الباحثة الهام أبو السعود: تعليم الموسيقى حق من حقوق الطفل

04 09

الجو الملائم والمكان المناسب يساعد على الاستيعاب أثناء الاستماع

للبيئة دورٌ أساسي وغير مباشر في بلورة الذوق الموسيقي لدى الفرد في المجتمع فهو يسمع الموسيقى شاء أم أبى في كل مجالات حياته، في البيت، وفي الشارع، ووسائل المواصلات، وعن طريق وسائل الإعلام وغيرها.
فإذا أحصينا ما يسمعه طفلنا العربي من موسيقى استهلاكية لوجدنا أنه أصبح لا يفرق بين الجيد والرديء، ولن نبالغ إذا قلنا بأن كثيرين لا يعرفون ما هي الموسيقى العربية والأصيلة، ولا يفرقون بين ما يسمعونه وبين تراثنا الشعبي، لأنهم ضحية لهؤلاء الذين يرشقون ألحانهم كل ساعة من ساعات النهار، لذلك كان علينا أن نحاول ضبط هذا التأثير بحيث لا يترك علامات سلبية على أطفالنا ويشوه ذوقهم الجمالي.

حول أثر الموسيقى في تهذيب وتربية الذوق الجمالي عند الأطفال، وحول ما آل إليه واقع تعليم الموسيقى في المدارس، وما هي أهمّ الطرق المثلى والحديثة لتعليم الموسيقى التي تعد أسلوباً غير مباشر في تربية الأطفال وتوجيههم، كان لنا لقاء مع السيدة الباحثة إلهام أبو السعود -رئيسة لجنة الموسيقى في المجلس الأعلى للآداب والفنون-، المحاضرة في كلية التربية والملحنة لأغاني الأطفال، وسابقاً الموجهة التربوية الأولى للموسيقى.
أثرها في التربية الجمالية

ما أهمية التربية الموسيقية للأطفال؟ ‏
تقول الباحثة أبو السعود: «التربية الموسيقية من أهم الوسائل التي تحقق التربية الجمالية، ولها تأثيرها الخاص على مواد التعليم، فهي تساهم في تحقيق النمو المتكامل للطفل والمراهق والراشد على حدّ سواء، لذلك لابد لنا من أن نوظف التربية الموسيقية في مسار تعريف الناشئة على تراثهم الموسيقي العربي، مع توجيه الإمكانات لاستغلال المصادر الموسيقية لهذا التراث منذ مرحلة رياض الأطفال وإطلاعهم على مميزات الموسيقى العربية عبر مناهج جديدة تتماشى مع أحدث الطرق المتبعة في تدريس المادة في كل مراحل التعليم، مع التركيز على الجوانب العملية والابتعاد عن النظريات المجردة التي لا تتماشى مع طبيعة المادة».

من أجل تنمية الذوق
إذاً هل من الضروري أن يكون الطفل موهوباً لتعلم الموسيقى؟ ‏

تقول أبو السعود: «طبعاً لا، كلّ من يريد أن يسمع ويتذوق ويفهم الموسيقى عليه أن يتعلمها، يجب علينا أن نسمع ونتعلم حتى نفهم، وهذا يحتاج إلى تدريس ودراسة وليست موهبة تخلق مع الإنسان الذي يتأثر بالبيئة التي ولد فيها والتي بدورها تلعب دوراً هاماً في بلورة الذوق الموسيقي».
وتضيف قائلة: «وما يسمعه الطفل أيضاً عن طريق وسائل الإعلام، وهذا له تأثير غير مباشر على التربية، من أجل ذلك يجب ضبط هذا الوضع بحيث لا يترك علامات سلبية على الطفل ومن ثم يشوه ذوقه الجمالي».
دور المدرسة
من هذا المنطلق نرى أن للمدرسة دوراً هاماً في التربية الموسيقية؟ ‏

«نعم، لاشكّ أن للمدرسة الدور الهام والأساسي بل والمباشر في التربية الموسيقية»، وتضيف: «لنفرض أن التربية الموسيقية في المدرسة تعتمد على مميزات الموسيقى العربية، وأن المناهج منبثقة من صميم الموسيقى العربية وتعتمد في كل المراحل على الموسيقى العربية فقط وليس العكس بالنسبة للموسيقى الغربية، هذا لا يعني البُعد كلّ البُعد عن دراسة الموسيقى الغربية، بل يجب أن تسير دراسة الموسيقى الغربية جنباً إلى جنب مع الموسيقى العربية مع حفظ التوازن بين النوعين».
الناقد والموسيقي المتفهم
قلنا إن تعليم الموسيقى هو تربيةٌ، لكن الملاحظ بل والمؤكد أن الاهتمام بتعليم الموسيقى بدأ يفقد دوره في مدارسنا، فإلى أي حدّ يؤثر هذا الواقع على أطفالنا؟ ‏

