جَمَالِي

***

شَقْراءُ يا لَوْنَ حُسْن

وَيَا جَمَالاً غَرِيباً

لاَ وَسْمُ لَيْلايَ فِيهِ

وَلاَ اسْمِرَارُ الغَريراتِ

ظَمْآنُ أَنْشُدُ وِرْداً

يا سَكْرَةً بَعْدَ صَحْوي

يا رَغْبةَ العَيْنِ والقَلْبِ

بَيْنِي وَبَيْنَكِ حَرْبٌ

صِراعُ رُوحَيْنِ فِيهِ

وَغَزْوُ قَلْبٍ لِقَلْبٍ

فَنَاءُ دُنْيَا بِدُنْيَا

الحُبُّ لا حُكْمَ شُورى

فَهَيِّئي فِتنةَ الحُسْنِ


  عَلى حَيَائِي وَصَدِّي

نُعْمَى هَوايَ وَوَجْدِي

وَهَلْ لَدَيْهِنَّ شَهْدِي

مِنْ شِعْرِ رَبِّك خَدِّي

ومِنْ قَوَافِيهِ وَرْدِي

يُعِيدُ فِيَّ وَيُبْدِي

يَا حَسْرَةَ الشِعْرِ بَعْدِي!

ثَغْرِي وَنَمْنَم عِقْدِي

وَجَفْنُهُ كَانَ مَهْدِي

دُمَىً لِلَهْوِي وَعَدِّي

وَكُلُّ زَهْوٍ وَمَجْدِ

عَلَيَّ عَاصِفُ حِقْدِ

لِشَقْوَتي بَلْ لِسَعْدِي

وَرَاحَ يَبْكِي لِبُعْدِي



مِنْ أَلْفِ جَنَّةِ خُلْدِ

قَارُورةُ العِطْرِ نَهْدِي

وَيَجْتَلِي وَيُفَدِّي

وَحَنَّ جِيدِي لِزَنْدِي

يَوَدُّ لَوْ لَفَّ قَدِّي

أنْ أَسْفَحَ العِطْرَ وَحْدِي

ضُحَى بِخَدِّي وَبُرْدِي

بأشْقَرِ النُورِ جَعْدِ

مَخْمُورِ وَهْجٍ وَوَقْدِ

أحْلَى مِنَ الوَصْلِ وَعْدِي

طُيُوبُ خَمْرٍ وَنَدِّ

أريدُ حُلْماً لِسُهْدِي

وَأَنْتَ وَحْدَكَ نِدِّي

تُرِيدُ مِنْكَ التَحَدِّي



مُحَبَّبٍ مُسْتَبِدِّ

عَلى ظِبَاءِ مَعَدِّ

وَلاَ مَلامِحُ هِنْدِي

بالعَقِيقِ وَنَجْدِ

وَعِنْدَ عَيْنَيْكِ وِرْدِي

وَفِتْنَةً بَعْدَ رُشْدِي

بَعْدَ يَأْسٍ وَزُهْدِ

وَهَوْلُ أَخْذٍ وَرَدِّ

عُنْفُ العَدُوِّ الأَلَدِّ

فَتْحٌ يُبِيدُ وَيُرْدِي

وَطَيُّ بَنْدٍ بِبَنْدِ

لَكِنَّهُ حُكْمُ فَرْدِ

كُلَّهَا واسْتعِدِّي

                                                                                                   جنيف 12/5/1954


المراجع
1) التصوف في شعر بدوي الجبل، تأليف: طارق عريفي – رسالة ماجستير.
2) الموقف والمعاناة في شعر بدوي الجبل، تأليف: شاهر شريف امرير.
3) بدوي الجبل وإخاء أربعين سنة، تأليف: أكرم زعيتر.
4) بدوي الجبل بين السياسة والأدب، تأليف: ديب علي حسن.
5) وقائع الندوة العربية عن الشاعر العربي الكبير بدوي الجبل، إعداد وجمع: أ.نزيه الخوري.
6) بدوي الجبل عملاق الكلاسيكية المعاصرة، إعداد ودراسة: هاني الخير.
7) القديس سلوان الآثوسي، تأليف: سخاروف، ترجمة: الأم مريم (زكا).
8) قوة الرغبة وحكمتها، تأليف: د.بول شوشار، ترجمة: محمد أحمد ابراهيم.
9) أدونيس: حوار مع مجلة عيون.
10) لقاء مع شوقي أبي شقرا أجراه يقظان التقي لمجلة المستقبل.
11) ديب علي حسن: مئة عام على ولادته. بدوي الجبل شاعرالعروبة والنزعة الإنسانية. الثورة 17/8/2005.
12) نبيل سليمان: وأخيراً.. بدوي الجبل. جريدة الحياة.
13) لقاء مع الناقد السينمائي محمد الأحمد، الموقع الإلكتروني لمطبوعة المدى.
14) لقاء مع عبد السلام العجيلي، أجراه فيصل عمران.
15) أبيّ حسن: أيها الأدباء، جريدة النور، العدد 249.
16) حوار مع ممدوح عدوان: أجراه أنور بدر، جريدة القدس العربي 13/5/2004.
17) أوراق خاصة. 
18) مواقع إلكترونية.
مراجع هامة للدراسة الأدبية:
1) لغة الشعر عند بدوي الجبل.
تأليف: عصام شرتح – رسالة ماجيستير.
وهي دراسة مميزة يتوِّجها بمصطلح نقدي جديد للغة الشعر وهو ما يُسَمَّى «التناص» وأشكاله في شعر البدوي. وإن دراسة التناص في شعر البدوي له دور بارز في الكشف عن بنية لغته الشعرية، ومدى تمثلها للتراث، وملامحه وأشكاله تبدو في التاريخ أولاً مثل قصيدة «كافور» أو «فرعون»، والموروث الديني ثانياً من خلال تأثره بالقرآن الكريم، والتصوف ثالثاً، والموروث الأدبي رابعاً، كالتناص مع الشعر الجاهلي، والتناص مع الشعر العباسي والأندلسي، والتناص مع بعض أشعار المعاصرين. والخلوص أخيراً إلى أن القراءة التحليلية في نصوص البدوي أظهرت وجود خيوط داخلة عليه من نصوص أخرى إلا أنه استطاع أن يوظفها بما ينسجم ويتلاءم وتجربته الشعرية. وقد بيّنت الدراسة أن التناص عند شاعرنا لم يقتصر على عصر دون آخر، وإنما كان متمثلاً لمعظم العصور وللأطوار الشعرية. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على انفساح في الرؤية، وإحاطة واعية بمعطيات التاريخ وتمثّل التراث.
