إلى متى يمكن تحمّل تكرار نفس الأخطاء؟!.. معرض الخريف السنوي 2015 ستبقى المشاهدة الممتعة والمدهشة مجرّد أمنيات

08 كانون الأول 2015

.

إذا كان مستوى هذا المعرض تحدّده المقارنة مع مثيله من العام الماضي، فالخريف السنوي 2015 هو بلا أدنى شكّ أفضل من سابقه 2014، ولكن هذه المعادلة تفترض تساؤلاً ملّحاً ولكن هذه المرة سنقارن هذا المعرض بمثيله منذ عشرين عاماً وعلى كافة المستويات، وهنا لن أنتظر الإجابة لأنها ستكون بديهية رغم عدم منطقيتها (أن يكون المعرض السنوي منذ عشرين عاماً أفضل بمستواه منه لهذا العام )، وهل ما قُدم فيه من أعمال يكفي أو يلبي طموح من ينتظر عاماً كاملاً ليمتّع بصره وبصيرته بما وصلت إليه نتاجات الفنانين السوريين مجتمعين في فضاء واحد (بهو خان أسعد باشا - البزورية)، الفضاء المكتفي أصلاً بمتعة جمالياته والمدهش معمارياً ليتفوّق على كل ما يحتويه من معروضات باختلاف أجناسها وحتى مستوى أدائها، ولكن بالمقابل لا ننكر اجتهاد الجهة المنظمة في تهيئة أفضل ظروف العرض في هذا المكان من حيث حصر المشاهدة بمستوى معين من خلال استاندات مشدود عليها خام أبيض على كامل مساحة المعرض، دون الانتباه إلى حالة النحت الذي توزع كيفياً بما تتيح المساحة من مكان على أطراف البحرة في الوسط.




بهذه المقدمة المتواضعة سنبدأ باستعراض بعض المحطات في معرض الخريف السنوي 2015 الذي كان افتتاحه ظهيرة يوم الإثنين 16 تشرين الثاني، والذي تقيمه عادة مديرية الفنون الجميلة بالتعاون مع اتحاد الفنانين التشكيليين بحضور الأستاذ عصام خليل وزير الثقافة، والذي رافقه كل من النحات عماد كسحوت مدير الفنون الجميلة والدكتور إحسان العرّ رئيس اتحاد التشكيليين السوريين ، حيث جالوا على جميع الأعمال المشاركة دون استثناء باستمتاع واستماع إلى بعض الشروحات من الفنانين المشاركين وربما بعض الملاحظات أو المطالب التي من شأنها تحسين أداء ومستوى هذا المعرض الذي تجاوز عمره اليوم الخمس وستون عاماً .




سنبدأ جولتنا في هذا المعرض من تغيّب غير مبرّر لأعمال بعض الفنانين الذين تعوّدنا مشاركتهم، ولدى السؤال تبيّن بأنهم من لجنة التحكيم وهذا ما زاد استغرابنا، فالقرار بعدم المشاركة غير مبرّر لا قانونياً ولا معنوياً ومنهم الفنانون (نشأت الزعبي، طلال العبد الله، طلال معلّا وربما غيرهم )، لكون المعرض لا يخضع لنظام المسابقة وهكذا يكون الحرمان استبعد اعمالهم من العرض والاقتناء مقابل مكافأة زهيدة كتعويض أتعاب، وبهذا يكون المعرض قد خسر - وإن بحسن نيّة – بعض المشاركات الهامة والنوعية بالنسبة لما تضمّنه من اعمال تتسم بالتواضع عموماً .




إلى متى يمكن تحمّل تكرار نفس الأخطاء ..؟ ..
لو أعدنا نشر نفس المادة التي كتبتها العام الماضي في هذا المكان لما اختلف شيء ولن يلاحظ أحد ذلك لكون ما تضمّنته من ملاحظات (سلبية، إيجابية أو توصيات ..إلخ ) ستنطبق تماماً على هذا المعرض كما على أي معرض من هذه السلسلة ومنذ أكثر من عشر سنوات والتي تتكرّر فيه نفس المشاهد والإشكالات، حتى أصبحت الكتابة حول معرض الخريف السنوي عبئاً ومهمة صعبة من حيث إمكانية الإضافة على ما سبق التنويه إليه من الازدحام في العرض إلى مستوى ما تضمّنه المعرض من أعمال باختلاف الأجناس والتقنيات، طبعاً وللإنصاف باستثناء بعض الفنانات والفنانين بأسمائهم المعروفة التي تعوّدنا مشاركاتها، بالإضافة لقلّة من الأسماء الكبيرة والتي كان لحضورها أثر طيب مشكّلة تلك الأعمال علامة فارقة في المعرض سنأتي عليها في سياق مداخلتنا هذه.