«فعلاً، مع الأسف هذا هو الوضع وما يتمّ في الواقع في مجتمعنا العربي أن معظم الدول العربية تبدأ بتأسيس المدارس الموسيقية العليا وتهتم بها دون أن تولي أي رعاية أو اهتمام بالتربية الموسيقية للأطفال، وكأنهم يبنون سقف البيت قبل بناء أساسه دون الالتفاف إلى النقطة الحساسة في البناء وهي أن الأساس دائماً أهم من السقف».
وتوضّح الباحثة أبو السعود قائلةً: «فإذا أردنا أن نهيئ جيلاً واعياً ذا ذوقٍ موسيقي سليم يفرق بين الجيد والرديء، ويكون مستقبل جمهورنا الواعي والناقد الموسيقي المتفهم والفنان الذي يعتز بهويته العربية والعالم الموسيقي، إذا أردنا تحقيق كل ذلك فإن التربية الموسيقية في الوطن العربي والمجتمع العربي يجب أن تبدأ من دور الحضانة ورياض الأطفال فالمدرسة فالثانوية حتى ننتهي في الجامعة وعلى المستوى الأكاديمي المتخصص».
التحليل بدلاً من التركيب
وفق هذا المنظور لابد إذاً من وجود طرق مثلى أو حديثة للبدء بتعليم الموسيقى! ‏

«نعم، تعتمد الطرق التربوية الحديثة على التطبيق العملي والبعد عن التعليم النظري، والنظرية الحديثة المستقبلية في التربية الموسيقية تستند إلى علم النفس الوظيفي، والنظرية التجريبية الديمقراطية في التربية التي تقول "إن أفضل طريقة لتعليم الحقائق والمهارات في الموسيقى يجب أن تكون عن طريق استعمالها في ظروف طبيعية"».

وتشرح قائلةً: «يجب ألا يتعلم الدارس ،الموسيقى كحقائق مجزأة وإنما عن طريق استعمالها في تجارب لها معنى، لأنها منبثقة عن خبرته وبذلك تكون مهمة المدارس تزويد الأطفال بتجارب عديدة ومنوعة، وذلك بتهيئة الفرصة لهم للإصغاء إلى القطع الموسيقية التي تتناسب وقدراتهم، والعزف على الآلات المختلفة بل إنشاء وابتكار مقطوعات موسيقية بسيطة كل حسب استعداده وميوله العربية منها والغربية، وبذلك تعتمد الطريقة التحليلية بدلاً من الطريقة التركيبية».
دور المُدرّس
وتضيف: «من هنا يكون أساس توجيه الطفل في هذا المجال هو المُدرّس، فالتربية الموسيقية حق من حقوق الطفل العربي، وعندما يتوفر هذا المدرس المؤهل تربوياً وفنياً والذي يتبع باستمرار دورات موسيقية لتعميق معلوماته أولاً، واطلاعه على أحدث الطرق المتبعة في تعليم الموسيقى ثانياً، فنكون بذلك قد أسسنا هذا الجيل الواعي المتذوق».

وتتابع قائلة: «الجو الملائم والمكان المناسب يساعد على الاستيعاب أثناء الاستماع، ولتحقيق ذلك يجب أن تخصص قاعات للاستماع الموسيقي مجهزة بأدوات خاصة لتقديم الشواهد المسجلة المطلوبة».

الحديث مع السيدة الهام أبو السعود حديثٌ ذو شجونٍ، فهي تتحدث عن الموسيقى وكأنها تعزف وتغني، وإن كانت تتحسر على الحال الذي آل إليه واقع الموسيقى، لذلك فهي تؤكد على أن الاهتمام بالتربية الموسيقية تقوم بنقل التراث الثقافي والجماعي للمجتمع إلى الأجيال الناشئة كي يتشكل مستقبل مجتمع واعٍ، ذو ذوق موسيقي سليم يفرق بين الجيد والرديء، عندها يتمّ التطوير والاكتشاف لقوالب موسيقية جديدة وأفكار موسيقية متطورة نحو الأفضل، ومن أجل تحقيق ذلك لابد أن ننطلق من تراثنا الذي يمثل ارتباطنا بالماضي لتغيير واقعنا الثقافي الحضاري باتجاه المستقبل نحو الصورة التي نتمنى أن يصبح عليها هذا الموقع.


تشرين

Share/Bookmark

صور الخبر

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق

غدير:

انا بتفق مع الدكتورة يجب ان تكون الموسيقى احد المواد الاساسية التي تدرس في المدارس بدا من رياض الاطفال لما لها من دور كبير في تكوين الشخصية

jordan