فارس الخوري

10 تموز 2013

.

مقدمة


واحد من أشهر رجالات سورية أدى دوراً متميزاً في استقلالها وجلاء الجيوش الأجنبية عنها وانتخابها في عضوية مجلس الأمن، وترؤسه لمجلس الأمن مرتين، تاركاً بصمة لا تمحى في تاريخها.
إنه شيخ السياسة العربية كما أسموه في مجلس الأمن، وعلمٌ من أعلام الأمة العربية ورائد من رواد قوميتها.
اشتهر كمحام وحقوقي وكان أحد مؤسسي معهد الحقوق في دمشق ثمَّ استاذاً في المعهد المذكور ثم أول نقيب للمحامين في دمشق، وبعدها عضواً في لجنة الحقوق الدولية التابعة للأمم المتحدة وعلماً من أعلام القانون وهو لم يحصل على إجازة في الحقوق في حياته.
وهو كما عرف عن نفسه بخطه: فارس بن يعقوب بن جبور بن يعقوب بن إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن الخوري جرجس أبو رزق.
ويتابع: «وقد أخبرني جدي جبور أن الخوري جرجس نزل الكفير مع أخيه عبد الله أبو رزق وهما من سكان قرية عين حلّيا من أعمال الزبداني، وقد خربت قريتهما بسبب فتنة قامت بين أهلها منذ نحو 300 سنة أي حوالي عام 1600م»، فرحلا عنها إلى قرية الكفير من وادي التيم على بعد عشرة كيلو مترات شمالي حاصبيا السورية آنئذ، ورحل معهما جماعة من أهل تلك القرية إلى الكفير.

الولادة والنشأة


ولد فارس الخوري في قرية الكفير التابعة لولاية سورية في العهد العثماني، وهي اليوم تابعة لقضاء حاصبيا في لبنان، ومن المتوقع أن ولادته كانت في الثلث الثالث من تشرين الثاني عام 1877 أو قبله بعامين على أكثر تقدير كما يقول.

إخوة فارس الخوري

والده يعقوب بن جبور الخوري مسيحي، وكان نجاراً وله بعض الأملاك الزراعية في قريتة، وعنه قال فارس في مذكراته: «أما والدي فقد ولد حوالي سنة 1845 وكان قوي البنية مفتول العضل، معتدل القامة، ذا عقل راجح وتهذيب جمّ، لا همَّ له إلا العمل وتربية أولاده.
وقد توفى سنة 1894 في 8 تشرين الثاني تاركاً ثمانية أولاد، خمسة ذكور وثلاث إناث أصغرهم أخي فائز الذي كان في الثانية من عمره (ولد في 10 حزيران سنة 1893). (الأولاد الثمانية هم بالتسلسل: روجينا، فارس، أيوب، داوود، سعيدة، رشيدة، خليل، فائز).
وقد تزوج والدي نحو سنة 1870 بالسيدة حمدة بنت بطرس عقيل الفاخوري الذي قتل في فتنة الدروز سنة 1860».
وكان الفارس مولعاً بأمه فهي التي لعبت الدور الأساسي في حياته، وقد كان يذكرها على الدوام بقوله: «حمدة عظيمة. حمدة هي اللي علمتني»، فقد اهتمت كل الاهتمام من أجل ابنها البكر وتخطت كل المصاعب من أجل تعليمه، فكان لها الدور الأبرز في تعليمه وتربيته.
وعن وفاتها يقول في مذكراته: «عاشت بعد والدي إحدى عشرة سنة فماتت عندي في دمشق في 6 آذار سنة 1906 وبنيت لها ضريحاً في تربة البروتستانت بالشام وقد صلى عليها القس ماكفارلاند وأبّنها أنيس سلوم الخطيب الشهير، ومشى في جنّازها أكابر دمشق».

دراسته


بدأ فارس دراسة الابتدائية في مدرسة لقرية الكفير كان المرسَلون الأمريكيون قد أسسوها، ثم انتقل إلى المدرسة الأمريكية بصيدا في الحادية عشر من عمره تقريباً، وأقام في هذه المدرسة ثلاث سنوات، كان خلالها مثالاً للاجتهاد والسلوك الحسن ولم ينازعه على الأولية أحد من زملائه.
برز فارس الخوري بين أقرانه كافة، متفوقاً عليهم جميعاً، ومما قاله عنه أحد زملائه: «كان علماً بين الرفاق، أصغرهم سناً وأصفاهم ذهناً، وأجملهم نفساً، وأرهفهم حساً، وأعلاهم كعباً، وأطولهم باعاً، وأثبتهم وداً، وأوفاهم وعداً».
وكان أستاذه في الحساب الدكتور نجيب الصليبي، الذي اشتهر بمقدرته في الرياضيات، وكان حريصاً أن يُعجِزَ تلميذه فارساً في مسائل الحساب، فلم يجد إلى ذلك سبيلاً. فكان يأتيه كل يوم بمسائل ومعضلات من الكتب الإنكليزية، فيأتيه فارس بحلِّها، وظل دماغ فارس في الرياضيات يعمل كالآلة الحاسبة طوال حياته.
لم يكن إعجاب أستاذ الرياضيات بأكثر من إعجاب أستاذ اللغة العربية سعد المعوشي، وخاصة أن فارس حفظ ألفية ابن مالك لابن عقيل، وأرجوزة نار القرى للشيخ ناصيف اليازجي وغيرها.
تابع بعد ذلك دراسته في الجامعة الأمريكية، المسماة بـ«الكلِّية الإنجيلية السورية» وقتذاك، حاصلاً منها بتفوق على شهادة بكالوريوس في العلوم «القسم الاستعدادي» (الجدير بالذكر أن هذه الشهادة كانت شهادة ثقافة عامة ليس فيها اختصاص في أحد فروع العلوم والآداب).
درَّس بعد تخرجه سنتين اللغة العربية والرياضيات في الجامعة الأمريكية، ثم أُرسل إلى مجدل شمس معلماً في مدرستها الابتدائية عام 1892، وفي عام 1893-1894 جاءوا به لمدرسة صيدا ليعلم المرسلين الجدد اللغة العربية. وأعيد في عام 1894 إلى المدرسة في بيروت، لكن الحاجة ألجأته لترك التحصيل العلمي، فشغل وظيفة معلم في مدرسة معلقة زحلة الابتدائية. عاد في عام 1896-1897 إلى الجامعة وأكمل دراسته ونال درجة البكالوريوس في الاقتصاد وصار أستاذاً في الجامعة الأمريكية.
في كتابه «هؤلاء خدموا الشرق» ص95 يقول الدكتور جبرائيل جبور: «وهكذا فقد استطاع فارس أن يكمل دروس الكلية بسنتين بدل أربع وهو أمر لا أعرف أحداً من طلبة الكلية استطاع أن يقوم بمثله».
ثم استقال من الجامعة، وذهب إلى مصر استجابة لدعوة المرحوم الدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة «المقتطف» ليتخذه مساعداً له في تحرير المقتطف براتب 15 جنيهاً في الشهر.

في مدرسة صيدا عام 1888

إقامته في دمشق


جاء دمشق في تموز عام 1899 لتصفية قضية حكومية كانت لأهله في حاصبيا، وشاءت الظروف أن يُمنَع من السفر منها بسبب انتشار الطاعون في مصر فأقيمت الحواجز ولم يتمكن من السفر.
دُعِيَ من قبل البطريرك الأرثوذكسي ملاتيوس دوماني للعمل في إدارة المدارس الأرثوذكسية في دمشق «الآسية» والتدريس فيها في عام 1899. وإلى جانب ذلك، كان يعطي دروساً في «مكتب عنبر» والذي كان يدعى أيام العثمانيين مكتب إعدادية ملكية».
ثم قُبِل بأن يعمل في القنصلية البريطانية في العام 1902، إلى جانب التدريس واستمر في عمله في القنصلية حتى إعلان الدستور في الدولة العثمانية عام 1908؛ وقد مكَّنه ذلك من الحصول على نوع من الحماية من الاستبداد العثماني، ومن خدمة كثير من الوطنيين، وفي جملتهم الشيخ عبد الحميد الزهراوي الذي كانت السلطةُ العثمانية على وشك طرحه في البوسفور تخلصاً منه، وذلك قبل إعلان الدستور.
انفك في عام 1904 عن التدريس، واحترف عملاً آخر في وكالة شركة غريشام لضمانة الحياة فكانت إيراداته تتزايد من هذه العمولة، وتحسنت أحواله المادية بحيث استطاع أن يعيش برفاهية ويكمل إنفاقه على إخوته في المدارس وينشئ منهم رجالاً صالحين، فأخوه خليل أحرز شهادة البكالوريوس في الجامعة الأميركية، كما أنجز أخوه داوود الإعدادي بدمشق ودخل المعهد الطبي ثم ترك وسافر إلى البرازيل، أما فائز فقد أنجز إعدادي دمشق وأقام وقتاً قصيراً في الجامعة الأميركية ثم أرسله فارس إلى الآستانة لمعهد الحقوق، وتعلمت أختاه سعيدة ورشيدة في مدارس الأميركان في صيدا ودمشق حيث أحرزتا درجة حسنة، بينما بقى أخوه أيوب وأخته روجينا في البيت في الكفير، أما روجينا فهي البكر وكانت قد تزوجت في الكفير بالسيد بطرس أبو جمرة أما أيوب ويأتي بعد فارس فقد عاش حياته في الكفير وتوفي فيها.
وبعد إعلان الدستور عزم على العمل في المحاماة مع المحامي أمين زيدان وبسياسة البلاد مع جمعية الاتحاد والترقي.
إلى جانب كل هذه الأعمال كان لا يكف عن المطالعة والكتابة والتحصيل، ودرس في تلك الفترة بنفسه اللغة الفرنسية والحقوق ثم التركية والألمانية، وكتب قصائد عديدة.

