عمر أميرالاي صنع سينما حيّة متدفقة كالفرات

06 شباط 2011

أميرالاي كرس أفلامه لصياغة وعي الإنسان العربي

«وُلدت في الشام عام 1944 على مرمى حجرٍ من مقام شيخنا الأكبر محي الدين بن عربي، معطّراً بروحانيته مباركاً باسمه وكنيته، وقد عاهدت نفسي مذ صرت مخرجاً أن أنذر له ذبيحتين على روحه الطاهرة كلّما رزقت فيلماً». بهذه الكلمات يُعرف الراحل عمر أميرالاي نفسه في إحدى الحوارات، وما زالت روح الدعابة التي تمتع بها تَحُفّنا كما حَفّت روحه صوفية ابن عربي، بالرغم من رحيله المفجع مساء السبت 5 شباط 2011. خِفة دمٍ حجبت خلفها قلقاً عالياً لنقل واقع المجتمعات العربية وصياغة وثيقة حية عن تلك المجتمعات، قلقاً مثل أوار يتقد لن يستطيع الموت أن يطفئ جذوته.


عمر أميرالاي في أحد اللقاءات

كرّس أميرالاي جلّ أفلامه السينمائية للحديث عن المجتمعات العربية التي تبتلعها غياهب الفقر والجهل والتخلف. وقد عُرف بأسلوبه الخاص والمتميز، حيث حاول إضفاء بعد درامي تمثيلي على الشخصيات في أفلامه، لجعل المشاهد يتفاعل معها بطريقة لا تقتصر على كونها مجرد شخصيات تسرد تجربتها وتلخص مسيرتها أو واقعها؛ وليشعره بالتناقضات التي تكتنفها تلك الشخصيات والألم الذي ينبع من واقعها والإسقاطات والإشارات التي يحملها هذا الواقع كما في فيلم «مصائب قوم»، الذي يتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تقول إحدى شخصيات الفيلم: «معاشرة الأموات أحسن من معاشرة الأحياء لأنّه أريح وأخف لبكة».

ودونما وعي تتحدث الشخصيات في أفلام أميرالاي باسترسال وكأنّها في حالة تداعي نفسي، مستسلمة لتأثير الكاميرا السحري، وتأثير صوته الدافئ الرخيم، والذي يستفز كلّ ما هو إنساني بشخصياته، لتأتي زوايا الكاميرا والمونتاج وتكمّل البعد الأخر للشخصية، فتسخر منها تارةً وتظهرها بشكل ميلودرامي مفجع تارةً أخرى.


الراحل سعد الله ونوس

صنع أميرالاي أفلاماً كثيرة عن المجتمع السوري، وفي مراحل متقدمة من مسيرته انتقل لصناعة أفلام عن المجتمع العربي ومحاولة صياغة الوعي لهذا المجتمع ناكئاً جراحه وخيباته، فصوّر بالشراكة مع المسرحي الراحل سعد الله ونوس فيلم: «هنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث فيها المرء». يظهر ونوس في الفيلم وهو في حالة مرضية سيئة إثر إصابته بمرض السرطان. متحدثاً عن الكثير من الآراء السياسية والخيبات التي تلقاها كمثقف من جراء السياسية العربية وتحديداً النكسة، حيث يقول في الفيلم: «وعندما تأكدت لنا الهزيمة بإعلان استقالة عبد الناصر أحسست أنّي سأموت تلك اللحظة، أحسست أنّي أختنق، بكيت وبكيت وكان لديّ الشعور بأن تلك هي النهاية، نهاية ماذا لا أدري».

لقد استطاع أميرالاي أن يربط حالة تداعي المثقف العربي بمرض ونوس مختاراً الأبيض والأسود لوناً لعوالم الفيلم، فبدت الثقافة العربية برمتها تحتضر، وبدا أنّ المثقف العربي أسير تلك المرحلة حيث ظهر ونوس وهو يرتدي بجامة تشبه البجامات التي يرتديها السجناء، وبدا أنّ جيل كل تلك الفترة يحتضر وهو على مشارف أن يتجاوزه التاريخ.

في فيلم: «الرجل ذو النعل الذهبي» يعرض أميرالاي لعلاقة المثقف بصاحب السلطة ورأس المال، تلك العلاقة الإشكالية المعقدة. وقد قام أميرالاي بتصوير الفيلم مع الراحل رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، حيث تابع في هذا الفيلم محاولة صياغة وعي المواطن العربي عن طريق توصيف تلك العلاقة ومحاولة إظهار مواطن الخلل فيها.


مشهد من أحد أفلام الراحل عمر أميرالاي

لقد أصر أميرالاي على صناعة الفيلم الوثائقي، وفي هذا السياق يقول في حديثه لقناة الجزيرة: «الفيلم التسجيلي لم يخذلني على مستوى التعبير ولا على مستوى علاقتي بالواقع، لأنّه بالنسبة لي الفيلم هو نتاج عَرَضي لعلاقة جديدة أبنيها مع الواقع عند كل مشروع فيلم، والفيلم يأتي كمحصلة لهذه المغامرة الجديدة التي أرمي نفسي فيها في الحياة وفي اكتشاف الناس». وحاول أن يصنع أفلاماً ووثائق بصرية عن الفترة التي عاصرها وعايشها. وكان مفصلاً مهماً في تاريخ السينما العالمية والعربية، وأدى دوراً مهماً كمثقف بعيداً عن الانتلجسيا التي يعيشها الكثير من المثقفين والفنانين في الوطن العربي. لقد قال أميرالاي ذات مرة: «أريد أن أعمل سينما فُراتية، سينما متدفقة جارية غير ساكنة». ولقد أثبتت كلّ أفلام أميرالاي أنها أفلام متدفقة جارية غير ساكنة تضج بالحياة والأسئلة والإبداع والنقد البناء والصادق.

ولد أميرالاي في دمشق عام 1944.
درس الفن المسرحي في مسرح الأمم في باريس عامي 1966-1967. ومن ثم انتقل إلى دراسة السينما في معهد (IDHEC) ثمّ التحق بالمعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس، لكنّه انقطع عن الدراسة بسبب أحداث الطلبة عام 1968.
أنجز أول أفلامه بعنوان «محاولة عن سدّ الفرات عام 1970.

كما أنجز العديد نم الأفلام منها:
الحياة اليومية في قرية سورية 1974، الدجاج 1977، عن ثورة 1978، مصائب قوم 1981، رائحة الجنة 1982، الحب الموءود 1983، فيديو على الرمال 1984، العدوّ الحميم 1986، سيّدة شيبام 1988، شرقي عدن 1988، إلى جناب السيّدة رئيسة الوزراء بنظير بوتو 1990، نور وظلال 1994، المدرّس 1995، في يوم من أيّام العنف العادي، مات صديقي ميشيل سورا... 1996، وهنالك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدّث عنها المرء 1997، طبق السردين 1997، الرجل ذو النّعل الذهبي 1999، الطوفان 2003.

حل ضيفاً على العديد من المهرجانات العربية والعالمية، وفاز بالعديد من الجوائز العالمية.


عروة المقداد - دمشق

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

من أفلام الراحل عمر أميرالاي

مشهد من أفلام عمر أميرالاي

عمر أميرالاي في إحدى اللقاءات

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق