غياث الأخرس الفنان الذي يخترع سورية تشبهه

07 حزيران 2015

.

امتزاج الفنان التشكيلي السوري بالصور يدفعه إلى أن يجاور بين أسلوبي التشخيص والتجريد بهدف استخراج علاقات بصرية يتقاطع من خلالها الحسي والروحي.

معه، من خلاله ومن خلال فنه يمكن للمرء أن يتلمس الطريق إلى ملامح جيل الحداثة الثاني في المحترف الفني السوري، ذلك الجيل الذي سعى إلى أن يضفي على الهوية المحلية طابعا عالميا من خلال تحريرها من سياقات إنشائها الشكلية الثابتة، من غير أن يهدر منجزاتها.


من أعمال التشكيلي غياث الأخرس


التفكير في الفن
كانت نظرته إلى الفن تتجاوز المشهدية السائدة بمفرداتها المتاحة، فلم تسحره غنائية وحلمية تلك المفردات بكل ما تتركه من أثر قوي على مشاهدين، كانوا في الحقيقة نتاج ما شهده مفهوم الفن في خمسينات القرن العشرين من تغير واضح في المزاج الفني الذي كان في الغالب يهتم بالموضوعات الكبرى.

لقد قرّر غياث الأخرس منذ عروضه الفنية الأولى في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي أن يكون حضوره الفني مختلفا بما يعني التفكير في الفن بطريقة خاصة. وهي الطريقة التي ساهمت تقنية الحفر الطباعي في توسيع أفقها.

أيقف شغفه العاطفي والمهني بفن الحفر الطباعي وراء ولعه في اختراع أشكال، تُرى من غير أن تظهر تماما؟ يبقى جزء منها متمسّكا بغموضه كما لو أنه لم يغادر بعد مادة خياله الأولى. يمتعه أن يظل شيء من عالمه عاكفا على خياله، منغلقا على أسراره التي هي أشبه بالطقوس الخفية.

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

غير أن الرسام فيه لم يكن ليطغى على المفكر الذي اهتدى إلى الرسم لينتشل الحكايات التي هي جزء من ثقافة شفاهية من فخ الوصف منفتحا بها على خيالها الذي هو بمثابة منجم عميق للصور. الصور التي لا توضّح وتشرح بقدر ما تتساءل وهي تقف في مواجهة لغز الإنسان في حياته اليومية.



من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

امتزاجه بالصور دفعه إلى أن يجاور بين أسلوبي التشخيص والتجريد بهدف استخراج علاقات بصرية يتقاطع من خلالها الحسي والروحي بما يشبه البوح الحميمي. لذلك كانت رسومه دائما تعبر عن خبرة شخصية، لا على مستوى تقنية استعمال المواد وابتكار الأشكال والمساحات وحسب بل وأيضا على مستوى اقتراح طرق للنظر. وهي طرق غالبا ما كانت مفاجئة، لما تنطوي عليه من عمق وبساطة في الوقت نفسه.

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

للوهلة الأولى تظهره رسومه كما لو أنه يذهب إلى هدفه التعبيري في خط مستقيم، كما يفعل الواقعيون تماما، غير أن تأمل تلك الصور لا بد أن ينتهي إلى الإقرار بأن الرسام لم يهتد إلى نتائجه الشكلية إلا بعد بحوث مختبرية معقدة.

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

رسومه تشبهه إلى حد كبير. تتشبه به من جهة الصبر والرغبة في الانتظار. قوة جمالها تكمن في قدرتها على اللعب بالأفكار، بحثا عن الجانب الخفي فيها. فيما سيكون مفاجئا من احتمالاتها.

الجمال وقد صار محاربا
ولد غياث الأخرس في حمص عام 1937 ودرس الرسم في القاهرة ومدريد وإيطاليا متخصصا بفن الحفر الطباعي «غرافيك» وحين عاد إلى دمشق تولى مسؤولية شعبة الغرافيك في كلية الفنون الجميلة ما بين عامي 1964 و1978 فكان كريما في وضع خبرته في متناول طلابه الذين صار البعض منهم فيما بعد جزءا أساسيا من المشهد الفني السوري المعاصر.

وبالرغم من أن الأخرس كان قد ساهم أواخر الستينات في تأسيس جماعة العشرة التي كان من بين أعضائها الرسامون نذير نبعة وغسان السباعي وخزيمة علوان، غير أن ميله إلى أن يخلص لفنه وحيدا دفعه إلى مغادرة الوظيفة مبكرا والتفرغ للفن الذي صار يمارسه بحرية ودعة بين مرسميه في باريس ودمشق.