زواجه وبداية العمل السياسي


تزوج في 22 آب من عام 1909 من الآنسة أسماء جبرائيل عيد من أهالي عكا، وهي ابنة ليا زيدان أخت المحامي أمين زيدان، وكانت قد جاءت من بلدها عكا لتزور خالها زيارة قصيرة، وشاء لقاؤها مع فارس أن تدوم زيارتها أكثر من نصف قرن، وتوفيت في دمشق عام 1969 أي بعد فارس بسبع سنوات.
وأسماء هي التي أنجبت لفارس ابنه الوحيد سهيل.

فارس الخوري بين زوجته أسماء وابنه الوحيد سهيل

وفيها يقول في إحدى قصائده:
للهِ دَرُّكِ مَا أحلى مزاياكِ..|..وَمَا أعَزَّكِ في قَلبي وَ«أسماكِ»
كَريمة الأصلِ والأعرَاقُ مُترَعةُ..|..بِالنُبلِ.. حَيَّا الذي بالفضلِ رَباكِ
انتخب عام 1910 عضواً في بلدية دمشق وقام مع العضوية بالوكالة عن البلدية في المحاكم. واشتغل بالمحاماة فكانت وارداته من هذه الحرفة الحرة جزيلة جداً، وفي ذلك الزمان كان قد اشتهر كمحام قدير كما اشتهر من قبل كشاعر كبير وكانوا يلقبونه بشاعر الشام.
وتقدم عام 1914 للانتخاب إلى النيابة عن دمشق في «مجلس المبعوثانِ» فنجح بأكثرية عظيمة وكان عدد النواب من هذا اللواء خمسة وهو يتألف من أقضية دمشق ووادي العجم والقنيطرة وحاصبيا وراشيا والبقاع وبعلبك ودوما والقلمون.
دافع خلال وجوده في البرلمان العثماني عن حقوق العرب وعن سلامة القوانين وصحة الاشتراع وكانت اقتراحاته لتعديل المشاريع تنجح في غالب الأحيان وقلما تخلو منها جلسة من جلسات المجلس.
دخل فارس الخوري السياسة من أوسع أبوابها، ومهدت له شخصيته الجذابة، وثقافته الواسعة المتنوعة، وحرصه على تراث الأمة وثقافتها وتاريخها وفخره برجالات العرب. وقد استهل حياته السياسية بمجلس المبعوثان في الأستانة، والذي سعى من خلال عضويته إضافة لعلاقاته الواسعة في اسطنبول، وبحصوله على توصيات شفهية من بعض أقطاب الدولة العثمانية، للتدخل لدى جمال باشا لصالح الوطنيين العرب، – ومنهم مَن كانوا يحاكَمون في عاليه، – فقابله من أجل ذلك في ربيع العام 1916.
ولكنه اعتُقِلَ بعد أسابيع قليلة، وقدِّم للمحاكمة بتهمة التآمر على أمن الدولة؛ وكانت النتيجة أنه كاد أن يلتحق بِمَن أُعدِمَ منهم في السادس من أيار من ذلك العام.
كانت الحبائل التي نصبها له الشيخُ أسعد الشقيري، مفتي الجيش الرابع ومرافق جمال باشا، السبب المباشر لغضب الأخير عليه. فقد كان الشيخ في زيارته السابقة لاسطنبول يتردد على مجلس المبعوثان ويحضر جلساته؛ وقد سمع مناقشاتِ فارس ولاحظ حضوراً ناجحاً وقويّاً له هناك، فلم يَرُقْ له ذلك، وأخذ يحرِّض عليه النوابَ العرب، غير أن أحدًا لم يصغِ إليه. هذا ما أسرَّ به لفارس زميلُه في المجلس، نائب القدس، راغب النشاشيبي.
بالعودة إلى أوراق «فارس الخوري»: التي حققتها حفيدته الكاتبة كوليت خوري، نكتشف هول المحنة التي كابدها، أثناء اعتقاله والتحقيق معه في سجنه في خان الباشا بدمشق في عهد جمال باشا، مع عدد كبير من أهم رجالات سورية آنذاك، وفيما عرف بالقافلة الثالثة من المعتقلين، بعد القافلتين الأولى والثانية التي أعدم جمال باشا معظم رجالاتها عام 1916 بعد محاكمات صورية في ديوان الحرب.
بعد ملابسات كثيرة وتغير المناخ السياسي وضغوط مورست على جمال باشا، بُرئ فارس الخوري، من التهم الموجهة إليه، ونجا من حبل المشنقة بأعجوبة، وغادر بعدها إلى اسطنبول بسبب أمره جمال باشا بخروجه من منطقة الجيش الرابع، ليعود منها في 24 أيلول 1918 ويشارك في 30 منه، بعد خروج الأتراك، مع شكري الأيوبي والأمير سعيد الجزائري وعدد من الشخصيات الوطنية، في رفع العلم العربي على دار الحكومة في دمشق.
لقد تضافرت عوامل عدة لإنقاذ فارس من حبل المشنقة، منها تهديد فيصل الأول لجمال باشا في شأنه وفي شأن الموقوفين العرب – وكانت قد بدأت الثورة العربية الكبرى، ووقع عددٌ من الضباط الأتراك أسرى في قبضتها. ومن عوامل إنقاذه أيضًا براعته في الدفاع عن نفسه أمام المحكمة، حتى إنه اتُّهِمَ بتنويم الشهود مغناطيسيًّا!

العهد الفيصلي


اجتمع فارس وفريق من الوجهاء والمفكرين في بهو المجلس البلدي في ساحة المرجة في دمشق في 27 أيلول 1918 وقرروا إقامة حكومة مؤقتة تحول دون الفوضى ريثما يصل الأمير فيصل وكتائب الثورة العربية المنتصرة.

فارس الخوري

وكان فارس عضواً في هذه الحكومة التي جعلوا من سعيد الجزائري رئيساً لها والتي كان من أعضائها شكري الأيوبي وشاكر الحنبلي، ومع أن هذه الحكومة لم يُكتَب لها الاستمرار إلا أنها تبقى منذ عهد الأمويين وبعد جلاء العثمانيين أول حكومة عربية تعلَن في دمشق.
في الأول من تشرين الأول سنة 1918 وصلت القوات العربية وجيوش الحلفاء إلى دمشق بقيادة الأمير فيصل الذي وصل في الثالث من تشرين الأول على رأس الجيش العربي.
وتشكلت حكومة عسكرية برئاسة الفريق رضا باشا الركابي وكان أعضاؤها كلاً من عادل أرسلان وبديع المؤيد وعطا الأيوبي وياسين الهاشمي وعُهِدَ إليه بوزارة المالية، وكانت هذه الحكومة تعمل تحت إشراف الأمير فيصل قائد الجيوش الشمالية وممثل والده الملك حسين وتحت قيادة الجنرال اللنبي القائد العام لقوات الحلفاء.
وخلال عهد هذه الحكومة انعقد المؤتمر السوري، وجرت التشكيلات والتغييرات الإدارية والتعيينات وتم وضع قانون أساسي للبلاد.
ومع فيصل الأول، أصبح فارس الخوري عضوًا في «مجلس الشورى» الذي اقترح عليه إنشاءه، وتأسس في الخامس من تشرين الأول 1918.
ولكن جيوش فرنسا بدأت في الثامن من تشرين الأول 1918 احتلال الساحل تنفيذاً لخطة دُبِّرَت سلفاً، فالقيادة العليا البريطانية كانت قد قسمت سورية الطبيعية التي اعتبروها «بلاد العدو المحتلة» إلى مناطق عسكرية ثلاث هي:
- المنطقة الجنوبية (أي فلسطين) بقيادة إنكليزية.
- المنطقة الغربية (أي الساحل الممتد من جبل عامر إلى ما وراء خليج إسكندرونة وتشمل جبل لبنان وبيروت واللاذقية بقيادة فرنسية.
- والمنطقة الشرقية (أي سورية الداخلية) وتضم الجمهورية السورية ومملكة الأردن بقيادة عربية، وعُهِدَ بالحكم فيها إلى الأمير فيصل.
ورغم أن هذه المنطقة الشرقية لم يكن لها ساحل ولا مرفأ ولا عائدات جمركية مستقلة، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي خلقها الفرنسيون كي لا تتمتع هذه المنطقة باستقلالها فقد أُنشِئَت فيها قواعد دولة عربية مستقلة، عاصمتها دمشق فأصبحت قبلة المتطلعين إلى الاستقلال والحرية وصار يؤمها رجالات العرب من كل صوب.