2) الصورة الفنية في شعر بدوي الجبل.
تأليف: تيسير جريكوس – رسالة ماجيستير.
وهي دراسة جميلة يتناول فيها تطور مفهوم الصورة الفنية، وتعريفها، ودور المؤثرات العامة في الصورة الفنية في شعر بدوي الجبل كالبيئة المكانية، والبيئة الاجتماعية. وكذلك يتناول مواد الصورة، من واقع وفكر وعاطفة ولاشعور وخيال ليبين كيف تتداخل هذه العناصر فيما بينها ضمن تركيبة الصورة الفنية في شعر بدوي الجبل. وكذلك يتحدث عن أدوات الصورة عند بدوي الجبل كالوسائل البلاغية (تشبيه، استعارة، كناية) والثنائيات اللغوية، والرمز والأسطورة، والتشكيل الصوتي. أما الدراسة التطبيقية للصورة الفنية في شعر البدوي فتستند إلى تقسيمات: كالصورة الحسية حيث تتطور الصورة الحسية عند بدوي الجبل إلى أن تصل إلى نماذج نقرأ فيها صلات بين معطيات الحواس المختلفة، وتوجد تشابهات وعلاقات بين الكيفيات التي تختص بكل ضرب واحدة منها، وتكون النتيجة وحدة في الحواس فسيحة عميقة تتشابك على رحابها المشاهد والألوان والأصوات، ويمتزج بعضها ببعضها الآخر.
 والصورة النفسية حيث يدرس المؤلف الصور السوداوية ثم يدرس كيف تحولت دموع البدوي إلى شيء خلاّق نقرأ وراءه التحدي. ثم ينتقل في دراسة بعض غزله الباكر حيث لعبت الصورة النفسية في وصف الحبيبة وصفاً تخييلياً بعيداً عن الواقع، والسبب في ذلك البيئة المحافظة التي عاش الشاعر في كنفها، والتي كانت تحول بينه وبين اللقاء بحبيبته. والصورة الرمزية ويظهر فيها الأثر الصوفي الذي يُرَمِّز الذات الإلهية بمسميات مثل «عزة» أو «ليلى».
3) وقائع الندوة العربية عن الشاعر العربي الكبير بدوي الجبل.
  إعداد وجمع: أ.نزيه الخوري.
مقالة: القيمة الفنية الدلالية في شعر بدوي الجبل.
تأليف: د.مها خير بك ناصر.
وفيها تدرس العلاقة بين التأصيل والتحديث في شعر البدوي، وتنتهي إلى أنه إذا كانت الحداثة تعني التماثل في الغرب، فإن بدوي الجبل لا ينتمي إلى التيار الحداثي المزعوم. وتدرس جدلية العلاقة بين أصالة اللفظ ورمزية الدلالة. وجدلية العلاقة بين النظم الخليلي والخلق الفني الموسيقي. وجدلية التنوع الموضوعي ووحدة الموضوع.
ولعل أهم ما في الدراسة هو الإيقاع حيث تقول أن الإبداع الموسيقي قد تجلى في قدرة البدوي على التوفيق ما بين استخدام اللفظ وأحاسيسه وانفعالاته. فقصيدته «عاد الغريب» أوحت موسيقاها الخارجية بإيقاعات بحر البسيط، وأضمرت نغماتها الداخلية مشاعر الحب والحنين إلى الشام في زمن الإبعاد والاغتراب، فلم تهزج موسيقى مطلع القصيدة بفرح العودة، بل نطقت بعمق المعاناة. وكذلك تقول أن رويّ السين في قصيدته «وانجلت نفسي للنور» أوحى بصدى الدهشة عندما يكتشف المرء سراً.
مقالة: البنية الشعرية في قصيدة بدوي الجبل (اللهب القدسي) نموذجاً.
تأليف: أ.فاروق شوشة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الدراسة، تلك الالتفاتة إلى جماليات الأسلوب الشعري عند بدوي الجبل فهو يذكر أن الأمر اللافت في قصيدة «اللهب القدسي» براعة استخدام صيغة المثنى: اسمياً وفعلياً منذ البيت الأول في القصيدة. واستخدام صيغة المثنى تقليد قديم ومألوف في الشعر العربي منذ امرئ القيس الذي يقول: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، ولأن صيغة المثنى واحدة من جماليات العربية، في أدق خلجاتها وقدرتها على دقة التصوير. من هنا سر هذه الصور المختلفة من تجليات المثنى عند البدوي في قصيدة اللهب القدسي: قلبانا، جناحاه، انسجما، إذا اختلفا، الخافقان، مقلتيك، إلى عينيك. وارتباطها بالأصل الذي نبعت منه الثنائية في الحياة العربية فكراً وشعوراً، وتغلغلت هذه الثنائية في العديد من صور حياتنا العربية عبر العصور: بين الدنيا والآخرة، والعلم والدين، والعقل والقلب، والشرق والغرب، والخطيئة والمغفرة. إلا أن اللعب على وتر المثنى في صيغه الاسمية والفعلية قد ضمن لموسيقى القصيدة أقصى ما يتيحه المد الصوتي إنشاداً وترجيعاً.
4) ديوان بدوي الجبل.


جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع اكتشف سورية


نبيل سلامة
محمد رفيق خضور

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق

احمد الصوفي :

بسم الله الرحمن الرحيم ( اتشكركم على هذا الانجاز الرائع وعلى مدى تفاهمكم في نشر الوعي الثقافي بين العرب ولكن اريد وبسرعة شرح قصيدة (ابتهالات ) واكون شاكرا لكم جدا جدا جدا (احمد الصوفي)

العراق

وائل فايز الجمال:

دراسة تستحق كل شكر وتقدير

سوريا

سهيل :

بدوي الجبل شاعر يستحق الدراسة لعل النقاد يسلطون الضوء على شعره الذي لما يدرس بعد لكن توجد إضاءات لرسائل ماجستير ، البدوي يستحق أكثر ونتمنى أن يجمع نثره مع تحيات سهيل ماجد صقر إيماني

سوريا

سوريا

غادةالموصلي:

شكرالاهتمامكم بشعراءأمتناواظهار دورهم النضالي واتساع أفقهم وبعد رؤيتهم

سوريا

سوريا

عمر علي:

دراسة كلش حلو وياريت اطلعون شرح قصيدة ابتهالات

العراق

العراق

جمال:

الحقيقة أن بدوي الجبل شاعر كبير ، فهو أشهر من علم على جبل وليتكم تشرحون ديوانه ابتهالات .........................................

