ثاني ثلاثية الخطيب

23 كانون الأول 2014

.

بعد رائعته السينمائية الأولى «مريم» التي حصدت إعجاب الجمهور والنقاد معاً، يعود باسل الخطيب ليستحوذ على مشاعرنا وعقولنا في رائعة سينمائية ثانية ضمن ثلاثيته «نساء في زمن الحرب»، في الوقت الذي يعدنا فيه بمشاهدة الثالثة قريباً..

«الأم» الشريط السينمائي الجديد، والساحر، لباسل الخطيب، اُستبق عرضه الافتتاحي الرسمي بالإعلان عن نيل فيلمه السابق «مريم» جائزتي النقاد والجمهور في مهرجان سينمائي صيني، ومن ثم تقديم ممثلي الفيلم لجمهور الحضور الذي سيكون على مدار الساعة والنصف التالية على موعد مع أدائهم الأخاذ والمؤثر، في وقائع تماثل،إلى حد الوثيقة، ما نعيشه ونسمع عنه كل يوم. غير أنها،مع ذلك، تبدو وكأنها صور أحلام، وكوابيس، أبدعتها خيالات سينمائي بارع عن زمان ومكان متخيلين.وربما هنا تحديداً تكمن موهبة باسل الخطيب وتفرده، وأعني تلك المقدرة المدهشة على الارتقاء بحدث واقعي إلى مشهد رومانسي رائع بتعبيرات عاطفية فائقة التأثير، تكتنف قوة الحب والألم، دون جنوح إلى المبالغة والتكلف..

كما كان حاله مع فيلم«مريم»، صاغ باسل الخطيب وقائع فيلم «الأم» بلغة سينمائية رفيعة المستوى تعطي التفسير لحديثه القديم المفعم بالشوق عن مشروعه السينمائي، في وقت كان يقدم فيه أعمالاً تلفزيونية على درجة متميزة من الإتقان والإمتاع. فهذا المخرج الموهوب الذي عرض يوماً مشهداً صامتاً يمتد نحو عشرين دقيقة في مسلسل تلفزيوني، دون أن يخشى ملل المشاهد التلفزيوني، الملول أصلاً، يجد في محدودية وقت الشريط السينمائي مجالاً رحباً للتعبير عن رؤاه الإبداعية بلغة بصرية راقية، تختزل أفكاره الإنسانية بصور متتالية مدهشة، تكاد كل واحدة منها أن تكون لوحة رائعة، تخلق من اجتماعها قصيدة بصرية وسمعية تحاور الأحاسيس العليا للمتلقي، متنقلة برشاقة بين مشاعره وأفكاره.وقد يكون وصف أسلوبه الفني «في السينما اليوم كما في التلفزيون بالأمس» بالواقعي الرومانسي، إشارة بليغة إلى خيار إبداعي كان نتيجة موهبة فطرية، انتصرت لها إرادة الطالب الشاب الذي أوفد لدراسة الطب فاختار السينما، وجوهرتها سنوات من التأمل العبقري لإبداعات السينمائيين الكبار، ومن النهم الثقافي..

كفسيفساء رائعة تختلف ألوان «وأزمنة» حجارتها،يبدو فيلم«الأم».غير أنه صورة لا تكتمل إلا حين يستقر حجرها الأخير في مكانه، وهو هنا ليس في الشريط السينمائي فحسب، وإنما في ذهن المشاهد أساساً. بحيث لا تكون الصورة النهائية المكتملة أكثر إمتاعاً من الوقت الذي تتابع فيه العين تشكلها واكتمالها. فقد يكون الفيلم مبنياً على حكاية تقليدية، لكن ما هو غير تقليدي أسلوب سردها، فحكايته الأساسية تصنعها عشرات المشاهد الصغيرة المتداخلة بين الزمان والمكان وذاكرة الأشخاص، بتقاطع بارع بين الحدث الفردي والحدث العام، بما يمنح الأول منهما مصداقية واقعية ينالها من وقائع مأساوية حقيقة ترسخ في ذاكرتنا القريبة. وبالتالي فالفيلم لا يسقط حكاية متخيلة على واقع معاش، ولا يرمز أيضاً لحالة عامة عبر حالة خاصة، وإنما يسرد - بلغته- حكاية مألوفة في الحياة عن أم تخلى عنها أبناؤها، إنما هذه المرة في زمن شرس فرض على السوريين جميعاً وقائع قاسية، محذراً، دون صراخ خطابي، من تكرار خطأ الأبناء، بخطأ «كارثي» بالتخلي عن الأم الكبيرة التي تحتضن أبناء كثراً يدعوهم الفيلم، أيضاً دون مباشرة، للالتقاء في كنفها، ومن أجلها، وأجل مستقبل أولادهم..وقد تكون هذه أهم دلالات المشهد المفعم حيوية ودلالة، حين يسابق الأبناء الزمن للحاق بتشييع أمهم في حين تشيع القرية بالدموع والورود والأرز موكب شهدائها الذين قدموا أرواحهم فداء للأم الكبيرة لينتهي عند مشهد الابنة العائدة لوطنها وهي ترافق بآلتها الموسيقية غناء الأطفال لنشيد«موطني»..

فيلم«الأم» أكثر من مجرد حكاية عادية في زمن غير عادي، وأكثر أيضاً من إسقاط مباشر، أو ترميز متسرع.إنه وثيقة إبداعية عن راهن زماننا،وعن تشبثنا بالأمل، تشاركت في صياغتها كلمات تليد الخطيب البليغة، وصورة باسل الخطيب الساحرة، وموسيقا سمير كويفاتي البارعة..


سعد القاسم

thawara.com

Share/Bookmark

مواضيع ذات صلة:

اسمك

الدولة

التعليق