المؤتمر السوري وإعلان الملكية


منذ أيامها الأولى اتجهت الحكومة العربية -التي من أعضائها فارس الخوري- نحو إعطاء الحكم صبغة تمثيل ونيابة فعقدت في حزيران 1919 مجلساً سُمِّيَ بالمؤتمر السوري ضم ممثلين من جميع مناطق سورية الطبيعية وكان رئيسه هاشم الأتاسي، وأعلن المؤتمر في 7 آذار 1920 استقلال سورية التام بحدودها الطبيعية.
وفي 8 آذار نادى بالأمير فيصل ملكاً على سورية، وتُلِيَ القرار من شرفة البلدية على الشعب المحتشد في ساحة الشهداء (وهي ساحة المرجة الآن). ورُفِعَ العلم الجديد «وهو علم الثورة العربية وفيه نجمة بيضاء سباعية في المثلث الأحمر».
وكان فيصل قد تحدث قبلاً إلى فارس الخوري بأمر الاستقلال والمبايعة له بالملكية، فيجيبه فارس: «هذه أمنية كلِّ سوري، إنما يجب الاعتماد على تأييد دولة كبرى على الأقل». وعندما سُئِل عمَّا إذا كانوا استشاروا الإنكليز بالأمر قبل إعلان الملكية، أجاب فارس: «خاطبناهم بذلك فقالوا: نحن لا نقاومكم، ولكن الأمر على مسئوليتكم».

فارس الخوري في أول وزارة عربية في عهد الاستقلال


في اليوم نفسه (أي في 8 آذار 1920) كلف الملك فيصل السيد رضا الركابي بالوزارة فشكلها معيناً رضا الصلح للداخلية، وفارس الخوري للمالية، وساطع الحصري للمعارف.. إلخ وتلك كانت أول وزارة في عهد الاستقلال، ودامت حتى الثالث من أيار 1920، أي أقل من شهرين.

فارس الخوري في الوزارة الثانية في عهد فيصل


في مجلس الأمن خلال فترة الاستراحة

استدعى الملك السيد هاشم الأتاسي وكلفه بتأليف حكومة دفاع وطني وهي الوزارة الثانية في عهد فيصل. وحل رشيد رضا محل هاشم الأتاسي في رئاسة المؤتمر السوري. وعُيِّنَ رضا الصلح رئيساً لمجلس الشورى، ويوسف العظمة وزيراً للحربية، أما سائر الوزراء فقد احتفظوا بوزاراتهم السابقة، فارس الخوري للمالية وساطع الحصري للمعارف.. إلخ.

فاجعة ميسلون


في تلك الفترة كان الجنرال غورو الذي عينته فرنسا في تشرين الثاني 1919 قائداً أعلى «ثم سُمّيَ فيما بعد مفوضاً سامياً في البلاد الواقعة تحت الانتداب الفرنسي» يعزز جيشه في الساحل ويستعد لاحتلال ما بقي من سورية خلال الأشهر التي انقضت بعد مؤتمر سان ريمو للحلفاء في إيطاليا الذي كان قد وزع الانتدابات على البلاد العربية بين الدول الطامعة بالحكم بحيث تصبح فلسطين والعراق تحت انتداب إنكلترا وسورية تحت انتداب فرنسا.
في 18 أيار 1920، واجهت الحكومةُ المؤتمرَ السوري في جوٍّ عاصف بالتوتر، وقد طلب فريق من النواب أن تُسمَّى الوزارة وزارة دفاعية، وتقرر ذلك في المؤتمر. تبع ذلك إنذارُ غورو. فاستدعى فيصل المجلس العسكري على إثره، وكان الجواب بعد ربع ساعة من اجتماعه: «إن في إمكان الجيش أن يقاوم بضع ساعات إذا كانت المعركة غير جدِّية، وإذا كان القتال حامياً فلا يستطيع أن يصمد خمس دقائق».
وأجمع العقلاء والمطلعون عى حقائق الأمور على أن الحالة أخطر من أن تعالج بالحماسة والعواطف، بل بحسن التدبير وتقدير العواقب، وكان أن قرروا قبول شروط الإنذار تفادياً للشر الأعظم.
وبعث الملك إلى غورو ببرقية ضمنها هذا القبول.
من حوارٍ له مع عبد الرحمن الشهبندر، وزير الخارجية بعد أن اتخذت الوزارة قرارها بقبول الإنذار، نقتطف:
فارس: «لا شك أننا قمنا بما يقتضيه الواجب، وتقتضيه مصلحة البلاد. ولكن الشعب لن يقدِّر ذلك، وسيزعم أننا أضعنا عليه الانتصار، وسيكون هنالك مَن يقول دائمًا: ليتَهم كانوا رفضوا الإنذار واختاروا الحرب والنضال..». عبد الرحمن أجاب: «كلا، إن الشعب سيقدِّر ذلك حتمًا، عاجلاً أم آجلاً، وسيفهم أننا خلَّصناه من ورطة كبيرة جدًّا، وسيدرك أننا، بعملنا هذا، دخلنا في عداد مَن يستحقون كلَّ تقدير».
وبالفعل زحف غورو إلى دمشق زاعماً بأن برقية الجواب لم تصل إليه في الوقت المحدد، وكانت معركة ميسلون التي اُستُشهِدَ فيها وزير الدفاع يوسف العظمة في 24 تموز 1920، بعد أن ذهب على رأس بقايا الجيش المنحل، وتدفق الناس على محطة سكة الحديد لتنقلهم إلى مواقع القتال، وكان بعضهم لا يحمل سلاحاً ولا زاداً، ومنهم مَن سار إلى ميسلون مشياً على الأقدام، تدفعهم حماستُهم إلى السير على غير هدى، فكانت كثرتهم تعيق تقدم القوات المتجهة صوب ميسلون.

فارس الخوري في الوزارة الثالثة والأخيرة في عهد فيصل


استقالت وزارة هاشم الأتاسي إثر فاجعة ميسلون وعهد الملك فيصل إلى علاء الدين الدروبي بتأليف وزارة جديدة تضمن التفاهم مع الفرنسيين، فشكلها في 25 تموز 1920 واحتفظ بثلاثة من الوزراء السابقين منهم فارس الخوري للمالية.
وعن اشتراكه في هذه الوزارة يقول فارس الخوري:
«قبلت أن اشترك مع السيد علاء الدين الدروبي في الحكم لرغبتنا في ألا يدخل الفرنسيون دمشق وهي بدون حكومة وطنية فيفرضوا حكمهم المباشر متذرعين بهذا الفراغ، وليبقى للبلاد كيانها واستقلالها ولو من الناحية الشكلية».
غير أن نوايا الفرنسيين كانوا مصممين على إنهاء العهد الفيصلي، فأرسلوا للملك فيصل كتاباً باسم حكومة فرنسا يدعوه إلى مغادرة البلاد في 28 تموز.
وهكذا انتهى عهد الاستقلال الأول في زمن فيصل وابتدأ عهد الاحتلال، وابتدأت معه صفحة الجهاد الكبرى التي كان فارس الخوري من الذين خطوا سطورها والتي امتدت على ربع قرن وأدت أخيراً إلى استقلال سورية.
وبطبيعة الحال سقطت الوزارة الثالثة وتشكَّلَت وزارة جديدة برئاسة جميل الألشي، ولم يشارك فارس الخوري هذه المرة في الوزارة، بل انصرف إلى العمل في مجالات شتى أهمها عالم القانون وعالم الاقتصاد.

مكتب المجلس النيابي في أربعينات القرن الماضي

الانتداب الفرنسي


فارس الخوري وبشهادة من عمل معه كان وطنياً مخلصاً يعشق سورية، فبعد دخول الفرنسيين دمشق، هرب معظم الوزراء والنواب في حكومة فيصل، ولكن الخوري قال: «نحن أهل البلد، ومن العار أن نتخلى عن مسؤولياتنا قبل أن يأتي من يتسلمها منا حسب الأصول». وهكذا بقي بعضهم حتى نزل الجنرال الفرنسي غورو في قصر المهاجرين في آب 1920.