بالمقارنة مع معرض الربيع السنوي الأحدث الذي كان مميّزاً هذا العام نلاحظ تدنّي مستوى هذا المعرض (الخريف) لاحتوائه على عدد لا بأس به من الأعمال قد لا يليق عرضها في هذه المناسبة المفترض ان تكون أقرب من حيث أهميتها إلى التظاهرة التي من خلالها يمكن تحديد مستوى أحد أهم الفنون حضوراً في المشهد الثقافي السوري بالعموم، وهذا ما نؤكّد عليه دائما وهو مؤشّر خطير بالمناسبة أكثر ما يتجلّى بتحميل الجهة المنظّمة أعباءً إضافية من حيث الاعتراف أولاً بجدارة تلك الأعمال المعروضة على اختلاف مستوياتها وهذا ما قد يفرض عليها مستقبلاً قبول ما هو أسوأ من ذلك لنفس الفنانين، وبالتالي أعباء مالية لاقتنائها على حساب أعمال أميز تستحق أن يُعوَض عليها بقيمة أعلى، وهكذا نكون بحجّة الاحتواء قدّ أسأنا التصرّف مع الفنانين الأكثر كفاءة المشاركين في هذا المعرض، والأهم برأيي التأكيد على الخطأ الذي غالباً ما يعترف به البعض من المسؤولين بحجة الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها سورية وصعوبة التنقّل وندرة فرص العرض، وهذا ما يؤكد للأسف صحة الحجج التي يقدمها المقاطعون للمعرض حول تدنّي مستوى المعرض واستمرارهم بالانكفاء .




ستبقى المشاهدة الممتعة والمدهشة مجرّد أمنيات ..
النيّات الحسنة لا تكفي لنجاح معرض بهذا الحجم .. وحتى تلك السنوات التي مضت على انطلاقته ألا تكفي لاعتماده كتقليد سنوي يستحق الإشارة إليه كمعلم أو ظاهرة في حياتنا الثقافية، بصراحة ورغم قتامة المشهد عموماً فما زال بالإمكان فعل شيء من أجل هذا المعرض على الأقل تكريماً للأسماء التي كانت تشارك فيه منذ خمسين عاماً وبقي لفترة ليست بعيدة قبل أن ترحل عن عالمنا إلى حيث الراحة الأبدية هو تلك المفارقات التي أحدثها تكرار نفس الأخطاء والسلبيات في هذا المعرض مما دفع بمجموعة من المتناقضات تجتمع تحت سقف خان أسعد باشا - هذه التحفة المعمارية النادرة – وهذا لا شكّ أثار عدّة تساؤلات لدى مراقبين غيورين على مصلحة الوطن أولاً باعتبار هذا المعرض هو الوحيد الذي لابدّ أن يجمع كل فناني سوريا في فناء واحد، وهذا ما يتيح فرصة مشاهدة مثالية لأعمال تستحق شرف "المشاركة"، وهذه بحدّ ذاتها ميزة كان يعتزّ بها فنانون معروفون بإضافتها إلى سيرتهم الفنية، بينما نلاحظ اليوم أنها فقدت بريقها ليتساوى الجميع بكافة مستوياتهم بهذه المشاركة التي لم تعدّ تشكّل أية أهمية للبعض الذين ابتعدوا بهدوء تاركين المجال للمواهب والهواة أن يأخذوا نصيبهم من هذه الهبة المجانية او المكافأة التي كانت قبل عشرات السنين مجزية أكثر حتى للفنانين المعروفين.
لنستمع إلى تصريح السيد عصام خليل إلى جريدة البناء :«يشكّل هذا المعرض فرصة طيّبة للاطّلاع على الفنّ التشكيلي السوري وغناه، وعلى تطوّره في المرحلة السابقة، وذلك عبر لوحات استمدت معظم أفكارها من الواقع السوري، لكنها عاشته بأمل الانطلاق من هذه اللحظة الشاحبة لكتابة رسالة إلى العالم كله، مفادها أننا ـ نحن السوريين ـ صنّاع الحياة وسنبقى مهما حصل».

