فضاء ياسر حمود

كرنفال النور
في إشراقات ياسر حمود

فضاء ياسر حمود

تصدير أول
الفنان هو اليد التي وعبر الاستعمال الملائم لهذه اللمسة أو لتلك، التي تدفع بالروح الإنسانية إلى الذبذبة. واضحٌ إذاً أن هارمونيا الألوان يجب أن تقوم على مبدأ الدخول في علاقة مباشرة مع الروح الإنسانية فقط، وسوف تحدد هذه القاعدة كمبدأ الضرورة الداخلية.»
فاسيلي كاندانسكي
الروحي في الفن وفي التصوير بصورة خاصة. ص112

تصدير ثانٍ
تُرى ما الذي يبث الدفء في أجسامنا الصغيرة عندما تلتقي أبصارنا بلوحات ياسرحمود؟ ولماذا تنحبس أنفاسنا ثم ما تلبث تتسارع كلما أمعنا النظر فيها؟ أهي الدهشة إزاء عالم ميكروكوسمي يتحول فجأة إلى عالم ماكروكوسمي؟ أم هي إقامة في البرازخ التي تشدنا إلى عالمين أولهما مادي متشكل وماثل وثانيهما تهويمي يقيم في اللامُنتظر أو في اللامحدد، ذلك العائم والسائح الذي يتسرب من فجاج الذاكرة والنسيان؟

1- مقولة التناظر
تتأسس تجربة «إشراقات» للفنان ياسر حمود على فكرة تناظر بسيط بين مكونات الرؤية والإبصار والتخيل والإنجاز، وهو ذات التناظر الذي يحكم لعبته التشكيلية. تناظر بين عالمين يكون المحور فيه عالم من البرازخ التي بقدر ما تفصل تصل بينهما. ثمة، بين التجريد الخالص للوحة ماثلة والتجريد القائم في التعاطي مع الأبعاد المشهدية للطبيعي وللكوني، مسافة صغيرة يقطعها ياسر حمود في عتمات المساحات الداكنة، المسطحة والممتدة حقلاً من الظلمة والسكون، عتمات لا يلبث يضيئها بِلمسة أو بتدرج ضوئي في اللون، أو بانكسار فجائي في المساحة المسطحة، أو بخط ناري مضيء. أحداثٌ صغيرة ثُبتت على القماشة بعد أن كانت منفلتة أو هاربة، تصدعات في عتم اللون والملمس والمسطح، كما لو كانت فجاجاً أو تمزيقاً لغِشاوات عدة، هي ليست من باب التسجيل الذي عهدنا لدى الانطباعيين، أو من باب إعادة اكتشاف الطاقات الإبداعية للون عند الوحشيين والتعبيريين، بل أسطرة لأزمنة قصيرة للغاية هي مواقيت التأمل، تلك التي تعطي للوحات ياسر حمود طاقاتها اللونية القصوى. ونقصد بالطاقات اللونية القصوى ما يطفو على مساحة اللوحة من إشباع لوني صارخ يحول اللمسة واللطخة إلى مصادر ضوء كثيف وإلى قوى مصارعة من أجل الظهور. تناظرٌ هي لوحات ياسر حمود، تناظر بين الكوني الطبيعي والإنساني المُصطنع، بين الكلياني الماكروكوسمي الشبيه بالغيهب الشاسع المطل على الضياع والتيه، وبين الجزئي الميكروكوسمي المؤدي إلى ردهة الطمأنينة خلف الثبات، بين الداكن إلى حد السواد، المنغلق على ذاته متوحداً، في انعدام إمكانية النفاذ إلى العمق، والمنفتح على جوانبه الأربعة كأنه يمتد طولاً أو عرضاً بمثل الأرض كما كانت قديماً. تناظر بين القاتم الممدد في هدوء، والنوراني المنبثق في وميض وشاعرية السائح والمنساب تدفقاً. تناظر، هكذا أردنا للاصطلاح أن يتجاوز التقابل أو التباين والتضاد سواء في الكم أو النوع أو الخاصيّة اللونية والملمسية، وذلك لنؤمن صيغة التعادل أو المعادلة بين الطبيعي الكوني والإنساني المُبدَعِ.