فارس وغورو وبداية الانتداب


بعد أسبوعين من دخول الفرنسيين دمشق، في 8 آب 1920، أقيمت مأدبةٌ في قصر المهاجرين حضرها وزراءُ حكومة علاء الدين الدروبي وعددٌ كبير من وجهاء المدينة.
فيقول الفارس عن ذلك: «دعانا لتناول الغداء معه في قصر ناظم باشا، وهو أحد القصور التي كان يشغلها الملك فيصل.. وفي أوائل الغداء أخذ الجنرال يثني على جمال دمشق ومناظرها الشعرية إلى أن وصل إلى هذا القصر، فأجال نظره في القاعة التي كنا فيها وكأنه أراد التهكم و الاستخفاف بالملك فيصل فقال: «أهذا هو القصر الذي كان يسكنه الملك فيصل؟».
فأجبته: «نعم وكان أول من أنشأه الوالي ناظم باشا واحتله بعده السفاح جمال باشا بأثناء الحرب العامة وفي نفس الغرفة تناولنا الطعام مع ناظم باشا ومع جمال باشا ومع المارشال اللبني ومع الملك فيصل والآن معكم... وانظروا إلى تصرفات القدر، فقد رحلوا جميعهم وبقي القصر وبقينا نحن!»
«فوجم مغتاظاً وساد السكون إلى آخر الطعام وكان هذا سبباً لنقمته وامتعاضه مني طوال فترة إقامته في هذه البلاد».
وكان الشيخ تاج الدين الحسيني حاضراً، فقال لفارس بعد الحفلة: «لقد انتحرت، ولن تقوم لك قائمة مع الفرنسيين بعد اليوم»، فيجيب فارس: «وأنا أيضاً لم أرغب أن تقوم لي قائمة معهم، وإنما هي معركة قد ابتدأت وستنتهي فقط عندما يحصل ما ذكرت ويرحل الفرنسيون عن هذه البلاد..».

الحكومة الاتحادية


بدأت فرنسا منذ دخلت البلاد في تموز 1920 بتنفيذ البرنامج الاستعماري فقسمت وجزأت البلاد إلى دويلات وهي: دولة لبنان الكبير (أُعلِنَت في 1 أيلول)، ودولة دمشق، ودولة حلب (أُعلِنَت في 8 أيلول) وحكومة الساحل (أُعلِنَت في 23 أيلول) في لواء اللاذقية، وحكومة جبل الدروز، ولواء إسكندرون المستقل إدارياً ومالياً. وتصرف الجنرال غورو بسورية كما لو كانت مستعمرة؛ ووضع على ثلاث من دويلاتها حكاماً فرنسيين وذلك قبل إقرار صك الانتداب من قبل مجلس عصبة الأمم.
يذكر أن الانتداب وضع دولي أبدعه المستعمرون في ذلك الزمان ليغلّفوا به أعمالهم بالشرعية وبالقانون.
ولما رأى غورو أن سياسة التجزئة التي اتبعها لم تبلغ غايتها بل أثارت الاستنكار في جميع أنحاء البلاد قرر تشكيل اتحاد سوري من دويلات حلب ودمشق والساحل. فأصدر قراره في 29 حزيران 1922 بإنشاء الاتحاد السوري برئاسة صبحي بركات وبتشكيل مجلس لهذا الاتحاد يؤخذ أعضاؤه من ممثلي الدويلات الثلاث. فكان فارس أحد نواب دولة دمشق في مجلس الاتحاد. وكان معه الشيخ طاهر الأتاسي ونجيب آغا البرازي ومحمد علي بك العابد وسامي باشا مردم بك.
وقد ورد في أوراق فارس المؤرخة 21 آذار 1936 عن تلك الفترة السابقة:
«كنت وزيراً للمالية، وعندما قرر الجنرال غورور إلحاق هذه الأقضية بلبنان وفصلها عن سورية أَبْلغَنا قراره وطلب إلينا أن نسحب موظفينا منها وننفض يدنا من إدارتها فأبينا الإذعان لهذا الطلب وشرحنا أن هذه الأقضية كانت منذ القديم تابعة لدمشق ولا يوجد سبب يبرر فصلها، فبعث إلينا بأمر عسكري بوجوب تنفيذ طلبه فأجبناه أننا نذعن للقوة الغالبة إنما نحتفظ بحقنا لاسترداد هذه الأقضية».
وكما ورد في مطلع حديث الفارس لصحيفة «سورية الجديدة» أُفرِجَ عن بعض المساجين الوطنيين في أوائل سنة 1923 وعن البعض الآخر في أواخر صيف السنة ذاتها. لكن الحوادث والفتن لم تنقطع خلال سنتي 1923 و1924 اللتين سبقتا الثورة. وكانت الوحدة السورية في مقدمة مطالب سكان البلاد في داخلها وساحلها.
وقد رأى الجنرال ويغان الذي خَلَفَ غورو أن يُحدِثَ تعديلاً في النظام الذي أقامه سلفه، فألغى الاتحاد السوري في 5 كانون الأول 1924، وشكل دولة سورية من دولتي حلب ودمشق، ولكنه فصل دولة الساحل عن الاتحاد، فأصبحت تحت إدارة حاكم فرنسي، كما كانت الحال سابقاً في جبل الدروز. وفي أواخر 1924 عُيِّنَ الجنرال ساراي مفوضاً سامياً في سورية بدلاً عن الجنرال ويغان.
وفي تلك الفترة تألف حزب الشعب الذي ضم أهم رجالات سورية، أولئك الذين نادوا بالقومية العربية وقادوا الحركة الوطنية في البلاد.

حزب الشعب والنفي


فارس الخوري وإلى يمينه لطفي الحفار وإلى يساره حسني البرازي

أسس فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر وعدد من الوطنيين في سورية، الذين نادوا بالقومية العربية وقادوا الحركة الوطنية في البلاد، حزب الشعب رداً على استبداد السلطة الفرنسية. ولما نشأت الثورة الفرنسية عام 1925 اعتقل فارس الخوري وآخرون ونفوا إلى معتقل جزيرة أرواد، وهناك أنشدَ مع المعتقلين الآخرين (يا ظلام السجن خيم.. إننا نهوى الظلام).. الذي بات نشيداً مفعماً بروح الوطنية والحماس، وبقي في أرواد 76 يوماً، بعد عودته أصبح وزيراً للمعارف عن الوطنيين في حكومة الداماد أحمد نامي 1926 لكنه استقال مع زميليه الوطنيين لطفي الحفار وحسني البرازي احتجاجاً على سوء نوايا الفرنسيين فألقوا القبض عليهم ونفوهم إلى الحسكة ثم إلى أميون- لبنان، وفرضت عليهم الإقامة الجبرية عامين كاملين.
بعد عودته من المنفى عقب العفو الصادر عنه، شارك وعدد من الوطنيين في تأسيس الكتلة الوطنية «الحزب السياسي السوري الذي تأسس بعد مؤتمر للزعماء الوطنيين»، والتي تشكلت نواتها عام 1927، وانضم اليها في وقت مبكر عام 1928، وكان نائباً لرئيسها وعرقها النابض ولسانها الناطق، يضع قراراتِها ويكتب منشوراتها، وهذه الكتلة قادت حركة المعارضة والمقاومة ضد الفرنسيين، وكانت من أكثر الهيئات السياسة توفيقاً وفوزاً مدة تقارب العشرين عاماً.

البرلمان والحكومة ومجلس الأمن


في تشرين الثاني 1936، أصدرت حكومة عطا الأيوبي مرسوماً يقضي بإجراء الانتخابات النيابية، وبمرسوم آخر، تحدَّد عدد نواب المناطق الانتخابية وتوزيعهم على طوائف البلاد، واستُحْدِثَ مقعدٌ عن الطوائف الصغرى، غير الممثَّلة في المجالس السابقة، وهو الذي سيشغله فارس الخوري في هذه الانتخابات. وقد حاز على أعلى الأصوات في دمشق، ثم انتُخِب، بالإجماع تقريباً، رئيسًا للمجلس (81 صوتًا من أصل 82 وورقة بيضاء واحدة). في تلك الفترة، ذهب إلى باريس مشاركاً في الوفد المفاوض على المعاهدة مع فرنسا، المعروفة بمعاهدة 1936، وذلك على أثر الإضراب الستيني الذي عم سورية عام 1936 للمطالبة بإلغاء الانتداب الفرنسي تمَّ الاتفاق على عقد معاهدة بين سورية وفرنسا.

