دورا أوروبوس (صالحية الفرات)

20 أيلول 2010

الموقع:
تقع دورا أوروبوس وسط بادية الشام في محافظة دير الزور ضمن الفرات الأوسط، فوق هضبة عالية على الضفة اليمنى منه، ويحيط بها ثلاث هضاب ووادٍ مما جعل منها موقعاً عسكرياً ممتازاً، ومن ناحية الغرب تطل على البادية السورية وصولاً إلى تدمر التي كانت تربطها بها روابط وثيقة (الشكل 1).


الشكل1: موقع دورا أوروبوس في خريطة سورية

يبدأ الوادي الذي يشكل سرير النهر، محاذياً للنهر في الجهة الشمالية ويستمر بالسير باتجاه الجنوب حيث يبعد في هذا الجانب ما يقارب 200م عن الموقع[1]. وتبلغ مساحة المدينة داخل الأسوار ما يقارب 75 هكتاراً (الشكل 2)، وتعتبر دورا أحد المواقع الكبرى الأولى التي تم التنقيب فيها بشكل مكثف في سورية وكان قد تم اكتشافها بالصدفة في ربيع عام 1920 عندما لجأت إليها الجيوش الإنكليزية المنسحبة من دير الزور باتجاه البوكمال.

الشكل2: صورة جوية تظهر التل الذي اكتشفت فيه دورا أوروبوس

قصة الاكتشاف:
خلال انسحاب الجيش الإنكليزي برفقة الضابط مورفي M.C.Murphy عام 1920 من دير الزور باتجاه البوكمال، حيث كان يخوض آخر المعارك ضد الجيش العثماني، تحصن الإنكليز في قلعة مخربة بالقرب من قرية الصالحية، وأثناء قيام الكتيبة الهندية بحفر خنادق دفاعية تم العثور على رسومات جدارية، حيث أرسل مورفي رسالة إلى الكولونيل ليشمان G.Leachman يبلغه فيها أنه تم بالقرب من قرية الصالحية الكشف عن رسومات جدارية رائعة محفوظة بشكل جيد وأنها تقع في الزاوية الغربية من الحصن وتضم رسوماً لثلاثة رجال يقومون بتقديم القرابين (الشكل 3).

الشكل3: رسومات معبد بل

بدوره قام ليشمان بإرسال تقرير إلى الكولونيل ويلسون A.T.Wilson وجاء في تقريره ما يلي: «نتيجة لاحتلالنا لحصن الصالحية القديم، وخلال تحصن قواتنا تم الكشف عن رسومات جدارية في غاية الأهمية وأعتقد أنه من الجيد أن يأتي الآثاري الأمريكي كي يرى ذلك». وكان هذا الآثاري جيمس هنري بريستد J.H.Breasted الذي غادر بغداد واتجه للفرات حتى وصل البوكمال، ومن ثم تابع طريقه مع مساعده إلى الصالحية، ولدى وصوله ذهل بالموقع وبالرسومات المكتشفة، وقد استطاع خلال يوم واحد أن يقوم بدراسة الرسومات وعملِ وصفٍ لها مع كروكي وتوثيقها بالصور. وبناء على هذه الأعمال التي قام بها جيمس استطاع التواصل مع أكاديمية الكتابات والوثائق وعرض عليهم تقريره وصور الرسومات التي كان لها وقعها الكبير على الأكاديمية[2]. وفي عام 1922 كانت سورية قد أصبحت تحت الاحتلال الفرنسي، وخاطبت الأكاديمية الجنرال الفرنسي في سورية بشأن تشكيل فريق لمتابعة أعمال الاكتشاف، وقد وقع الاختيار على فرانز كومون F.Cumont وتم منحه موافقة خلال فترتين قصيرتين، الأولى في تشرين الثاني عام 1922، والثانية في تشرين الأول والثاني عام 1923، وقد بدأ العمل في مكان العثور على الرسومات الذي تبين أنه معبد الآلهة التدمرية[3]. وبعد سنتين توقفت أعمال التنقيب بسبب اضطرابات في المنطقة، ثم استؤنِفت على مستوى كبير بين عامي 1928 و1937 من قبل فريق أمريكي فرنسي برئاسة البروفسور روستوتزف M.Rostovtzeff، وقد بدأ العمل في 13 نيسان من عام 1928، ورافق البروفيسور ضمن فريق العمل زوجته صوفي Sophie وفرانز كومون وهنري سيريغ H.Seyrig، وتركز العمل ضمن قطاع البوابة الرئيسية والمعبد وبعض المدافن، ثم تتابعت أعمال الكشف حيث استمر التنقيب على مدى تسعة مواسم، وكان الموسم الأخير في عام 1937، وقد تم تنقيب ربع مساحة الموقع تقريباً، واستكشف في حينها إضافة إلى التحصينات المحفوظة ثلاثة قصور والآغورا وخمسة عشر صرحَ عبادة والعديد من المساكن والبيوت، كذلك عدة حمامات. كما تم العثور على لقى وقطع فنية غنية سلطت الضوء على جوانب عديدة من حياة المدينة السياسية والدينية، ومنذ ذلك الحين أصبحت دورا موقعاً مشهوراً حتى أطلقوا عليها اسم بومباي الصحراء.