منذ أعماله الأولى، وفي تجربة «تكوين» ثم في تجربة «تجليات»، أظهر ياسر حمود وعياً حسياً بالفضاء، ولنكون أكثر دقة بالأبعاد الفضائية للوحة عند حمود. هذه الأبعاد ليست من بنات تطبيق المنظور الكلاسيكي أو من خلال تجسيم التراكم والتراصف بين الأشكال والمساحات التي تخدع لتوهم بالبعد والقرب، إنها الأبعاد التي تمتد من السواد المحيط إلى النور المُنبجس (نستعمل لفظة نور كاصطلاح عِوَضاً عن الضوء، لاعتبار أعماله إلى النورانية أقرب منها إلى الإضاءة، النورانية التي تدل على النقاء والصفاء كما لو كانت طهارة بكر)، الأبعاد التي تخرج من العتمة الموات إلى النور الحياة. بهذا يمكننا أن نترجم الصخب الذي يطفو على سطح لوحات ياسر حمود، بمثل ما يمكننا أن نترجم الهدوء المنبعث من بعضها كحالات من الوجود الإنساني المصارع للسكون (السكون أو البرودة أو الجمود وكلها تفيد الموت). يتحول الإحساس بالأسود إلى الإيجاب، إذ هو ليس بغياب جميع أشكال الإحساس، من العدم أو من الفراغ إلى الامتلاء (معانقة الذروة)، ومن البرودة إلى الدفء، من السكون إلى التوهج، تنبني المعادلات لتكون اللوحة توازناً خالصاً ومجرداً من كل القوانين التقليدية، قوانين البنية والشكل وخطوط القوة والجاذبية وغيرها، تصير اللوحة تلقائية وعفوية، وليدة زمنها ومواقيتها المعلنة بالرغبة والإرادة لدى الفنان. يقول «تابياس» عن هذا الفعل :»يجب إذاً، دفع تجريب الإدراك البصري للأشكال والألوان إلى أبعد ما يمكن، الكسر مع النواظم والشفرات، الارتماء في الفراغ وقبول الصدمة البكر، التي تحول ما نريد البحث عن إيصاله إلى مرئي».