المجلس النيابي عام 1936

وانتخب رئيساً للمجلس النيابي مرة أخرى عام 1943، كما تولى رئاسة مجلس الوزراء السوري ووزيراً للمعارف والداخلية في تشرين أول عام 1944... وكان لتولي فارس الخوري رئاسة السلطة التنفيذية في البلد السوري المسلم وهو رجل مسيحي صدى عظيم فقد جاء في الصحف: (... وأن مجيئه إلى رئاسة الوزراء وهو مسيحي بروتستانتي يشكل سابقة في تاريخ سورية الحديث بإسناد السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم، مما يدل على ما بلغته سورية من النضوج القومي، كما أنه يدل على ما اتصف به رئيس الدولة من حكمة وجدارة). وقد أعاد تشكيل وزارته ثلاث مرات في ظل تولي شكري القوتلي رئاسة الجمهورية السورية.
ترأس الفارس في عام 1945 الوفد السوري الذي كُلّف ببحث قضية جلاء الفرنسيين عن سورية أمام منظمة الأمم المتحدة، التي تم تأسيسها في نفس العام، حيث اشترك الخوري بتوقيع ميثاق الأمم المتحدة نيابة عن سورية كعضو مؤسس أثناء مؤتمر سان فرنسيسكو، كما اشترك في وضع ميثاق جامعة الدول العربية، وألقى خطبة في المؤتمر المنعقد في دورته الأولى نالت تقدير العالم وإعجابه، حيث أبدى فيها استعداد بلده سورية وشقيقاتها العربيات لتلبية نداء البشرية من أجل تفاهم متبادل أتم، وتعاون أوثق، كما تحدث فيها عن خطورة المهمة الملقاة على عاتق المؤتمر، وأظهر تفاؤله في إمكانية تحقيق الفكرة السامية التي تهدف إليها المنظمة العالمية. وبناء على جهوده فقد منحته جامعة كاليفورنيا (الدكتوراه الفخرية) في الخدمة الخارجية اعترافاً بمآثره العظيمة في حقل العلاقات الدولية.
كما انتخب فارس الخوري عضواً في مجلس الأمن الدولي (1947-1948)، وأصبح رئيساً له في آب 1947 فكان أول رئيس عربي لهذا المجلس، إضافة لاهتمامة بوطنة سورية اهتم بالقضية الفلسطينية اهتماماً خاصاً، وكان له رؤية واضحة ومبكرة اتجاه رفض الدول العربية إقامة دولة لليهود في فلسطين، حيث صرحَ بشكل مبكر «بأن قضية فلسطين لا تحل في أروقة مجلس الأمن، بل تحل على ثرى فلسطين».
كما شرح القضية المصرية وطالب بجلاء الإنجليز عن أراضيها، وأكد على السلام العالمي وطالب بإنهاء تنافس الدول الكبرى، وحذر من وقوع حرب ذرية مدمرة.

فارس الخوري عندما كان رئيساً لمجلس الأمن

ولطالما ضجت هيئة الأمم بخطبه ومناقشاته باللغة الإنجليزية من أجل نصرة الحق في القضية العربية، وكانت خطبُه قبيل نكبة فلسطين لا تُلقى فقط أمام الهيئات الرسمية الدولية وأمام منصات الأمم المتحدة، بل كان أيضاً يرتجل الخطب أمام الأندية والمعاهد في الولايات المتحدة وأوروبا.
عاد فارس الخوري إلى بلاده بعد انتهاء عضوية سورية في مجلس الأمن الدولي، وكان قد انتخب رئيساً للمجلس النيابي لعام 1947 عندما كان يمثل سورية في المجلس. ولكن عندما حل هذا المجلس على أثر الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم ثابر فارس الخوري على عمله في الحقل الدولي، وترأس الوفود السورية إلى هيئة الأمم متابعاً نضاله ودفاعه عن القضايا العربية.
وفي صباح الاثنين 10/1/1949 زحفت دمشق بجماهيرها الشعبية لاستقباله، وكان من بين المستقبلين شكري القوتلي وخالد العظم والشيخ بهجت البيطار وبعد أن انتهى من تحية مستقبليه سأل ولده (سهيلاً) عن طربوشه، وكان قد أوصاه ليحضره معه إلى المطار في كتاب بعثه إليه، ولكن سهيلاً قد نسي.. فما كان من الشيخ بهجت البيطار علامة دمشق إلا أن رفع عمامته بكلتا يديه ووضعها على رأس العائد الكبير الذي اعتمّ بها بين موجات الهتاف والتصفيق.

فارس الخوري عام 1947 في هيئة الأمم المتحدة وكان حينها رئيساً لمجلس الأمن

الحكومة الآخيرة


طلب رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي منه في عام 1954 تشكيل حكومة سورية، لكنها لم تستمر سوى أشهر معدودة، وكان من أهم الأمور السياسية أثناء توليه وزارته الرابعة، الصدى البعيد في المجلس النيابي، وفي دوائر الحكومة وجماهير الشعب الذي أحدثه صدور الأحكام القاسية ضد الإخوان المسلمين في مصر، مما جعل سائر الحكومات العربية (بما فيها الحكومة السورية) تتوسط لدى القاهرة لتخفيف هذه الأحكام، وعرض الخوري وساطته الشخصية بالإضافة لوساطة حكومته والشعب السوري برئيس جمهوريته ومجلسه النيابي وفئاته وأحزابه، وواضعاً كرامته الشخصية كرجل يحفظ له المصريون أخلد الذكريات، لقاء تخفيف هذه الأحكام فلم يجد ذلك نفعاً، ونفذت أحكام الإعدام في ست من أقطاب الدعوة الإسلامية في وادي النيل، فكان لذلك أثر كبير في نفسه لم يزايله بقية عمره.
بعد ذلك اعتكف فارس الخوري في منزله بدمشق. يذهب مرة كل عام إلى جنيف ليشترك في جلسات لجنة القانون الدولي التي هو عضو فيها.

وفاته


الرئيس شكري القوتلي يزور فارس الخوري في مشفى المجتد

في 22 شباط 1960، أصيب فارس الخوري بكسر في فخذه الأيسر، وكان راقداً في مستشفى السادات بدمشق يعاني من آلام المرض الشديد، حينما منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من قبل الرئيس جمال عبد الناصر بناء على توصية المجلس الأعلى للعلوم والفنون.
توفي فارس الخوري مساء الثلاثاء 2 كانون الثاني 1962 في مشفى السادات في العاصمة دمشق تاركاً وراءه سجلاً حافلاً من النشاط السياسي والعلمي والأدبي.
وعند تشييعه منح اعتبار رئيس الجمهورية وأجرت دمشق مراسيم تشييعه على مستوى الرئاسة الأولى في حال الوفاة، فلف جثمانه بالعلم السوري وحمل على عربة مدفع وشيعته سورية بكل طوائفها ومشى في جنازته سورية بكاملها ممثلة برؤساء الأحزاب والرؤساء السابقين وممثلين عن كل الطوائف الدينية، وعلى رأسهم رئيس سورية تلميذه في معهد الحقوق الدكتور ناظم القدسي والرئيس السابق شكري القوتلي (رفيقه في النضال).
وكما في حياته فان الخوري جمع السوريين في مأتمه حيث كان قراء القرآن الكريم يرتلونه وأمامهم يقف رجال الدين المسيحي بكامل طوائفهم يتقبلون التعازي.
لقد ودعت سورية والعرب بوفاته واحداً من كبار رجالاتها في العصر الحديث، وقد أطلق اسمه على شارع رئيسي بدمشق التي أحبها وأحبته.

الشيخ محمد بهجت البيطار يزور الفارس في مشفى المجتهد عام 1960

مواقفٌ لفارس الخوري


تميز الزعيم الوطني الكبير فارس الخوري بذكائه وحنكته وخفة دمه، فلم تكن حياته مليئة بالنضال والمواقف الوطنية العظيمة فقط، وإنما بالمواقف الطريفة أيضاً، فقد كان صاحب نكات طريفة وتعليقات ساخرة بل كانت هذه النكات وتلك التعليقات وسيلته الناجحة في حل الكثير من المواقف والمشكلات التي تعترضه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

الموقف الأول:
طاف فارس الخوري أسواق حيفا بحثاُ عن طربوش يلائم رأسه، وعندما وجد الطربوش المنشود في أحد المخازن، طلب منه البائع ضعف الثمن المحدد، فاعترض فارس: «لكن سعر الطربوش معروف وهو نصف ما تطلب»، فقال له الطرابيشي: «إذا وجدت في كل الأسواق طربوشاً بهذا الحجم يلائم رأسك فادفع ما شئت».
فأجابه فارس على الفور: «وأنت إذا وجدت في كل البلاد رأساً كهذا الرأس يعبي طربوشك فاطلب ما شئت..».
وذكر الأستاذ عباس الحامض (في مجلة كل جديد تاريخ كانون الأول 1947 العدد 9 السنة الثالثة) أن علي ماهر باشا قال له ذات يوم من سنة 1945 عن فارس الخوري: «لقد استحال هذا الرجل النابغة إلى كتلة دماغية فلم يبق من جسمه أعضاء من عظم يكسوه لحم وإنما أصبح كل عضو منه مدار تفكير وبحث وعمل ونشاط».

الموقف الثاني:
كان فارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي و كان المجلس يضم عدداً من نواب العشائر شبه الأميين، فوقف واحد منهم يتحدث قائلاً: «حضرات النواب المحترمون»، فصحح له فارس الخوري بقوله: «حضرات النواب المحترمين»، فأعاد النائب نطقها بالشكل الصحيح.. ثم تابع قوله: «كان النواب المحترمين»، فقاطعه فارس الخوري، وصحح له مرة أخرى بقوله: «كان النواب المحترمون».. فثارت ثائرة النائب وصاح محتجاً باللهجة العامية: ليش هيك متحطط علي يا دولة الرئيس؟؟
لما قلت «المحترمون» صححتها لي إلى «المحترمين» ولما قلت «المحترمين» قاطعتني وقلت: «المحترمون».. فهل تريدني أن أقول «المحترمون» أم «المحترمين»؟!
فرد عليه فارس الخوري ضاحكاً: لست أنا من يريد وإنما سيبويه هو الذي يريد..