منذ الحرب العالمية الثانية هجرت دورا وتوقفت الأعمال وتهدمت بعض الجدران والمنشآت التي كانت قائمة، علاوة على تعدي السكان المحلين بسبب الجهل. وبقي الأمر كذلك حتى عام 1986 حيث تم تشكيل البعثة الفرنسية السورية المشتركة من قبل الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية والمديرية العامة للآثار والمتاحف ولا تزال هذه البعثة تتابع أعمالها حتى الوقت الحاضر[4].

تاريخ المدينة ومخططها:
أسست مدينة دورا أوروبوس في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد بأمر من القائد اليوناني سلوقس نيكاتور خليفة الإسكندر الأكبر على يد قائده نيكانور Nicanor، واسم المدينة مكون من كلمتين دورا وقد وردت عند العديد من الباحثين على أنها مشتقة من اليونانية بمعنى «الحصن»، إلا أن دورا ترد عند الآشوريين تحت لفظة «دور Dour» أو «دورو Dourou» وتعني «القلعة»، وقد كانت المنطقة خلال العصر الآشوري الفينيقي نقطة انتهاء الطريق التجاري القادم من دمشق إلى الفرات عبر تدمر[5]، أما أوروبوس فهي مدينة يونانية كانت مسقط رأس سلوقس وعلى الأرجح أضيفت إلى كلمة دورا بعد وفاة سلوقس تخليداً لذكراه. ويمكن القول أن موقع المدينة على هضبة وتحكمه بممر النهر كان قد لفت انتباه السكان الأوائل للمنطقة.