ليس الأسود أسودَ خالصاً، إنه أسود بني أو أسود أزرق، أسود ملون متلون ومصبوغ، لذلك نقول أن هذا الأسود إيجابي سواء كان مميعاً نفاذاً للضوء أو عاتماً تملؤه المواد فيمنع تسرب الضوء. إنه أسود ذو طاقة لا يعرفها إلا الرسام الملون، الذي يتمكن من ترجمتها إلى أكوان متعددة. مساحات داكنة تستدعي التأمل وتحفز الانتظار كما لو أنها سينوغرافيا شرقية مستمدة من خشبات المسرح الصيني، حيث تأخذ النيران والإضاءة الملونة دورها في هتك سر سكون الأسود وامتدادات الفضاء إلى اللانهاية. وهنا تصبح حركات الرسام بفراشيه العريضة والنحيفة خرقاً أو فتقاً ثم رتقاً يتلوه فتق، حياكة مستمرة تتقاسمها قوى الحركة بين البطء والسرعة، بين الطمس والمراكمة وبين الشفف والتدرج الضوئي واللوني في ذات الوقت، في حرية المجرب أو المناور المغامر. إن نوعية أو خصائص الأسود لا تتحدد إلا من خلال المواد والتقنيات المستعملة ونحن إذ نلحظ تمرير الفرشاة أو السكين العريضة، نشعر بتحول الأسود إلى مرايا رخامية قابلة لتلقي جميع الألوان والمؤثرات البصرية الأخرى، ذلك أن الخلفية تنقلب إلى سواد وترتد عن بياض القماشة الأصلي، كأن الخلفية مستمدة من الرسم النهضوي أو ما قبله عندما كان الفنان يعمَدُ إلى تلوين المساحة الأصلية للرسم بالسواد. هي مرايا تتلون وتُكشط، فتبرز نتوءات ضئيلة الظهور وتلتمع لمسات صغيرة وتنفتح مساحات مقتطعة عنوة عبر التأطير، ويصبح الفعل التشكيلي خرقاً لسكون الداكن وفتقاً لتماسكه، بل يصير مُوِّلداً للإدراك البصري القوي ضمن انعدامه أو موته بفعل سيطرة الظلمة. في الظلمة يولد نورٌ ومن الصمت يخرج الصوت يشق طريقه إلى الأذن، هكذا من تشرب الضوء وضياعه في غياهب السواد يندلع وميض الألوان بقوة لا تضاهيها إلا قوة تدفق الأنهار من الصخور، قوة تفجيرية نادرة، واعية وحساسة، كما لو كان موسيقياً يسرب أصواته أو يعلنها مفاجأةً، ووجوداً يخترق الكون. بهذا يصبح الرسم تأسيساً للوجود وللذات وصيغةً من صيغ المناجاة التي يصعب إدراك كنه تفاصيلها، فلا يمتلك المرء إلا تجريد لغته كأنه يتجرد من خطاياه. تجريدٌ يناظر تعبيراً، هذا ما تعلنه فتحات الضوء في الظلمة وانبجاسات الخطوط فوق المساحة دون إعلام مسبق أو دون تفكير وبرمجة. تأتي الحركات تباعاً فتلغي الشكل بعد أن كان سيّداً وتعطي للون وللحركة وللملامس المتولدة عن العجائن حضوراً صارخاً يعلنه التموج والتدرج والضبابيّة والوضوح وشتى تمظهرات الأفعال التشكيلية الممكنة. من هنا تعلن اللوحة لحظات البدء والولادة أو الكشف وتصير إلى عالم يغادر الهندسة والمنطق والقوانين والبرمجة، عالم اللاتقايُس كما يصطلح عليه تابياس. بهذا تتأسس معادلة التناظر بين التجريدي الخالص والتعبيري الحر، الذي يدفع بقراء لوحة ياسر حمود للحديث عن تفجير الطاقة اللونية ضمن التجريد، وفي خلدهم تجارب الوحشيين أو التعبيريين، والحال أن هذا الضرب من التشكيل حديث ومعاصر من التعبيرية الحديثة.