استقبال فارس الخوري العائد من مؤتمر سان فرانسيسكة في مطار دمشق عام 1945

الموقف الثالث:
روى عنه تلميذه (علي الطنطاوي) أن طالباً (ثقيلاً…) سأله: ما فائدة هذه الأحرف اللثوية؟ ولماذا نقول ثاء وظاء؟ فنخرج ألسنتنا، ونضطر إلى هذه الغلاظة؟!
فقال له فارس الخوري على الفور وقبل أن يتم سؤاله:
- لا فائدة لها أبداً، وسنتركها فنقول (كسر الله من أمسالك)!!

الموقف الرابع:
سأله مرة أحد الصحفيين قائلاً: لقد عشت حياة طويلة عريضة فما برأيك أهم ثلاث أمور في حياة الإنسان عليه أن يسعى اليها؟ فأجاب فارس الخوري أولا الصحة وثانيا الصحة وثالثا الصحة وإليك بهذا المثال:
إذا كنت تتمتع بالصحة سجل لنفسك واحد فقط (1) فإذا جاء العلم سجل صفراً أمام الواحد فيصبح الرقم (10) إذا ربحت المال زد صفرا على الرقم فيصبح (100) وإذا جاء المركز أو الجاه أو الشهرة زد صفرا ثم صفرا ثم صفرا وهكذا حتى يصبح الرقم المليون اسحب الواحد الذي هو الصحة ماذا يبقى؟ مجرد أصفار.. فمجموعة أصفار لا تساوي واحد كما أن مجموعة أغبياء لا يساوون أمة.
ثمة مواقف أخرى كثيرة، لا تخلو من الطرافة والدلالة على عمق تفكير هذا الرجل، وسعة صدره، تدلل على شخصية سياسية فذُّة، وفكر منير لشخص قل نظيره بين السياسيين.. فكم نحن بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال، ممن يمتلكون الخبرة و الكفاءة والنزاهة.
ولاننسى موقفه مع الوفد الفرنسي وأيضاً وقوفه على منبر الجامع الأموي وقوله: «إذا كانت فرنسا تدّعي أنها جاءت إلى بلادنا لحماية الأقليات فمن على هذا المنبر أقول: أشهد أن لا إله إلا الله»


فارس الخوري في الأمم المتحدة عام 1945 يوم إعلان شعار المنظمة الدولية

خمس وعشرون دقيقة


دخل فارس بك الخوري، ممثل سورية في الأمم المتحدة حديثة المنشأ، بطربوشه الأحمر وبذته البيضاء الأنيقة.. قبل موعد الاجتماع الذي طلبته سورية من أجل رفع الانتداب الفرنسي عنها بدقائق واتجه مباشرة إلى مقعد المندوب الفرنسي لدى الأمم المتحدة وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا.. بدأ السفراء بالتوافد إلى مقر الأمم المتحدة بدون إخفاء دهشتهم من جلوس (فارس بك) المعروف برجاحة عقله وسعة علمه وثقافته في المقعد المخصص للمندوب الفرنسي، تاركاً المقعد المخصص لسورية فارغاً.
دخل المندوب الفرنسي، ووجد فارس بيك يحتل مقعد فرنسا في الجلسة.. فتوجه اليه وبدأ يخبره ان هذا المقعد مخصص لفرنسا ولهذا وضع أمامه علم فرنسا، وأشار له إلى مكان وجود مقعد سورية مستدلا عليه بعلم سورية ولكن فارس بيك لم يحرك ساكنا، بل بقي ينظر إلى ساعته.. دقيقة، اثنتان، خمسة..
استمر المندوب الفرنسي في محاولة «إفهام» فارس بيك بأن الكرسي المخصص له في الجهة الأخرى ولكن فارس بيك استمر بالتحديق إلى ساعته: عشر دقائق، أحد عشرة، اثنا عشرة دقيقة وبدء صبر المندوب الفرنسي بالنفاذ واستخدم عبارات لاذعة ولكن فارس بيك استمر بالتحديق بساعته، تسع عشرة دقيقة، عشرون، واحد وعشرون... واهتاج المندوب الفرنسي، ولولا حؤول سفراء الأمم الأخرى بينه وبين عنق فارس بيك لكان دكه.. وعند الدقيقة الخامسة والعشرين، تنحنح فارس بيك، ووضع ساعته في جيب الجيليه، ووقف بابتسامة عريضة تعلو شفاهه وقال للمندوب الفرنسي:
«سعادة السفير، جلست على مقعدك لمدة خمس وعشرين دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً، سورية استحملت سفالة جنودكم خمس وعشرين سنة، وآن لها أن تستقل».
في هذه الجلسة نالت سورية استقلالها.. في عام 1946، جلى آخر جندي فرنسي عن سورية..

رأيه بالوحدة مع مصر


تروي حفيدته كوليت خوري أنها إثر عودتها من أحد المظاهرات المطالبة بالوحدة مع مصر، عادت إلى منزل جدها في حي المهاجرين لتجده جالساً على الكرسي أمام المذياع ووجهه متجهم ولم يكن راضياً عما يجري في تلك الفترة، فارس الخوري أكثر الناس حكمة في سورية آنذاك كان محتقن الوجه وغير مرتاح، أخبرته أنها كانت مع المتظاهرين المؤيدين للوحدة، فاكتفى بهز رأسه ولم يقل لها «عفي عليكي» كعادته، ما أثار حفيظتها لتسأله «لم لست سعيداً» فأخبرها أنه مشغول البال، قلق، في تلك اللحظة وافاه مجموعة من الكبار الذين صرح لهم بقلقه وخوفه على قضية العمر التي طالما سعوا إليها وحلم حياتهم بالوحدة الكبرى على اتساع رقعة الوطن العربي.‏‏‏
وقال بالحرف: «الآن عملوا وحدة مسلوقة سلقاً والوحدة لا تسلق والخوف إذا ما فشلت سنعود إلى نقطة ما قبل الصفر»، وبحماستها المعهودة السيدة كوليت قالت: «لا الوحدة حلوة» لكنه أصر على أن الوحدة لا تسلق سلقاً وستكون خسارة كبيرة إذا ما فشلت، وهذا ما حصل فتنبؤات فارس خوري كلها صدقت.

فارس الخوري.. قصة وطن


فارس الخوري

رئيس وزراء سورية في الأزمات الصعبة وصوت العرب في المحافل الدولية، كان رئيساً للوزارة السورية عدة مرات وممثلاً لسورية في أكثر من مؤتمر دولي.. ورئيساً للأمم المتحدة، وفي كل منصب تقلده كان نضاله لايفتر، هذا هو فارس الخوري في قصته مع الوطن عمرها ثلاث وثمانون عاماً.
كان فارس صاحب ذاكرة عجيبة ووجه ضاحك بقسوة وتاريخ، وهو الشيخ المتمتع بثقافة القرن التاسع عشر وكياسة القرن العشرين ومرح القرن الحادي والعشرين كان يقول: لقد كتبت صفحات كبيرة حول القضية العربية، وملابساتها وماضيها وحاضرها وأبدى الكثيرون أسفهم للخصام الذي دبّ بين قادتها، لقد كان هؤلاء ملكاً للتاريخ فلماذا مزقوا صفحاتهم الخالدة، لقد عاملوا بعضهم بخشونة وكان الأولى بهم أن يقدموا التاريخ للأجيال في إطار من الأدب واللياقة، إن الأخطاء قد تهدم صغار الرجال ولكنها لاتؤثر فيمن شغلوا بشرف المراكز الأولى في أشد العواصف.
وجاء ذكر أحد السياسيين السابقين -مرة- أمامه فضحك وقال: كم في هذه الأمة من مضللين، إنني سأكتب مذكراتي للأجيال القادمة لتعرف تاريخها كما وقع، وتنظر إلى الكفاح الحقيقي كما جرى..
فارس الخوري وقصته مع الوطن ذكريات لا يمحوها الزمن لارتباطها بمراحل الكفاح الطويل، كان واحداً من الرجال الذين ساهموا في معركة الوطن بشرف.

فارس والاقتصاد


لقد كان له فضل في العمل على تحرير الاقتصاد، وفي إنشاء عدة شركات وطنية سورية في عهد الاستقلال، وحول وضعه لنظام «شركة الإسمنت الوطنية المساهمة»، يقول مؤلِّفا كتاب «فارس الخوري: حياته وعصره»:
«وأعاد إلى الناس ثقتهم بالشركات التعاونية أو المساهمة، بعد أن فقدوها إلى حدٍّ بعيد على إثر فشل شركة الزجاج أوائل القرن العشرين، حيث دفعوا أموالاً ما لبثوا أن خسروها».
وقد أقبل الناس على شراء أسهم شركة الإسمنت بشكلٍ غير معهود.

