نديم محمد

17 كانون الثاني 2012

في ذكرى غيابه الثامنة عشرة

يعتبر الشاعر الراحل نديم محمد من أبرز وأهم شعراء سورية في القرن العشرين من حيث غنى مادته الشعرية وغزارة إنتاجه رغم أنه كان شاعراً متطيراً كثير الخيبات في حياته التي ناهزت السادسة والثمانين عاماً عاش منها ما يزيد على سبعين عاماً منكباً على كتابة الشعر.

بلغ نديم محمد شهرته محلياً وعربياً بعد مشاركته في مؤتمر الأدباء العرب في بلودان عام 1956 حيث امتدت بعد ذلك إقامته في مدينة دمشق ليكتب بعدها أجمل قصائده في مقارعة الانتداب الفرنسي ومحاولاته لتقسيم سورية كما نظم شعره ضد الظلم الإنساني ومرضه إلى أن توفاه الله في بيت ابن أخيه وحافظ تراثه الأدبي الأستاذ غسان حسن في قرية عين شقاق في السابع عشر من شهر كانون الثاني عام 1994عن عمر ناهز السادسة والثمانين.

تعلم نديم محمد قراءة القرآن في القرية على يد شيخ الكتاب أولاً ليذهب بعدها إلى المدرسة في قرية العنازة ضمن منطقة بانياس على الساحل السوري لتعلم قواعد اللغة العربية ومنها إلى مدرسة الفرير في اللاذقية ثم إلى جبلة حيث نال منها الشهادة الابتدائية في عام 1925.

وفي عام 1926 تابع الشاعر السوري الكبير دراسته المتوسطة في مدرسة اللاييك ببيروت لينتقل منها بعد سنة ونيف مسافراً إلى فرنسا لإتمام الدراسة في جامعة مونبيلييه حيث حصل هناك على الإجازة في الأدب العربي لينتقل بعدها إلى سويسرا لدراسة الحقوق لكنه عاد في عام 1930.

شغل نديم محمد العديد من الوظائف بدءاً من عام 1933 فكان في جميعها مجابهاً لكل أنواع الظلم والفساد الإنساني حيث كان آخر ما شغله مديراً للمركز الثقافي في منطقة الحفة بريف اللاذقية ثم خبيراً في وزارة الإعلام السورية إذ عاوده المرض الذي كان قد أصيب به في عام 1939 وهو التدرن الرئوي ليدخل بعدها في مصح بحنس في جبل لبنان ليلازمه هذا المرض حتى أواخر أيامه.

ومن أشهر دواوينه «آلام» بثلاثة أجزاء قال عنه عميد الأدب العربي طه حسين في موءتمر الادباء العرب في بلودان لو لم يكن لنديم محمد إلا هذا الديوان فحري بالشعر العربي أن يضمه إلى فحوله الكبار.

يقول الشاعر الراحل في ديوانه «آلام» واصفاً غربته عن محيطه.. لا يدخلن أحد كوخي فلست أرى.. في الداخلين سوى لص ومغتاب جار من الوحش أو طير أعلمها.. أوفى وأخلص من جاري وأترابي.. حولي من الذئاب والعقبان طائفة.. هم كل صحبي وسماري وأحبابي.

وكان نديم محمد من الوطنيين الأحرار الذين تربوا على حب الوطن منذ طفولته الواعية حيث تشهد مواقفه القومية والوطنية على تمسكه بعروبته وأرضه من خلال قصيدته الشهيرة التي ألقاها عام 1926 في مدرسة اللاييك الفرنسية ببيروت ضد حكومة الانتداب الفرنسي في ذكرى إعدام جمال باشا السفاح لأحرار سورية ومثقفيها عام 1916.

يقول محمد.. بلى ننادي يعرباً يعربا.. طغى علينا النير يا يعربا.. ويعرب يوشك خلف البلى.. يغضب لو يملك أن يغضبا.. ما أجمل الذكرى إذا أضرمت.. في دمنا الجد وما أعذبا.

وحث شعر نديم محمد المواطن العربي على الحفاظ والتمسك بهويته القومية والوطنية حيث قال في قصيدته «الثورة الخضراء» مناشداً أحرار الوطن العربي في أثناء العدوان الثلاثي على مصر إثر تأميم القناة.. يا حر لا تلبس وشاح الليل في عز الضياء.. واغسل جبينك من غبار الضعف أو لون الحياء.. المجد ملحمتي وصوت المكرماتِ صدى غنائي.. لا تعجبوا أنا من عروق الشعبِ أصلي وانتمائي.. من قلبه نبضي ومن إيمانه الأسخى غذائي.

وتنبع أصالة الشاعر محمد من معايشته لأحداث الحرب العالمية الأولى ولاسيما بعد نزول جيوش الانتداب الفرنسي على الساحل السوري واندلاع ثورة المجاهد الشيخ صالح العلي عام 1919 حيث كانت قرية عين الشقاق قرية الشاعر التي رأى بأم عينه على وهادها وبين حروجها الجبلية الوعرة بعضا من معاقل الثورة ضد الفرنسيين الذين كانوا قد حاصروا قريته غير مرة ومنها شاهد مجموعات الثوار السوريين يقيمون الكمائن لجيوش الانتداب الأجنبي كما سمع هناك أزيز الرصاص ضد المستعمر.

ويعد ديوان «فراشات وعناكب» من أهم مؤلفات الشاعر الوجدانية حيث يتكون من إحدى وتسعين قصيدة نظمها الراحل على بحر المجزوء الكامل حيث يغادر هذا الشاعر فيه عالم الحب الآسر ثائراً متمرداً ليدخل عالم المرأة الطبيعة من بابه العريض مطلاً على آفاقه الشاسعة عبر ما تشكله المرأة من شكل يقارب تقلبات الطبيعة وأهوائها ونزواتها وبما تقدمه المرأة من أجواءٍ شاعرية تزكي العاطفة وتحتضن الخيال ومتعة الحس والرقة.

كما يوجز عبر هذا الديوان قصة حياته بلغة شعرية أخاذة مشرقة كمن يرسم لوحةً من الطبيعة الصامتة فيقول: وتركني الاخوة وكنت معهم في عراك.. وأنا وهم حلقة نارٍ مغرغرة اللهب.. في ليلةٍ زاخمة عاتية.. لو أغمضت عيني لرأيتها لمعةً لمعةً.. ولأحسستها قطرةً قطرةً.

ويصنف النقاد الأدبيون الشاعر نديم محمد من أهم رواد الشعر الرومانسي والمذهب الرمزي في الشعر السوري المعاصر حيث كان لمحمد نبرة شعرية خاصة اتصفت ببراءتها وعفوية مفرداتها ودقة وزنها وموسيقاها إذ تكون وعي الشاعر الجمالي في أكثر من مرحلة.

وكان شعر محمد مادة غنية للنقاد والدارسين للقصيدة الكلاسيكية المعاصرة ولعل أهم الكتب التي تعرضت لشعره ومسيرة حياته كتاب «نديم محمد سيرة حياة وكتابة شعر» للناقد جميل حسن الصادر عن وزارة الثقافة السورية عام 2000.


الوكالة السورية للأنباء - سانا

Share/Bookmark

اسمك

الدولة

التعليق