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

غير أن هاجس معلم الحفر الطباعي لم يفارقه يوما ما. كان لديه شيء أكبر من أن تستوعبه المؤسسة الأكاديمية. شيء لا يقع إلا لكي يسمي الحرية خيارا نهائيا له. أكان قدر المركز الوطني للفنون البصرية الذي أقامه الأخرس في دمشق أن يقع في زمن الاختلاف على الحرية؟

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

كنت قد التقيته عام 2011 وكان المركز جاهزا للافتتاح، غير أن كل شيء كان متشنجا يومها في سورية. (...) «أهناك وقت للجمال؟» لم أسأله لأنني رأيت العناد في عينيه ولم يكن القبح قد نشر راياته في فضاء المدن السورية. كنت أدرك يومها أن الأسوأ قادم، غير أن الأخرس كان يجد في مشروعه نوعا من الحلّ. سيكون ذلك الحل موضع خلاف مع العقائديين بالرغم من أن الأخرس وهو قومي الفكر لم يكن عقائديا يوما ما في حياته. ربما اتهمه الكثيرون بالترف والمغالاة في الرخاء.

في الأزمنة العصيبة تضرب الأصوات العالية الجمال بالشبهات. ولم يكن مفاجئا لي أن يُفتتح المركز ليستقبل طلابه ويخرجهم ويقيم لهم معرضا شاملا. لم يكن غياث يفكر ببطولته التي كان تجاوزها شخصيا، بقدر ما كان يفكر ببطولة الآخرين الذين سيشاركون في إنجاز حلمه الأسطوري. هل كان يسيرا عليه أن يتخلى عن كل شيء لينزوي في مرسمه بباريس، بعيدا عن بلد، يعيش حربا عبثية ضروسا؟قوة جمال صور الأخرس تكمن في قدرتها على اللعب بالأفكار

بالنسبة إلى فنان من نوع الأخرس فإن نجاته الحقيقية تكمن في الجمال باعتباره رسالة. وقد يكون الظرف المأساوي الذي تعيشه سورية الآن هو الظرف المناسب لإبلاغ تلك الرسالة والدفاع عنها في مواجهة الهمجية. لا يحق لي أن أفكّر بدلا عنه، ولكن المتمرد الذي التقيته وأحاطني بصداقته منذ النظرة الأولى مكنه أن يوحي لي بأفكاره.

بعيني الحفار يوثق الطبيعة
«الحفار» صفته التي يعتز بها. هي صفة تقنية تقليدية، غير أنها بالنسبة إلى غياث الأخرس تمثل المجال الحيوي الذي تتحرك فيه خياراته الفكرية والروحية، ولكن قبلها نزعته الجمالية. لا بأس. يثق الأخرس بالمادة التي يعمل عليها. فهو غالبا ما يتسعين بخيالها، زنكا كانت أم خشبا يظل في انتظار هباتها المجاورة. الحفار يثق بمادته ويشغف بخيالها. إنها تعينه في حربه على الواقع. ولكن الأخرس كان حفار حياة، ستكون في كل لحظة ازدهار بمثابة اكتشاف جديد. بنظرة الحفار كان يرى الحياة من حوله ليوثّقها خياليا. لقد توزع اهتمامه الشكلي بين عالمين. عالم يُرى بمفرداته «الطيور والنباتات والصخور» وعالم مطلسم تعبّر عنه الإشارات والعلامات والرموز المستلهمة من الحضارات الرافدينية.

ولكن الحياة المعيشة كانت مختبره الحقيقي، ففي الكثير من أعماله سيقدم نفسه بالأبيض والأسود. وهو ما تفرضه تقنية الحفر الطباعي، غير أن التقنية تملي على من يمارسها أخلاقا. لا يزال الأخرس ينظر إلى الحياة بتقنية الأسود والأبيض، بالرغم من أنه كان قد أنتج الكثير من الرسوم المحفورة بالألوان.

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

شيء من معلولا يظل عالقا بشخصيته. هل كان يتنبأ بمستقبل سورية وهو يرسم خلاصة ما كان يراه في تلك البلدة المعلقة في الجبل؟ لم يكن يعنيه يومها أن يقول «كنت هناك»، اليوم سيكون عليه أن ينظر بأسى إلى حياة مرت به وكان وفيا لها.

كانت رسوم غياث الأخرس خلاصة عيش. قد لا يهتم غياث وقد استعاد دوره معلما برسومه القديمة، غير أنها تظل بالنسبة إلى المحترف الفني السوري بمثابة عنوان لتحول حداثوي، هو التجسيد الأمثل لما يمكن أن تكون عليه علاقة الفن بالحياة. كان الأخرس ابن حياة ملهمة، قُدّر له أن يبتكر لها طرقا خاصة للنفاذ إلى الفن. رسام الطبيعة في شبابه صار ناقدها فيما بعد. غياث الأخرس هو ابن سورية الذي يخترعها في رسومه.

- - - -
* مجلة العرب أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977.


فاروق يوسف

نقلا عن مجلة العرب

Share/Bookmark

مواضيع ذات صلة:

صور الخبر

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

من أعمال التشكيلي غياث الأخرس

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق