القرى الأثرية في الكتلة الكلسية شمال سورية

13 تشرين الثاني 2011

كتاب جديد عن المدن المنسية

يتحدث الباحث مأمون عبد الكريم في كتابه القرى الأثرية في الكتلة الكلسية شمال سورية عن المدن الميتة أو المنسية التي تشكل أكثر من سبعمئة قرية تنتشر على السهول التابعة لسلسلة جبال سمعان والحلقة وباريشا الأعلى والوسطاني والدويلي والزاوية ويتراوح ارتفاعها ما بين 400 وأكثر من 900 م.

وتتميز هذه المواقع بوجود نحو60 موقعا بحالة معمارية ممتازة حتى وقتنا الحالي على الرغم مما تعرضت له من عوامل تخريب طبيعية وبشرية عبر الزمن وذلك بفضل طبيعة المواد التي بنيت منها ولاسيما الحجر الكلسي حيث لا تزال واجهات عدد من بيوتها قائمة حتى مستوى السقف.

وبين الباحث في كتابه الذي يقع في 212 صفحة من القطع المتوسط أن تلك القرى تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي تعرض بعضها للهجرة من سكانها بينما استمر استخدام بعض المساكن في قرى أخرى لعدة عصور لاحقة وهناك بعض السكان الحاليين الذين يقطنون عددا من البيوت القديمة أو قاموا باستخدام حجارتها القوية في تشييد مساكنهم الجديدة وهذا ما أدى إلى اندثار عدد منها بشكل كامل.

ويتضمن الكتاب عدة فصول تتناول طبيعة وأنواع المباني المعمارية في الكتلة الكلسية وطبيعة تنظيمها وتطورها خلال العصور القديمة ولاسيما العمارة الدينية والمعابد والكنائس والأديرة والعمارة الجنائزية والمدافن الأرضية والصرحية والحمامات والمعاصر والحوانيت والأسواق.

ولفت عبد الكريم إلى أن الكنيسة هي من أهم المباني الأثرية في هذا الموقع فهي تعطي دلالات حول نشأة الكنائس في شمال سورية وتطورها وتعد كذلك أحد أقدم أماكن العبادة المسيحية فيها حيث تشبه في مخططها مخطط بيت مسبوق برواق وباحة مغلقة.

وتطرق الباحث إلى تطور القرى الأثرية خلال العصرين الروماني والبيزنطي فضلاً عن الاستيطان والهجرة فيها وأسبابها مبينا ان المنطقة استوطنت منذ مطلع القرن الأول الميلادي واستمرت حتى منتصف القرن الثالث حوالي عام 250م حيث بدأت تعاني من كوارث مختلفة منها أزمات اقتصادية وانتشار أوبئة وحروب ليعود الازدهار والنشاط لها في القرن الرابع الميلادي وينتهي في منتصف القرن السادس الميلادي حوالي 540م اذ بدات المنطقة تفقد حيويتها ونشاطها إلى أن هجرت.

تعود آثار المنطقة إلى العصور الكلاسيكية من القرن الأول الميلادي وبعض منها إلى العصور الإسلامية ولاسيما في قلعة سمعان وقرية البارة وقد نقشت على بعض المباني كتابات مكنت من تحديد تأريخ دقيق أحيانا للمبنى الذي ساعد في تأريخ المباني الأخرى المشابهة من نفس الفترة.

وتناول عبد الكريم أيضاً السمات التي تتميز بها القرى والتي ساعدت على إعداد ملف تسجيل هذه المنطقة على لائحة التراث العالمي في اليونيسكو والمعايير العالمية للتسجيل التي تنطبق عليها وكذلك الأسس العلمية التي تم تبنيها لاختيار هذه التجمعات الثمانية التي تضم نحو أربعين قرية منتشرة في مناطق مختلفة من هذه الهضاب السبع التي تشكل الكتلة الكلسية.

وأشار عبد الكريم إلى أن الباحثين اهتموا بالقرى القديمة في الكتلة الكلسية منذ عدة عقود بدأت في منتصف القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحالي وبعض الدراسات مازالت مستمرة من قبل البعثات الوطنية والأجنبية في هذه المنطقة مستخدمين في دراساتهم التقانات الحديثة في البحث العلمي.

كما أولت جهات وطنية ودولية كالمديرية العامة للآثار والمتاحف والمعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى والوكالة السويسرية للتنمية اهتماما كبيرا في إظهار هذه القرى وحمايتها وفق الأسس العلمية المعتمدة عالميا فقامت بدراسات معمارية ومسحية وتنقيبية بهدف حماية هذه القرى من عوامل التخريب والدمار التي تؤدي إلى محي شواهد ثمينة من تاريخها بالإضافة إلى إظهارها كمنتج ثقافي عالمي مهم يدرج ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي.

وقارن الباحث هذه المنطقة من شمال سورية مع مناطق اخرى عاشت حالة تطورية مشابهة خلال العصرين الروماني والبيزنطي في جنوب حلب وشرق حماة وكذلك وسط سورية بين مدينتي حمص وحماة وجنوب سورية ذات الطبيعة البازلتية والهامة جدا لاحتوائها على قرى كثيرة عاشت تطورا معماريا كبيرا مماثلا خلال العصرين الروماني والبيزنطي.

ولفت عبد الكريم إلى أن قرى الكتلة الكلسية جذبت اهتمام العديد من الباحثين منذ القرن التاسع عشر الميلادي حيث بدأت الاستكشافات الأثرية عندما زار الكونت ملكيور دوفوغويه المعالم الدينية في المنطقة وكتب عنها في كتابه سورية المركزية عمارة مدنية ودينية من القرن الأول إلى القرن السابع الميلادي وقدمت رسومه ومؤلفاته أفكارا هامة للباحثين من بعده كمادة أولى توثيقية ليتوالى من بعده الرحالة إليها من مختلف بلدان العالم.


الوكالة السورية للأنباء - سانا

Share/Bookmark

مواضيع ذات صلة:

اسمك

الدولة

التعليق