اعتصام عفوي لمحبي فيروز في حديقة القشلة بدمشق

بالتزامن مع اعتصامي بيروت والقاهرة

نفذ محبون للفنانة فيروز اعتصامات صامتة في عدة عواصم عربية، ومنها دمشق، للتنديد بمنعها من الغناء بسبب خلاف عائلي بين ورثة الأخوين الراحلين عاصي ومنصور الرحباني، ففي حديقة القشلة في دمشق القديمة، اعتصم العشرات يحملون لافتات كُتب عليها دعوات لإنقاذ فيروز من هذه المبارزة الإعلامية وتركها تغني بحرية لمحبيها الذين يحتاجونها.

«اكتشف سورية» كان هناك، وشارك المعتصمين إعلان رسالتهم: «فيروز رمز كبير بحجم أوطاننا، فمن المستحيل إسكاتها»، وكان لنا لقاءات مع بعض المشاركين الذين كانوا يغنّون ويرسمون. فالسيد أحمد باشا -طالب في المعهد العالي للفنون المسرحية- انضم إلى الاعتصام وغنى مع رفاقه أغاني السيدة فيروز، ويقول: «أي إنسان في هذا العالم يجب أن يتضامن مع صوت فيروز، فنحن لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي عندما نسمع أن هناك من يحاول منعها من الغناء. إنها جزء من ذاكرتنا التي لا تُمحى، لتصبح بصوتها الملائكي إيقونة مقدسة لدينا نحن السوريين».


جانب من الاعتصام الرمزي والعفوي في حديقة القشلة بدمشق القديمة

أما السيد شربل الآتي من لبنان فيحدثنا عن رأيه بما تشهد بعض العواصم العربية، من بيروت ودمشق والقاهرة، من مواقف شعبية مساندة لفيروز، ويقول:«لست متفاجئاً من الاعتصامات التي تشهدها بعض العواصم العربية ومنها دمشق، ففيروز في قلب كل العرب دليلاً على المحبة التي يكنونها لها، خاصة أن اسمها قد تجاوز حدود الوطن العربي لتصبح مطربة كونية. وهاهي هذه الاعتصامات تأتي كداعم معنوي لها ولكل عشاقها».

أما جفرا يونس -الطالبة في المعهد العالي للفنون المسرحية- وقد ألهبت مشاعر الحاضرين بحبها لفيروز وغنائها العذب، تساندها والدتها، ليقدما الحب والوفاء لسيدة الصباح والمساء وليقولا لمن غنت «يلبقلك شك الألماس» بأنهما متيمتان بها، وتقول جفرا: «جاء هذا التجمع بشكل عفوي لنقول لفيروز بأننا معك، فنحن جيل سوري كَبِر على عشق صوتك، ومن المستحيل أن يمر يوم دون سماع صوتها الذي ساهم بتربيتنا. فمع صوتها تشرق شمس دمشق، ومع رائحة القهوة المنبعثة بين أزقتها ودكاكينها نسمع ذلك الصوت الملائكي مبشراً بقدوم الفرح والعيد».

أما السيدة أم محمد التي حضرت مع حفيدتها فتشير إلى القيمة الفنية لعائلة الرحابنة وتضيف: «لقد ساهم الرحابنة بشكل كبير في تاريخ الأغنية العربية، وهنا أقصد فيروز وعاصي ومنصور والياس وزياد. ومن المؤسف أن يسلك ورثة منصور الرحباني هذا الموقف الذي يسئ إليهم بالدرجة الأولى. لقد كنت من الأشخاص الذين رافقوا مسيرة فيروز الفنية، ومازلت أذكر حفلاتها التي قدمتها على مسرح معرض دمشق الدولي. عندما أشاهد هؤلاء الشباب هنا، أشعر بالفرح أن هنالك جيل جديد يعرف قيمة فيروز الكبيرة، وأنا أوافقهم في تصرفهم واعتصامهم، فمن المعيب فعلاً أن توضع شروط مادية لغناء هذه الفنانة الكبيرة».