الشكل4: المخطط الشطرنجي لمدينة دورا أوروبوس

وفي العصر الهلنستي شكل الموقع نقطة اتصال بين عالم البحر المتوسط والمملكة السلوقية في بلاد الرافدين. ويرجح أن الحصن كان قد بني في البداية كنقطة دفاع ضد هجمات البارثيين[6]. فيما بعد أسست المدينة على شكل رقعة الشطرنج (الشكل 4) وهي تشبه بذلك المدن التي بنيت خلال عصر الإسكندر وخلفائه. من تلك الفترة نجد الآغورا التي تأخذ شكل مستطيل وكانت تشكل مركز المدينة ومقر تجمع التجار بالقرب من الشارع الرئيسي الذي يقطع المدينة من البوابة الرئيسية التي تتوضع في الجهة الغربية (وهي بوابة تدمر) حتى البوابة المقابلة على ضفة النهر[7]. وفي الجانب الجنوبي من الشارع الرئيسي نجد معبد أرتميس وآترغاتيس (عترغاتيس)[8] التي كانت عبادتها منتشرة في كافة المناطق السورية قبل مجيء اليونانيين. وخلال هذا العصر بلغت المدينة أهمية كبيرة في عهد أنطيوخس الثالث وأنطيوخوس الرابع حتى وقعت في أيدي البارثيين وذلك في حوالي الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد. ويبدو أن المدينة تطورت وتوسعت أبنيتها خلال هذه الفترة وفق المخطط السابق، وهناك الكثير من منشآت المدينة التي بنيت في ذلك العصر أو تمت تقويتها وتدعيمها خصوصاً أسوار المدينة. بقيت المدينة في أيدي البارثيين حتى بداية القرن الثاني الميلادي، عندما دخلها جيش الإمبراطور الروماني تراجانوس الذي اتخذها حصناً متقدماً لصد البارثيين، وخلال هذه الفترة كانت تدمر قد ازدادت أهميتها خصوصاً بعد أن قضى هذا الإمبراطور على البتراء، حيث أصبحت تدمر تتحكم بطرق القوافل التجارية، كما أن دورا أوروبوس لم تكن قد ألحقت بالإمبراطورية الرومانية، وبالتالي كان التواجد التدمري في المدينة كبيراً جداً. وقد ضمت المدينة بشكل نهائي للإمبراطورية الرومانية عام 165م، وخلال هذه الفترة بني معسكر روماني داخل المدينة في الحي الشمالي من المدينة، وازدادت أهميتها خصوصاً زمن الإمبراطورين سبتيموس سيفيروس وكركلا وحصلت على لقب مُعمّرة، كما اعتبرت خط الدفاع الأول ضد الفرس الساسانيين الذين وصلوا للحكم عام 228م وسيطروا على منطقة الخليج، وقد شكل وصولهم خطراً على سورية وبشكل خاص تدمر، وفي نفس الوقت على الرومان، وقد نتج عن ذلك فقدان تدمر لسيطرتها على الطرق التجارية وبداية مصاعبها المادية، وإزاء هذه العثرة التي اعترضت تدمر، والتي لم تستطع روما التغلب عليها، ففي عام 260م استطاع الساسانيون أسر الإمبراطور فاليريانوس [9]. عندئذ توجّب على التدمريين القيام بهذه المهمة، فبرز أذينة[10] الذي ينحدر من أسرة عربية تدمرية، وتمكن من هزم القوات السّاسانية ودحرها، الأمر الذي دفع الإمبراطور الجديد غاليان Gallien حوالي 260م إلى منح أُذينة لقب «مصلح الشرق كله وملك الملوك»، ومنحت تدمر سلطات واسعة مما طور حركة التجارة فيها[11]. إلا أن دورا أوروبوس كانت قد وقعت في أيدي الساسانيين عام 256م وهجرها سكانها، وقد ذكرها الإمبراطور البيزنطي جوليانوس عام 363م، الذي مر بها وقال: «مدينة قديمة كانت في الماضي مدينة عظيمة»[12]، وقد هدمت أبنيتها فيما بعد وغمرتها رمال الصحراء ودخلت في عالم النسيان حتى اكتشافها عام 1920م.