واضع العملة السورية ومعيارها الذهب


عمل الخوري خلال حقبه الثلاث في وزارة المالية على جعل وزارة المال ذات صبغة سورية وعربية، ساعياً إلى تكريس النهج العلمي في العمل، وقام بتنظّيمها تنظيماً دقيقاً وفق قواعد ثابتة، فأنجز موازنة الدولة وقام بتجديد الضرائب وأحدث الدينار السوري الذهب.
كتبت جريدة «الحاوي» عنه في ذلك الوقت: «أما باكورة أعمال وزيرنا فارس الخوري في خدمته الجديدة، فهي أنه وقى مالية الحكومة ومصالح التجار وعامة الأهالي من خطر الخسائر المتأتّية عن هبوط وصعود الأوراق النقدية المصرية، وضَمِن سلامة مصالح البلاد الاقتصادية، وذلك أنه وضع معياراً لنقود المملكة السورية التي ستضربها في المستقبل وجعل الذهب معياراً لتلك النقود، فاقترح جعل الدينار السوري سكة ذهبية وزنها 6.452 من عيار 90% من الرملي الخالص، وأن يكون الدينار ذا مئة غرش، والغرش يقسم إلى عشرة أعشار».

للتاريخ... فارس الخوري ومياه عين الفيجة


من رسالة بعث بها فارس الخوري سنة 1904 إلى العلامة محمد كرد علي نكتشف أنه منذ ذلك التاريخ كان مهتمّاً بموضوع جرّ الماء من عين الفيجة إلى المدينة.. وقد وضع دراسة هامة حول الموضوع، موجودة كلها في الرسالة.
في سنة 1921 فكر الفرنسيون في مشروع جر مياه الفيجة إلى منازل دمشق وفي إعطاء امتياز المشروع إلى شركة فرنسية. وعندما طلب رئيس البلدية من فارس الخوري المشاور الحقوقي للبلدية «أي المحافظة» دراسة المشروع تبين لفارس أن شروط الامتياز تضر بمصلحة السكان، فسجل اعتراضاته، واقترح تأسيس مشروع وطني تكون فيه المياه ملكاً للأمة وأنهى دراسته بوجوب رد المشروع. وعلى هذا النحو، وبعد هذه الحادثة بحوالي السنة اجتمعت لجنة من تجار دمشق وأغنيائها وبحثت موضوع تأسيس شركة تجارية لتوزيع المياه. لكن معارضة فارس الخوري كانت شديدة لأنه لم يشأ أن تكون استثمارية بل عمومية فقد كان يخشى أن ينقلب المشروع أجنبيّاً لأن الأسهم مهما بلغت قيمتها سيأتي من يشتريها بأغلى من سعرها، ولذلك قدّم لهم مشروعاً شعبياً محضاً من وضعه وابتكاره ودراسته، هو الذي اُعتُمِدَ ونُفِّذَ ومازال قائماً حتى يومنا هذا.
وقد كان وراء تنفيذ هذا المشروع لطفي الحفار، وأما نظام هذا المشروع الذي ليس له شبيه في العالم من حيث تمليك المياه للمنازل والعقارات (متر أو نصف متر أو ربع متر) هذا النظام ابتكره عقل فارس الخوري...

أعضاء المجمع العلمي

مسيرته في الحقوق


لم تكمن ممارسة المحاماة في ذلك الزمن تحتاج إلى شهادة وفارس الخوري لم يحمل في حياته إجازة في الحقوق، وكما كتب حنا خباز وجورج حداد في كتابهما: « فارس الخوري حياته وعصره»:
«بدأ فارس بمطالعة كتب الحقوق بدون أستاذ ولا مدرسة في أوقات الفراغ القليلة التي كانت تتركها له واجبات الوظيفة وأعمالها لمختلفة وعلاقاته الاجتماعية ولم يحصل على شهادة رسمية في الحقوق ولم يكن خريج أي معهد حقوقي. وكل ما هنالك أنه عندما كان نائباً في المبعوثان بعد 1914 تابع دروس الحقوق في اسطنبول ليحصل على شهادته، وكانت تستوجب دراسته ثلاث سنوات. وأوشك أن يظفر بها غير أن السلطات التركية اعتقلته في صيف 1916 وبدأت محاكمته مع سائر الأحرار العرب..».
«هذا الحقوقي غير المأذون اشتهر كمحام وكحقوقي وكان أحد مؤسسي معهد الحقوق في دمشق، ثم أستاذاً في المعهد المذكور ثم أول نقيب للمحامين في دمشق، ثم عضواً في لجنة الحقوق الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة وعلماً من أعلام القانون». فكان بذلك أول عربي في هذه اللجنة المهمة من المشترعين الدوليين. وظل في اللجنة إلى أن انتهت ولايته في أثناء وحدة سورية ومصر وحل محله عبد الله العريان.
عين الخوري أيضاً مشاوراً قانونياً في بلدية دمشق (وهي اليوم المحافظة)، وأستاذاً في معهد الحقوق العربي الذي كان قد افتتح عام 1919، وعمل فيه بتدريس مادتي أصول المالية وأصول المحاكمات الحقوقية حتى عام 1940.. وكان من تلامذته خالد العظم وسعيد الغزي وعلي الطنطاوي وظافر القاسمي وشبان آخرون كثر تولوا فيما بعد مناصب رفيعة في السياسة والقضاء، كما كان مرجعاً في الاقتصاد، ومؤلِّفاً في عالم القانون وفي دنيا الأدب، إضافة لكونه شاعراً متميزاً وخطيباً.
ولفارس ثلاثة مؤلفات في القانون: أصول المحاكمات الحقوقية، وموجز في علم المالية، وصك الجزاء، وتعد مرجعاً حتى يومنا.

فارس الشاعر


فارس الخوري مع زوجته أسماء عيد

لمع فارس الخوري في مطلع حياته كشاعر، فكان شعره وطنياً تناول فيه القضايا العربية، وكذلك كان أديباً حيث ملأت منظوماته الشعرية وكتاباته الصحف السورية والمصرية، إلا أن انشغاله في علوم السياسة والاقتصاد والعمل الوطني والقومي والعلمي جعله ينصرف عن الشعر ولا يقوله إلا في المناسبات.
ومن مقال للأستاذ عبدالغني العطري «العربي كانون الثاني 1982 عدد 278 وجردية حمص» يقول:
«...طغت السياسة على مواهب فارس الخورس التي لا تحصى فصرفته عن الشعر، فنسي الناس أنه شاعر رقيق فحل، ذو كعب عالي في دنيا القوافي، وأن انشغاله في عوالم السياسة والاقتصاد والعمل الوطني والقومي والعلمي جعله ينصرف عن الشعر ولا يقوله إلا في المناسبات...»
و«...غاب عن أذهان الناس أن فارس الخوري لم يكن السياسي والعالم ورجل الاقتصاد والقانون فحسب... بل كان شاعراً من فحول الشعر، ولو تفرغ له وأعطاه بعض وقته وعنايته لاستطاع أن يكون بين الخالدين من اشعراء...».
كان فارس ينطق باسم العرب في كل المناسبات، وإحداها في أثناء رواسة صلاح الدين من قبل المنتدى الأدبى في العاصمة يوم 18 حزيران 1914 إذ ألقى فارس قصيدة من حوالي المائة بيت ذكر فيها أمجاد العرب وعدد مزاياهم وحث فيها على التنبه واليقظة ونفض الخمول. ومنها:
دعني أفكر بالزمان قليلاً..|..وأُعيد رسماً للقديم محيلا
كرّرْ مفاخرنا فإنّا معشر..|..لا يرتضون عن القديم بديلا
إن كنت ترغب أن تعيش معزَّزاً..|..فدعِ الخمولا وباشرِ التحصيلا
فالجدُّ أقوى الضامنات وربُّه..|..ما ارتدّ قطُّ عن المنى مخذولا

يدور شعره حول الإشادة بالأحرار والثائرين لكرامة أوطانهم، وله شعر على هيئة مراسلات إخوانية. كما كتب في الرثاء، إلى جانب شعر له في المدح، خاصة مطولته في تحية شاعر النيل «حافظ إبراهيم» ومدحه، وله في المعارضات، كمعارضته لبردة البوصيري، إلى جانب شعر له في الغزل الذي كتبه مقتفيًا أثر أسلافه الأقدمين، ومعبرًا من خلاله عن إخلاصه لمن يحب. التزم طريقة سابقيه في كتابته للشعر لغة وخيالاً وبناءً.