2- المغامرة والارتماء في المطلق
تكتفي العناصر الشكلية واللونية المبهمة بذاتها، وتمتد التدرجات اللونية في بعض الأحيان لتُوَّحِدّ الفضاء، وفي أحايين أخرى لتُخَلْخِل التواصل، معلنةً عن الحدث ومولدة للاسترسال. تتمطط الأشكال وتفيض على الخطوط المحيطة أو التي تبدو وكأنها تحيط وتحدد الفضاءات والمساحات وتمتد الخطوط في تعرج أو في انحناءات حرة تختار لها يد الفنان مساراً موازياً أو متقاطعاً مع التراكمات الممكنة والتي تبني الفضاء الجديد والمختلف، الفضاء المباغت، فتتوحد المساحات الكبرى وتلتحم بالصغرى في انسيابية لا معتادة، ويؤسس اللون بمعية الشكل مسارَ يوم أو مسارَ ساعة أو مسار زمن من أزمنة الحياة. إنها أشكال لا طبيعية ولا هندسيّة، أشكالٌ يلقيها الفنان بحركات الفرشاة جيئة وذهاباً، صعوداً ونزولاً، حركات لا يمكنها أن تتأطر بغير الطاقة الجسدية والمتعة الحسية للامتداد أو الارتماء في المطلق. المُطْلَقْ ! إنها لفظة أو عبارة مخيفة، المطلق، أبيض مثل الضوء القوي الغامر المبهر، أو أسود داكن مثل الليل الطويل والعميق، أو مثل سراديب طويلة ودهاليز ممتدة. المُطْلَق! هذا المرهق أرحب من تفاصيل الحياة اليومية وأوسع من جدران الورشة، إنه تأسيس الانفتاح والفتح وكل علامات الاستقبال. يفتح ياسر حمود للضوء منفذاً، يدفع ياسر حمود مساحات لوحاته إلى النور، إنه يسحب من ذلك الذي في عتمة الظلمة والقتامة روح التوقد ويطلق ذاته لترتقي إذ ترتمي في عالم من نور. ها نحن ذا نوشك على التورط في رومنسية لا نرتضي التوقف عندها، لكنها تستدعينا لنقف عند فعل الارتماء الذي يمارسه الفنان واللون والمادة معاً بتقنية الإلقاء (كمن يلقي بنفسه أو يلقي شيئاً)، إلقاء فيه تداعي وتماهي بين الرامي والمُلقى، فيه من الشاعرية ومن الحكمة ما يلتقي على عتبات الحرية والانتظار، وإلا ما هو مصير الفن إذاً: إنه هو الذي يفتح أعيننا ويوقف آذاننا ويوقظ الحرية النائمة في أعماقنا. أراد ياسر حمود أن تكون إشراقاته وقبلها تكويناته فتجلياته عوالمَ يستعيض بها عن الواقع، يسافر من خلالها إلى رحاب المتخيل ويغادر القدر القسري للزمن. إن العمل الفني بهذا الفعل عمل بناء، خالقٌ ومبتكر لتأسيس ضدي للعالم المعتاد على حد تعبير «ميشال ريبون».

تبدو المغامرة عند ياسر حمود مولداً قوياً للحظات التوتر الداخلي والهدوء اللذان يحكمان علاقته بالقماشة وبأدوات العمل ومواده. لذلك تستحيل كل علاقة باللوحة الواحدة إلى مغامرة فريدة لا يمكن أن تعاد أو أن تستعاد. وإذا ما أردنا فهم هذا المبدأ نحيل القارئ إلى أعمال الفنان الأمريكي «مارك رودكو» التي قد تعلن لمتلقيها عن تشابه شكلي وربما لوني صارخ، غير أنّها تختلف عن بعضها البعض اختلافاً عميقاً. وبما أننا طلبنا من أعمال «رودكو» أن تكون نموذجا بيداغوجياً لهذه الفكرة، فإننا نريد الإشارة إلى أن كل عمل من أعمال ياسر حمود، ورغم ما تبديه الأعمال من تشابهات شكلية في الغالب، ليس في الحقيقة غير إشراقة من إشراقاته، أو بالأحرى اتجاه وناظم مخصوص من نواظم إبداعاته، التي تحتكم إلى خط ونهج واحد ومتوحد. فالعمل الفني يؤسس وجهة فكرية وفي الغالب وجهة لفكر عميق، إذا ما أردنا الاستناد إلى مقولة «أدورنو» بأن مضمون الحقيقة يتنـزل في الأثر الفني، بما أنه ثمار التقارب بين الشكل والفكرة. إن هذا التواطؤ المحبب بين الشكل والفكرة هو الذي يعكس النجاح في إيصال المضامين، أو حتى القبض على الحقائق، التي لا تعني المقابل للخطأ، بقدر ما هي الدفع للثرثرة وللامعنى خارج إطار العمل وإحكام العلاقة بين التصور والإنجاز. لذا فإن العمل الفني يحمل في طياته رؤيةً للعالم بتساؤلاتها ومخاوفها وآفاقها وشكوكها، أو ما يصطلح عليه بالمضمون الفكري. هذا ما تعكسه المغامرة بروحها الجامحة وبطاقاتها المتدفقة عند ياسر حمود، فالجميل في إشراقاته ليس المُعجب والعجيب، بل المثير والمدهش. فهل عاود ياسر حمود رحلة «إيكاروس»، فاستنهض القوى الإنسانية وأنشأ من سواد واقعها محاريب النور المتعددة في لوحاته ؟ أم أنه أربك قوائم «أبولون» وكسر منطقيته للإقامة في أحضان «ديونيسوس» ؟ كلا إنه يواجه ظلمة «ساتيرن» المُعذبة لوعيه الإنساني بحركاته «الديونيسوسية»، فيُنبت في رحم الظلام وفي فراغ السواد انبثاق النور وتولد المعنى.

3- الروحنة / القداسة
تجلت الحقائق وأشرقت الأنوار وعم الفيض، «تجليات» فـ»إشراقات»، عناوين من معجم قدسي يرتبط أساساً بالشرق وميراثه العقائدي، بالدفع الداخلي لدياناتٍ شتى من أدنى الشرق إلى أقصاه، وها نحن ذا أمام صيغة من صيغ الروحنة أو القداسة، يسحبنا إليها ياسر حمود وكأنه يشير إلى ما يعتقده «هيجل» من أن التعبير عن المقدس أو الفكر المطلق هو الوظيفة السامية للفن، بمثل وظيفة الفلسفة والدين. فهل بإمكاننا أن نطلق اصطلاح التصوف على شخصية ياسر حمود جزافاً، مثلما قام به عدد من المتناولين لأعماله، أم أننا مطالبون بالخوض في ذلك حتى تكون أفكارنا أكثر واقعيةً وموضوعية؟

ثمة، ما بين الأرضي المادي والمادوي الماثل بين الأيادي وأمام الأعين وما بين السماوي والعلوي البعيد/القريب الذي تتطلع له الأنفس، تقابل وتنافر وتقارب في نفس الوقت. إلا أن الأرضي والسماوي لا يمثلان غير الطبيعة، الطبيعة التي تتأول إلى عدة أبعاد وتفتح على مجالات شتى. وبما أن الإنسان ينتمي هو الآخر إلى الطبيعة، فإن الفن لا يقتصر على الأخذ بالطبيعة نموذجاً لفنه، بل هو في حد ذاته حالة خاصة من حالات الطبيعة. وعلى ذلك فإن الأشكال تنبعث أو تَنْوجد سواء عبر الحادث أو النمو وضمن مشروع أو وفق قالب ما.

يقول ياسر حمود في نصه الشعري المصاحب للإشراقات:
«أنتظر سُقوطُ السماء على أرضي، لأرسم أبعادها
وأسأل الغائبين، كيف يكون أول سمعهم
قولاً من نور
وكيف يكون عدم الشكل».

يبني ياسر حمود علاقته بالطبيعة كما نرى على أساس أنها قوى متحولة، كأن يطلب سقوط السماء على الأرض أو أن يحول السمع إلى تبصر النور أو أن يندثر الشكل فتتبخر الحدود وتنساب العناصر إلى حالة من الامتزاج. إنه يبني من خلال أعماله مرآة حركية (عاكسة ومنعكسة) بغيرها لا يمكن للإدراك أن يتم، أو للعين أن ترى، أو للغة أن تقال. لم يكن هذا البناء سوى وليد افتراض علاقة روحية بالأرض والسماء أو بالطبيعة في شموليتها، وهو وليد التجربة العملية والحياتية التي تنشأ عن خبرات حسية جمالية، مثلما تنشأ عن خبرات تقنية وأسلوبية. يسعى ياسر حمود إلى الالتحام بالطبيعة وبقواها ليس من أجل ترجمتها أو من أجل البرهنة على قدرة الخلق التي فيه، بل من أجل ربط عناصر الطبيعة، تفاصيلها ومؤثراتها بالدلالات العميقة على كنه الحياة، التي تجري في مكوناتها (إنساً وحيوانات ونباتات وجماداً) وعلى صبغة الانسجام والصيغة الشمولية للكون. وهذا ما يذكرنا بالمعتقدات والديانات الشرقية القديمة كالبوذية والطاوية، ذات الفلسفة الصوفية الطبيعية لدى الصينيين، أو بالديانات البابلية الآشورية القديمة، وهي ديانات تحث على المواءمة مع الطبيعة. وقد يكون في هذا ما دفع بالفنون الشرقية القديمة ومن أهمها الصينية إلى إيلاء المشهد الطبيعي منزلةً هامة في أحيزتها الفنية.

ليس ثمة فعل آدميٌّ خارج عن أطر الطبيعة مهما كان خارقاً، إنه أنسنة وامتداد لما في الطبيعة رغم الصبغة الثقافية للفن التي تبدو وكأنها متعارضة مع الطبيعي بشكل أو بآخر. وعندما يشير حمود إلى التأمل وإلى الاستمداد من الطبيعة، يدفع بنا إلى دائرة التذكر الذي بموجبه قد ينزلق البعض إلى تأويل مبني على المشابهة أو المطابقة بين أنظمة الحركات اللونية والمادية فوق اللوحة وبين ما نلاحظه في الطبيعة من عوامل وتمظهرات. بيد أن الأمر على درجة من البساطة والتعقيد المُكوِّنين لقطبي التجاذب في عملية الإبصار والقراءة معاً: يكمن الأول في الإبصار بالتذكر والثاني في تجاوز الذاكرة إلى مطلق الأشياء ومبادئها. وفي إشراقات ياسر حمود انفلات وعفوية، حكمة وصرامة، دقة واختيار، صخب وهدوء، سرعة وبطء، جسد وفراغ، وزن وانعدام للجاذبية وسقوط في الضوء. في لوحات ياسر حمود الكبيرة الحجم نسبياً تماسك الألوان وتنافرها، عالم مرئي متأجج ناتج عن رغبة وإرادة وحسية. قد يكون هذا الأسلوب المتداعي في الإنشاء شاعريّاً، لكننا أردنا بذلك مجاراة النسق للقول بأن الضرورات الداخلية للشكل واللون والحركة وللطاقة النورانية وللامتداد هي التي تتمرأى لتجد نفاذها تصريفاً للفعل وللكتابة التشكيلية، عبر اللمسة واللطخة والخط والرقص وغيرها من الحركات. وسواءً كان أسودَ أو أبيض أصلُ الحامل أو بدايته، عريضاً أو نحيفاً شكلُ الفرشاة وسُمكها، وطيفية الألوان نقية أو مرمدة، ومختزلة المساحات أو متعددة، فإنّ الأدوات والحالات فروع الكائن كما يصطلح عليها «موريس مارلوبونتي» في «العين والعقل». وتظل حركة الرسام هي ذاتها الإشراقة والإشراقات، هي وجوده في محاولة لمعانقة البدء الأزلي أو المنتهى، وفي كليهما رغبة جامحة في العودة إلى الأصل، إلى الموسيقى التي يراها شكسبير ضرورية للإنسان حين يؤكد في «تاجر البندقية» أن الإنسان الذي ليس في كيانه موسيقى أو لا ينفعل لها فإن حركات روحة كئيبة كالليل. لذا يجد قول ياسر حمود بأنه يصارع الموت ويفنيه بالفن صداه في استنهاض الروح ونواسها، حين تبتكر لنا أيديه عوالم الإشرافات أو الانبعاثات كما لو نطل على البدء من جديد. وهذا هو مكمن التصوف، لا بالمعنى الديني المتعارف عليه، بل بالمعنى الإبداعي المنفتح على التأمل الجمالي الخالص للأشياء ولعالمها وللطبيعة الأم.


د. فاتح بن عامر