رح نزيّن الريح لفيروز

يؤكد السيد معن ملحم -طالب في كلية الهندسة المعلوماتية- على حق فيروز بالغناء دون أي شروط مسبقة، ويذكر أن المغنية الشابة التي بدأت من الإذاعة السورية هي ملك لكل العرب: «كل من يقف أمام صوت فيروز خاسر لا محال، فهؤلاء الذي يريدون الشهرة من وراء هذه المواقف السلبية يصغرون بتصرفاتهم هذه. نحن مع السيدة فيروز وواثقون بأن ما تمر به هو أزمة عابرة، وسيبقى صوتها معشوقاً لكل العرب صباحَ مساء، فهي رمز من رموز عروبتنا».

بين المعتصمين كان الزميل طوني جروج -مسؤول التحرير في الأوس للنشر-، الذي حدثنا عن رأيه بالشراكة الاستثنائية التي أنشأها منصور وعاصي وفيروز، فيقول: «صحيح أن الأخوين رحباني قد وضعا حالة فكرية إنسانية متكاملة، ومن الطبيعي أن يطالب ورثتهما بحقهم فيها، لكن لا ننسَ من كان يساعدهما في تقديم ما كتباه إلى الناس، الذين عشقوا ما كتباه عندما قدمته فيروز؛ فهي من جعلت من كل الأغاني التي أدتها -إن كتبها الرحابنة أو غيرهم- شريكاً لنا في لحظات يومنا بكل حالاته الفكرية والروحية والعاطفية، بطريقة لم يتقنها غيرها من كل المغنين، مما يجعلها ركناً أساسياً في كل ما أدته».

«هي رسالة ثلاثية»، يقول المهندس جرّوج: «لقد عرف كل من عاصي ومنصور وفيروز أن ما يقدمونه ليس أغانٍ لأذني عاشقين، أو لبندقية مناضل، أو لقلب خاشع أمام ربه، أو لضمير حاكم في أن يعدل، لقد عرفوا أنهم يقدمون حالة متكاملة تشارك الجمهور قلبه وروحه وضميره وتاريخه، ليسموَ الجميع إلى الضوء ولو في ظلمة. ولأنهم كانوا متأكدين أن ما يقدمه ثلاثتهم لا يتجزأ، لم تكن لفكرة أحقية فكرية لمالك دون آخر أي معنى، بل على العكس. لقد علموا أن رسالتهم تقتضي النشر والمشاركة لتكتمل».

كما يوجه عتباً إلى الجميع في العائلتين، ويقول: «للأسف، فاليوم يتنازع الجيل التالي بعد عاصي ومنصور ليعاملوا هذه الحالة على أنها أغانٍ، لتضيع الفكرة التي عمل الجميع على تحقيقها: رسالة إنسانية فكرية للجميع. عتبي عليكما يا عاصي ومنصور، لأنكما لم تعلِّما ورثتكما ما تعنيه هذه التجربة اللامادية، لأنكما لم تشرحا لهم ماهية الشراكة والحقوق التي يملكها كل من الشركاء الثلاثة جمعاً أو فرداً. وعتبي عليكم يا ورثة منصور وعاصي لأنكم ذبتم في هذا الزمن الرديء حين أصبح الفن الراقي منبراً للتطاول والتجريح، والمناقصة والمزايدة، والادعاء واللعب». وفي النهاية، يوجه نداءً إليهم جميعاً: «أرجوكم يا ورثة عاصي: زياد وريما، ويا ورثة منصور: مروان وغدي وأسامة؛ أن اتركوا فيروز تغني وحلوا مشاكلكم بعيداً عن هالتها. لا تدنسوا الرسالة، فقد تكسر الكثير من الأحلام في هذا الزمان فدعونا ننعم بالحلم الجميل فيروز».


يمر الاعتصام وينتهي، لكن ضمائرنا ستبقى تسمعك مهما حاولوا إسكاتك، فما الذي يجعل منظمي حفل لفيروز على أحد مسارح أوربا ليبدؤوه بالنشيد الوطني اللبناني؟! لقد عرفوا أنك تمثلين لبنان الذي عشقتِه، وعلَّمتِنا كيف نعشق أوطاننا ونعبر عن ولهنا بحرية؛ فعندما تُبكينا أغنية دون دموع في مقطع وتفرحنا في مقطع آخر دون بسمات، تدخل تلك الأغنية في ضميرنا وتصنع أمزجتنا وتعلِّمنا أن نمضي بتفاؤل.

مازن عباس - دمشق

اكتشف سورية