هذه الأبيات التي يرثي فيها الشهداء، أحرار الأمة ومنهم «عبد الوهاب الإنكليزي، وشكري العسلي، وعبد الحميد الزهراوي» وهي واحدة من قصيدتين كتبها في رثاء الشهداء.
أينَ عَبْدُ الوَهابِ بِلْ أينَ شُكْري..|..أينَ عَبْدُ الحَميدِ بَدْرُ السُطوُعِ
أَينَ أحرَارُ أمتي أينَ قَومي..|..هلكَ الكُلُّ بَيْنَ صَلْبٍ وَجُوعِ
رَحْمَهَ اللهِ ظَلّليها قُبوراً..|..هِيَ لِلعُرْبِ قُبلةٌ للركوُعِ
أما هذه الأبيات فهي مقطع من قصيدة طويلة عنوانها «الآمال» وقد ألقاها في حفلة أقيمت في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1892:
أُخيَّ اصطَبِرْ إنْ كُنتَ صَاحِبَ مَأرَبٍ..|..فَدَرْبُ العُلَى صَعْبٌ وَمَركَبُهُ وَعْرُ
وَكُن ذَا أمانيٍّ سَمِيٌّ طِلابُهَا..|..ولا يَثنِكَ الخدُّ المُوَرَّدُ والخصرُ
وَخُذ ما تَسنَّى مُدرَجاً نحوَ غَيرهِ..|..بِلا سُلَّمٍ لا يُرتَقَى البُرجُ وَالقَصْرُ
وَعِندَ انتِخَابِ السُلَّمِ انظُرْ عُلُوَّهَا..|..وغَايَةَ مَرْمَاهَا فهذا هُوَ السِرُّ
وَلَيسَ ارتفاع الكَعبِ مِنهَا بِنافِعٍ..|..إذا كان حَدُّ الرَأسِ يُشكَى بِهِ القَصرُ

وتروي حفيدته لسيدة كولت في كتابها:
«أما الشاعر العزيز سليمان العيسى فقد أخبرني ذات مرة أن أول قصيدة حماسية حفظها وهو طفل في التاسعة، عن أبيه، هناك في قرية النعيرية في لواء اسكندرون، كانت لفارس الخوري في رثاء فوزي الغزي في أواخر العشرينات... وهو ما يزال يحفظ منها بيتين هما:
إن مات فوزي فما ماتت قضيتنا..|..ردى المطالب لا يردى به الطلب
قد عودتنا البلايا خوض لجتها..|.. إلى الحناجر إما غاصت الركب

إنتاجه الشعري


أوردت له كتب: «عبقريات شامية»، و«الأدب العربي المعاصر في سورية»، و«أوراق فارس الخوري» عددًا من القصائد، كما نشرت له صحف عصره قصائد منها: «تحية إلى شاعر النيل حافظ إبراهيم» مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق - المجلد 9 - دمشق – تشرين الثاني 1929، و«في سقوط السلطان عبدالحميد» - مجلة المقتبس، وله «ديوان فارس الخوري» - مخطوط - جمع قصائده نسيم شفيق الخوري وقدم له بدراسة، فضلاً عن ملحمة شعرية عنوانها «وقائع الحرب الروسية اليابانية» (وهي في أربع قصائد) - مطبعة الأخبار - مصر 1906، وقد نُشرت في كتيب صغير بلغ عدد صفحاته ثمانيًا وستين صفحة.

قالوا في الفارس


فارس وفائز في هيئة الأمم

بدوي الجبل في قصيدة غربة الرّوح:
(فَارِسُ) المَجْدِ لَمْ تُزغرِدْ عَذَارى..|..المَجْدِ إلا انتخى وكان السَبُوقا
يا لنَسرِ تَقَحَّمَ الشمسَ حتَّى..|..ملَّ عِزَّ الشمُوُسِ والتَحْلِيقَا

الأديب ظافر القاسمي:
«إن فارس الخورس وليد القرون. لم يكن يُشبهه أحد ممن عرفتُ من الرجال، وقد تمضي القرون ولا يُرزق العالم العربي من يماثله أو يدانيه».
«لقد كان فارس الخوري أُمَّة وحده. ويقيني أن جماعة من الناس ينبغي أن تتوفر على وضع تاريخه الفريد لا لتمجيده وتخليده فهو غنيٌّ عن التمجيد والتخليد ولكن وفاءً لرجل تتمنى أيَّةُ أُمَّةٍ في الأرض لو كان أحَدَ بنيها».
وفي موضع آخر يقول القاسمي سنة 1962 في كتابه «مكتب عنبر»: «... ولو كان لي أن أقدم على أستاذي جميل صليبا أحداً من أساتذتي، لما قدمت إلا فارس الخوري، ومن مثل فارس الخوري في دنيا العرب؟»

كتب الدكتور قسطنطين زريق في نشرة Al Kulliyah «الجامعة الأمريكية» شتاء 1962:
«... ولكن وراء الحقوقي المتمكن، والزعيم الوطني ورجل الدولة القدير والعالم والوجه الدولي كان هنالك فارس الخوري الإنسان. ومن صفاته الإنسانية المتعددة ميزتان تركتا أعمق الأثر في نفسي أولاهما بساطته وتواضعه..الخ
وثمَّ كان هنالك فضوله المتعطش أبداً إلى الثقافة. كان يقرأ كل أنواع الكتب ولم يكن هناك موضوع لا يثير اهتمامه وحتى آخر أيامه بقي دماغه متنبهاً للمعرفة وتواقاً إليها...».

ورد في كتاب «المذكرات» لمحمد كرد علي الثالث الصفحة 945) تحت عنوان «داهية السياسة» ما يلي:
«والذي كان يعجبني فيه «في فارس الخوري» أنه كان يفسح المجال في صدره لكل ما يصل إليه من صنوف المعارف يأخذ منها ما وسعه أخذه ويتركه جانباً إلى أن يبدو له استعماله وعندئذٍ ينصرف إليه فيتبرز فيه..الخ».

من مقال للأديب محمد على الطاهر الذي نُشر في جريدة «السمير» بروكلن عدد 46-47 في آذار 1956:
«ولولا النقطة التي توضع فوق حرف الخاء في لقب فارس الخوري، لكان مقامه عند الأمة السورية كرسي رئاسة الجمهورية.. يعني لو أنه كان يلقب بـ ـ الجوري ـ أو بـ ـ الحوري ـ لما زاحمه على سدة الرئاسة أحد، بل كانت الرئاسة تسعى إليه طائعة غير منقادة، فلو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض من تحته. ذلك أن دستور سورية ينص على أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون مسلماً وفارس الخوري مسيحي ولكنه عربي الأصل والقلب واللسان».

من كلمة بديعة لشاكر مصطفى في حفل تأبين فارس الخوري في سان باولة سنة 1962:
«... كان الفارس قاب قةسين أو أدنى من ركوب الشراع ليكون ي المهجر في أحد جناحي القارة، بين هذه القيم المهجرية الضخمة... ولكن دمعة في الكفير، أكثر إغراء من البحر والمجهول البعيد، وقفت بينه وبين البحر والمجهول البعيد... كانت دمعة أمه...»
«وقضى الله لتلك الدمعة الرؤوم أن تكون السبب في هبة سورية صانعاً ممن صنعوا تاريخا».

ويورد كتاب «فارس الخوري وأيام لا تنسى» في ص272 قول لسامي السراج:
«ولا افتراء في القول أن فارس الخوري ليس رجل سورية فحسب بل هو صنديد من صناديد العروبة وفلتة من فلتات الزمان...
«حيا الله المزرعة الصغيرة التي أنشأته والماء الرقراق الذي رواه والوطن العبقري الذي ربّاه...».

ميخائيل بلدي:
فهل كان في دُنيا النُبُوغِ كفارسٍ..|..تَساقى ندى آياته الشَرقُ والغربُ
إذا قال أو أفتى أصاخ له الورى..|..ففتواهُ دستورٌ وأقوالهُ كُتبُ

المراجع


1- جورج حداد وحنا خباز، فارس الخوري: حياته وعصره، مطابع صادر/ريحاني، بيروت: 1952
2- محمد الفرحاني: فارس الخوري وأيام لا تنسى، مطابع دار الغد، بيروت: 1965
3- كولييت الخوري: أوراق فارس الخوري
4- عبد الهادي عباس: فارس الخوري، الموسوعة العربية، المجلد التاسع
5- للتاريخ... فارس الخوري ومياه عين الفيجة.. كولييت خوري، جريدة البعث:
http://www.albaath.news.sy/epublisher/html_np/12845/53.html
6- مجموعة مواقع الكترونية.


علاء أوسي

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

إخوة فارس الخوري

فارس الخوري مع زوجته وابنه سهيل

فارس الخوري وإلى يمينه لطفي لاحفار وإلى يساره حسني البرازي

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق

Ahmad Jaijan:

فارس الخوري قامة بشموخ وطن .
رجل دولة بامتياز من الطراز النادر ..
رجل القانون الدولي باعتراف الجميع ..
شاعر و مبدع وصل مرتبة الشعراء و الأدباء .
(.......)

أحمد جاجان

Syria

:

شكرا لجهودكم في نشر المعرفة

باسل:

تقرير متميز لشخصية متميزة

دمشق