الحواشي:
[1]- الشهابي، قتيبة: معجم المواقع الأثرية في سورية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق ص130، 2006.
[2]- HOPKINS C; 1979, The discovery of Dura-Europos, London, pp.1-6.
[3]- CUMONT F; 1926, Fouilles Dura-Eurpos, Paris, p. i-x.
[4]- يدير البعثة عن الجانب الفرنسي بيير لوريش، وعن الجانب السوري ياسر شوحان، وقد قامت البعثة بترميم وحفظ العديد من المباني، إضافة إلى استئناف أعمال التنقيب ونشر النتائج العلمية فيما يتعلق بالتنقيبات القديمة غير المنشورة، وخاصة في سلسلة دورا أوربوس Dura- Eurpos Etudes.
[5]-هناك عدة نصوص اكتشفت على ضفاف الفرات تشير إلى وجود تجار تدمريين منذ عصر البرونز. راجع بهذا الخصوص:
- مرعي، عيد: تدمر محطة هامة على طريق القوافل خلال الألف الثاني قبل الميلاد، الحوليات الأثرية السورية، م42، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق، ص109، 1996.
- جاموس، بسّام: مملكة إيمار في عصر البرونز الحديث، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص82،83، 2004.
[6]- البارثيون أو الفرثيون: شعب من الشعوب الإيرانية القديمة، استقروا في منطقة بارثيا (خراسان) التي تؤلف الجزء الشرقي من إيران، وقد ادعوا أنهم ورثة الأخمينيين واستمر حكمهم حتى قضت عليه الأسرة الساسانية عام 226م. (إسماعيل، فاروق، البارثيون، الموسوعة العربية، م4، دمشق، ص571- 573، 2001).
[7]- ROSTOVTZEFF M; 1929, Excavation at Dura- Eurpos, I, London, p. 15.
[8]- آتارغاتيس ATARGATIS: وهي نفسها هيرا الآشورية ويقال أن أصلها بابلي وقد توجت آلهة الخصب إلى جانب الآلهة الفينيقية عشتروت، وقد رأى اليونان فيها أفروديت، ولم تكن آتارغاتيس خاصة بمدينة هيرابوليس وإنما كانت عبادتها منتشرة في كافة معابد سورية. ورغم أن الإلهة كانت واحدة إنما كانت تبدو عدة آلهة من خلال تعدد أسمائها وتعدد أشكالها. للمزيد عن الآلهة آتارغاتيس انظر:
DUSSAUD R; 1904, Note de mythologie Syrienne, Revue archéologique, Paris, p. 225-226.
[9]- فاليريانوس: إمبراطور روماني حكم بين عامي 253 و260م، كان عمره يناهز الستين عاماً عندما نودي به إمبراطوراً، أشرك ولده غاليان في الحكم، وقع أسيراً في قبضة الملك الساساني شابور الأول، وتوفي عام 260م في الرها. ( شفيق غربال، محمد، ص1271، 1965).
[10]- هو اُذينة بن حيران بن وهب اللات بن مالك بن نصور حسب النص الكتابي الذي عثر عليه في شارع الأعمدة مؤرخ بالعام 252م. للمزيد حول أسرة أذينة راجع: الأسعد، خالد. الزين، محمد: أذينة، الموسوعة العربية، م1، دمشق، 2001.
[11]-M GAWLIKOWSKI, 1985, Les princes de Palmyre, Syria, 62, Paris, pp.251-261.
[12]- CUMONT F; 1926,p. lxiv.


إعداد: همّام شريف سعد

اكتشف سورية

Share/Bookmark

اسمك

الدولة

التعليق

نهلة:

شكرا على هذه المواضيع التي تجعلنا نكتشف كنوز بلادنا الرائعة

الشام

بهرين شيخو:

المواضيع التي تختارها لنا في غاية الروعة,حقا شكرا على هذه الكنوز المعرفية التي تزودنا بها لأنك تساعدنا على تكوين أساساتنا العلمية خاصة نحن طلاب الآثار
ياحبذا أن تكون جنديريس من المواضيع القادمة
بهرين

سوريا

هدير:

شكرا

مصر

سعيد:

شكرا

لسعوديه

Muhannad Al Boshi:

شكراً على هذا البحث القيم والشيق...
ياحبذا لو تعطونا فكرة تاريخية شاملة عن جميع الشعوب السورية القديمة من الآراميين والآشوريين والفينيقيين والكلدانيين والكنعانيين....إلخ... التي سكنت هذه المنطقة وعلاقتها مع بعضها وتسلسلها التاريخي.. لأننا نسينا هذه المعلومات منذ أيام الدراسة
وشكراً جزيلاً

Syrian citizen/Saudia

حبيب :

كنوز سوريا لم أرى أجمل منها

سوريا