كردستان العراق

:

شكرا على الجهود

saeedeh:

سلام علیکم. شکراً من هذا المعلومات القیمة. ولکن هل یمکن لکم کتابة المصدر بعد إتمام القول(أو بعد إتمام الفقرة)

کیف یمکن لی تحمیل هذه الکتب التی أشرت فی المقال.بما أننی فی إیران لا یمکننی الحصول علی جمیع هذه الکتب؟ لأننی أرید کتابة البحث عن هذا الشاعر لمرحلة الماجستیر و مصادر عن هذا الشاعر قلیل فی إیران. هل یمکن لکم مساعدتی عن طریق إیمیلی
ranjbar59@yahoo.com
مع جزیل الشکر.....أختکم سعیدة

iran

لولو:

أن تللك القصائد كانت من أجمل القصائد التي أسمعها فهي تعبر عن شي جذاب
وشكرا

سورية

نزار خضر:

العلماء ورثة الانبياء . لقد قتل الانبياء مرارا .و ظلموا كما لم يكن من قبل .فاغتيل الفكر والادب ولم يبق سوى الروث ولم ينمو الا الشوك .فهل من رب غيور ياخذ الحق لاصحابه ويعيد لهؤلاء المفكرون والادباء حقهم ؟الشكر الجذيل لمن اماط اللثام عنهم .واشممنا عبق التاريخ . وعظمة الثقافه .

سوريا

الوردة الحمراء::

شكرا كتير لكن اريد شرح ابيات قصيدة (البلبل الغريب)بالكامل ارجوكم . وبالنسبة للمعلومات رائعة * سوريا

سوريا الحبيبة

GOLDEN ROSE:

(معلومات راقية كتيير بس ممكن يكون الشرح موجود) ....شكرا

SYRIA

أحمد هلال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لكم جزيل الشكر على هذه المعلومات

Syria

لؤي:

شكرا"على كل شىء (ولكن اريد شرح قصيدة البلبل الغريب)

سورية

سلاف:

شكرا لهذه الدراسة الادبية الرائعة التي ساعدتني جدا في مشروعي وأسأل الله لكم كل الأجر والعافية

سوريا

سلاف:

لو سمحتوا أنا بحاجة لشرح قصيدة عاد الغريب لبدوي الجبل
ممكن أحصل عليه من منتداكن
pleasانا بحاجة لدراسة ادبية لهذه القصيدة
وشكرا جزيلا

سوريا

جمال :

اريد تحليلا مقنعا لو سمحتم ل =قصيدة من وحي الهزيمة
شكرا

الجزاير

معين عامر:

عندما سئل العملاق محمد مهدي الجواهري من هو أمير الشعراء قال :
بدوي الجبل وشاعر غيره .

سوريا

ليلي:

إن هذه القصائد جميلة جداً لكني لم أجد قصيدة "رحلة في ربوع الوطن"

سوريا

عمار الطائي:

لو جربت ان تقرأ قصائد بدوي الجبل وانت مسترخي والنور خافت لتجد لنفسك في عالم من الاحلام والامل وشعور لا يوصف تجاه هدوء الاعصاب ودقه جمال الكلمات ....شكرا على هاذ الجهود الرائعه في ايصال كل ابداعات عمالقه العرب واتمنى شرح مفصل لديوان ابتهالات

العراق

حمزة:

أهنيكم بنجاح هذا المنتدى

سورية

نبيلة نبعه:

لكم حري على اللغة أن مفرداتها حملت أنفاسك أيها البعيد القريب
لك من جبال الساحل تحية وإجلال
ومن صفصافات السلاطة نسمة طيب وحب
لنا منك وفيك هدية


فلينثر الجسد وتبقى القضية


تحيا سوريا

سوريا- اللاذقية

حــســـن:

شعر بدوي الجبل من أروع الشعر العربي
وبالطبع لم تخلو حياته من الأنجزات التي تخوله الاحترام والتقدير

الجمهورية العربية السورية

أيهم سلمان مهنا:

بدوي الجبل سفينة لاشاطئ لها وخمرة إلاهية لاحدود لنشوتها

سوريا

ayman mh:

العظماء لايرحلون ،فحين يطوي الموت رجلا عزيزا علينا فإن اثره الطيب يبقى حيا فينا ..

سوريا

noni:

روعه القصيده والله يرحمه ويرحم جميع المسلمين

دار جابر // الكويت

حيدره محسن عيده .:

رحمه الله سيبقى شعره خالداً في قلوبنا ........


حيدره الأسدي .................

سوريا

أجمد مصطفى الأطرش:

رحلت حلقنا بها على نغمات قلب مرهف عشق الوطن والانسان
عشق وطنه عشقا صوفيا ودافع عنه بقلبه وعقله
حياة الرعيل الأول من رجالات الاستقلال الذين دفعوا ودافعوا عن حياض الوطن ضد كل المؤمرات التي ارادها أعداء الوطن وكلأني به اليوم في خضم هذه الأحداث الأليمة التي تجتاح بلدي سورية يقف على قاسيون يردد قصائده ضد عدو الأمس واليوم .
رحم الله البدوي الشاعر الوطني الانسان .
ورحم الله القائد الذي اشرف على بناء هذا الصرح الثقافي العظيم

سوريا