هذا التعليق من حيث المبدأ لا غبار عليه وهو يعكس تفاؤلاً مشروعاً بالحياة والمستقبل، والذي يشكّل هذا المعرض أحد أهم المظاهر المبدعة التي من خلاله تؤكّد سوريا وشريحة كبيرة من مثقفيها أنها مازالت بخير وستستمر بالعطاء من أجل ان تبقى سوريا، والكلام يصحّ أكثر في حالة المعرض السنوي بحالته الصحية المثالية والذي يشبه وضعه قبل حوالي العقدين من الزمن كأسماء مشاركة ومستوى وتغطية إعلامية مرافقة وحفل افتتاح يليق به مثلما كان في بداية انطلاقته برعاية كريمة من السيد رئيس الجمهورية وبقي على تلك الشاكلة لعقود .

من المفارقات المؤلمة والتي جعلت المعرض يتردّى مستواه إلى هذا الحدّ هو الفرق بين قيمة اقتناء العمل الفني في ذلك الزمن متجاوزاً ثمان أضعاف قيمة تعويضه اليوم، والذي لا يغطي في بعض الحالات تكلفة العمل على الفنان وخاصة النحات، ألا تستحق مثل تلك المقارنة بعض التفكير بالأذى المادي والمعنوي الذي يلحق بالفنانين اليوم.

إن فكرة عدم استبعاد مشاركة إي متقدم إلى المعرض للظروف الصعبة التي تمرّ بها سورية، لا تصحّ في هذا المقام لأن قبول ما يزيد على المائتي عمل لن تساهم إلاّ بتدنّي مستواه، ولابدّ أن تحمّل مثل هكذا مبادرة الجهة الراعية والمنظِّمة أعباء إضافية جمّة بدءاً من عملية انتقاء الأعمال المُتقدّمة إلى المشاركة وحتى اقتناءها، وهنا لن أشير إلى أسماء ولا حتى عناوين أعمال لأن المسألة لن تقدّم ولن تؤخّر شيئاً وكون الغاية ليست التشهير بأحد، والأفضل برأيي الاكتفاء باقتناء ما هو مميّز ويحمل قيمة فنية يكون مكسباً للوزارة وإفادة للفنان، وهنا سأطرح سؤالاً اعتراضياً - لكنه إشكالي في نفس الوقت - على الجهة المنظمة بما فيها لجنة تحكيم المعرض السنوي إذا قررتم وكالعادة اقتناء معظم الأعمال المشاركة في المعرض أين ستركنوها والمستودعات تغصّ بما هو أفضل منها وأصبح معظمها بحاجة إلى ضبط إتلاف لعدم صلاحيتها للعرض من سوء التخزين ربما، أنا رأيي أنه مازال بالإمكان استدراك الأمر من خلال تعويض هؤلاء مادياً دون اقتناء العمل والاكتفاء بحدود أفضل عشرين عملاً بكافة الاختصاصات وهكذا نضمن الاستفادة منها في المشاركة الخارجية أو الإهداء إلى شخصيات وهيئات تستحقها، أو نضمّها إلى مجموعة متحف الفن الحديث المزمع إنشاءه منذ اكثر من عشرين عاماً، كما سيحقّق هذا الاستدراك بطبيعة الحال رفع مستوى وقيمة المعرض وهذه الغاية بالأساس التي نسعى جميعاً لتحقيقها بالشكل الأمثل، وتشاركنا فيها الوزارة ممثّلة بمديرية الفنون الجميلة على شكل وعود وآمال بعد انتهاء كل دورة دون العمل أو حتى السعي مع الغيورين من فناني سوريا على سمعة المعرض السنوي لتنفيذها واعتماد خطة عمل جديدة وجريئة لإنقاذ ما تبقى من هيبة وسمعة طيبة للحركة التشكيلية السورية والمفترض أن يمثّلها هذا المعرض بعد أكثر من ستين عاماً على انطلاقته .

كل عام وانتم بألف خير .. والوطن بخير .. تحيا سورية


محمد عمر خليفة

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

من معرض الخريف السنوي 2015 في خان أسعد باشا بدمشق

من معرض الخريف السنوي 2015 في خان أسعد باشا بدمشق

من معرض الخريف السنوي 2015 في خان أسعد باشا بدمشق

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق