صميم الشريف لقد انتصرت للموسيقا

27 كانون الأول 2012

.

رحل صميم الشريف.. رحل الأستاذ والأخ الكبير الذي ترك بصمات لا تمحى في حياتنا الأدبية والثقافية والموسيقية والتعليمية على مدى أكثر من ستين عاماً من الكفاح والنضال والعمل المستمر حتى آخر أيام حياته المديدة الحافلة بالحب والعطاء والعمل المثمر المتواصل في سلك التعليم واتحاد الكتاب العرب ونقابة المعلمين والهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وجمعية تنظيم الأسرة السورية.

رحل صاحب البرامج الشهيرة في الإذاعة والتلفزيون السوري، ومؤلف الكتب والدراسات والأبحاث المهمة عن (الموسيقا العربية وأعلامها) والموسيقار رياض السنباطي وجيل العمالقة وأعلام وتاريخ الموسيقا في سورية، التي رصدها ودوّن لها، وتابع حركتها منذ أواخر القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين وكتب عن أعلامها من ملحنين وعازفين ومغنين. لقد كان الباحث والأديب والموسيقي صميم الشريف، وحده القادر على التأريخ والتدوين والرصد والتحليل والدراسة لتاريخ الموسيقا وأعلامها في سورية، وكان المرجع الأمين لكل معلومة موسوعية عن أعلام الموسيقا والغناء العرب والأجانب، وكان صاحب رسالة ينير الطريق لتلاميذه وطلابه الكثر الذين علمهم الموسيقا، في شتى أرجاء سورية، لدرجة كنّا نعجب عندما يعرّفنا على أحد الموسيقيين أو الموهوبين في موقع من المواقع الاجتماعية أو الثقافية، ألا يكون (تلميذه) أو لم يعلمه (الموسيقا) في إحدى المدارس التي درس فيها، وكانت كثيرة. صميم الشريف، حمل رسالة الموسيقا والأدب، بقوة واقتدار وتصميم، حمل شعلة الموسيقا لأجيال عديدة تعاقبت عليه. لقد ساهم مساهمة كبيرة في عملية (التذوق الموسيقي) التي نحن أحوج ما نكون إليها في عالم اليوم، عالم التطرف والحروب والمتغيرات والصراعات الدولية التي دمرت القيم والأخلاق والمبادئ.

لقد حارب هذا الواقع المرير بالموسيقا التي كان يدرك جيداً روابطها بالحب والحياة الحلوة، ويعرف جوهرها في حياة الناس، ويؤكد صلتها الحقيقية بالعالم الطبيعي والروحي، والحضارة والفنون الرفيعة والأحوال الاجتماعية ونظم المجتمع في العصور المختلفة. لقد كان رحمه الله- دائم التأكيد في كثير من دراساته ومؤلفاته ومقالاته ضرورة الحفاظ على موسيقانا العربية، والعمل على استمرار صفة أساسية من سماتها ألا وهي (الطرب) لأنها ميزة قد لا نجدها في أي موسيقا من موسيقا الشعوب الأخرى، وكان يدعو كل من يعمل في علومها إلى تأليف موسيقا مدروسة بعيدة عن الغريزية، يقودها هدف معين نبيل، لا تكتمل عناصره وغاياته الجميلة إلا من خلال المتابعة الواعية، والثقافة والعلم والتجارب المتواصلة.. كان دائم الدعوة إلى الاهتمام بموسيقانا التراثية، وتقديم الرعاية لها، عن طريق جمعها وتدوينها والتخطيط لتنظيم العروض الموسيقية لها في المهرجانات والفعاليات والأنشطة الثقافية العربية والعالمية، وتشجيع الاتجاه نحو النهوض بأغنيات التراث السوري وألحانها الشهيرة، والاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال، وأحسب أن أستاذنا الكبير قد رحل عن عالمنا غاضباً، لأن أعلام الموسيقا في سورية، وهم كثر، لم يعنوا بإيجاد مدرسة موسيقية ذات خصائص سورية على غرار المدرسة المصرية، والمدرسة الخليجية والمدرسة الرحبانية والمدرسة المغربية، والسبب، في هذا يرجع إلى قومية المؤلف والملحن العربي السوري، الذي لم يعترف بهوية غير الهوية العربية، ومن هنا كان الموسيقيون السوريون يتأثرون بغيرهم من العرب ويؤثرون أيضاً في غيرهم من خلال المنظور القومي الذي يحملونه. صميم الشريف كان حتى آخر أيام حياته الحافلة بالأمل والعطاء والمحبة، يعقد الأمل على المعاهد الموسيقية التي أنشأتها وزارة الثقافة، في قيام مدرسة موسيقية سورية تكون منارة للموسيقا العربية، التي يتوخى نهوضها على يد الجيل الموسيقي الجديد التائه في غمار الاتجاهات الموسيقية، ويطالب بتصحيح مساره نحو الاتجاه الصحيح، والأخذ بيده نحو تلك المعاهد التي لا يمكن لغيرها أن تصنع موسيقيين سوريين جادين، ومن ثم موسيقا سورية تنشر نورها الوضاء على العالم.

صميم الشريف.. كنت منارة كبيرة، في حياتنا الموسيقية والثقافية، وسوف تبقى مؤلفاتك ودراساتك الغنية والمهمة منارة تنير لنا الطريق نحو آفاق واعدة، وخطط مستقبلية، لاكتشاف ومعرفة منابع وعظمة موسيقا السورية الرائع، التي بعثتها من خلال كتاباتك عنها، من رقادها الشتائي الطويل. لقد انتصرت للشمس بأسلوب أدبي موسيقي، فكنت في حياتنا الموسيقية النقدية الريح التي تنفض الغبار عن كنجتها، وتشد أوتارها استعداداً للمعزوفة الأجمل، واستبشاراً بعودة النسغ بعد شتاء طويل.


د. علي القيم

الوطن

Share/Bookmark

اسمك

الدولة

التعليق