سامي الدروبي

المحتويات

==مقدمة==
لعل حياته كانت دمعة انسكبت على وجه هذا الوطن.
لقد ذرف هذا الوطن دمعته فكانت «سامي الدروبي».
وكم من دموع ذرفها هذا الوطن، منها الصامتة، ومنها المجلجلة، منها دموع «الفرح»، ومنها دموع «الحزن».
إلا أن هذا الإنسان، الذي اشتعل في حياته، وكان شعلة عمل وعطاء متواصل لم يُقدَّر لها أن تنطفئ إلا على نحوٍ حزين، حتى أنها أبكت الوطن بأسره، من قادته الكبار إلى أحبته الصغار. وكما الشمعة حين تقترب من نهايتها تزداد اشتعالاً وتتوهّج، ثم تنطفئ، هكذا قُدِّرَ لسامي الدروبي، ثم إن المثل الشائع «وراء كل عظيم إمرأة» لم يخطئ البته، فقد تحدث الكثيرون عن عظمة هذا الإنسان وعطائه المنقطع النظير، إلا أن قليلين جداً الذين لاحظوا ذلك الملاك الذي أحاطه بعنايته وأعطاه الحب والوفاء والإخلاص والعناية، فلقد وقفت زوجته وقفة الأبطال، فأنجبت عظيماً لوطنه، والحال، تبدأ الزوجة حبيبة وتتحول إلى أم الرجل الذي تزوجته، إنها تنجبه إنساناً آخر من خلال حبها له، فلقد شهدت أقسى الظروف والأحوال، وتصدَّت لها بقلبٍ من نور أحاط سامي ولفّه بشغافه، وأعطاه زاداً في عمل صارم أفاد الوطن والأجيال على مدار السنين!!.

سيرة حياته


ولادته وتعليمه


وُلِدَ سامي الدروبي في 27/4/1921، ودرس في مدارس حمص الابتدائية والثانوية، ثم أكمل دراسته في «تجهيز دمشق، القسم الثانوي للبكالوريا».
والدته تدعى سامية أما أشقاؤه فهم سمير، الدكتور ثابت، عبد الإله، الدكتور غازي، المهندس عزام، الدكتورة إلهام.

عمله واختصاصه


مارس سامي الدروبي التعليم الابتدائي في مدارس الجولان بالقطر العربي السوري.
تابع دراسته في دار المعلمين العليا لمدة عامين، وعُيِّنَ معلماً، وظل في وظيفته هذه كمعلم سنة واحدة درَّس خلالها في قرية «المخرم الفوقاني» في محافظة حمص.
أُوفِدَ إلى القطر العربي المصري في أواخر عام 1943 حيث تعلم في القاهرة، فدخل كلية الآداب، قسم الفلسفة، وتخرَّج منها سنة 1946.
عاد إلى القطر العربي السوري عام 1947 فعُيِّنَ مدرّساً للفلسفة والمنطق بثانويات حمص.
انتقل خلال الأعوام 1948 – 1949 إلى دمشق (كمعيد في الجامعة).
أوفِدَ إلى باريس خلال الأعوام 1949 – 1952 لتحضير الدكتوراه في الفلسفة.
عاد من باريس وعُيِّنَ مدرّساً في كلية التربية، ثم أستاذاً لعلم النفس.

خطوبته وزواجه


في 7/نيسان/1954 كان اللقاء الأول بين إحسان بيات وسامي في الحرم الجامعي، وكان ما يُسَمّى بالحب من أول نظرة الذي وقع فيه الاثنان، حيث لم تمضِ أربعة أيام حتى فاتحها الدكتور سامي بطلب يدها، ولم يلبث أن قرأ الفاتحة معها في الحرم الجامعي. وهي تقول في هذا: «لعله كان أسرع قرار اُتُّخِذَ في قضية زواج قُدِّرَ له فيما بعد أن يكون ناجحاً كل النجاح». وقبل إبلاغ عائلتها بالأمر توجَّهَتْ فوراً إلى منزل صديقتها ونسيبتها ألفة الإدلبي، لتزفّ لها هذا الخبر، فإذا هي تبارك هذه الخطوبة وتهنّئها على جرأتها، وتقول لها: «يا ابنتي الزواج شيء شخصي جداً، ويعود قبل كل شيء إلى قناعة الزوجين ببعضهما». وفي اليوم الثاني أُعْلِنَتْ خطوبة الأستاذ سامي الدروبي على الطالبة الإذاعية إحسان بيات.
أما الأبيات الشعرية التي كتبها سامي بمناسبة حفل خطوبته لإحسان بيات، فهي:
«لا تخـافي سـراً يلوح بعيني         رهيبـاً يفـوح كـالأفعـوانِ
لا تخافي الغموض فوق جبيني لا تخـافي ابتسـامة الكتمـانِ
هـو مـاضٍ خلفتـه فحذاري         أن تفضـي أسـراره للعيـانِ
كنت لا أنشـد الحيـاة وجودي     وانعدامي عن أفقها سيانِ
غير أنـي أحسسـت دفئـاً بعينـــيك يصب الحياة في أكفاني
فتمنيت أن أعـود لنفسـي           وتكونـي لعـودتي ربـاني»

بعد الخطوبة طلب سامي من إحسان بيات الاستقالة من عملها الإذاعي للتفرغ كسكرتيرة له، وكان له ما أراد. وكان أول عمل مشترك بينهما كتاب «مذلون مهانون» لدوستويفسكي. كان يمسك النص الفرنسي بيده ويملي عليها بالعربية فتكتب وكانت هذه الطريقة في العمل توفر الكثير من الوقت، وكان قبل ذلك قد ترجم قصة نيتوتشكا لدوستويفسكي. وقد رُزِقا من زواجهما ليلى ومصباح وسلمى.

بوادر النضال السياسي


تذكر السيدة إحسان أنه في أواخر الخمسينات حين تمت دعوتهما من قبل وزير الخارجية السوري على العشاء على شرف وزير الخارجية السوفييتي شوبيلوف، وكان كذلك مدعواً إلى هذا العشاء الدكتور شوكت القنواتي والدكتور صلاح عمر باشا. وقبل الذهاب للعشاء كان سامي يقرأ إحدى الصحف وإذا به يقول بانفعال: «تصوَّري، هل هذا وقته، وأشار إلى عنوان في الصحيفة التي بين يديه، إقرأي ماذا كتب هنا. خطر الاتجار مع الاتحاد السوفييتي»، وما أن دخلا بهو نادي الشرق حتى رأيا الصحفي كاتب تلك المقالة فاتجه سامي نحوه وقال له معاتباً ومبيناً خطأ كتابة مثل هذا المقال في مثل هذا الظرف الذي نأخذ السلاح من المعسكر الشرقي وفي أول زيارة لوزير الخارجية السوفييتي لنا. وقد صُعِقَتْ السيدة إحسان بجواب ذلك الصحفي حين قال: «أستاذ سامي أرجو أن لا تعمل مثالية وبعثية، بصراحة وصلتني هذه المعلومات من السفارة الأميركية، فهل تريدني أن لا أنشره؟ هكذا قالها بكل وقاحة دون أن يطرف له جفن».
وفي حرب السويس قرر الحزب تحويل جريدته الأسبوعية (البعث) لجريدة يومية لتتابع الأحداث. وكان المسؤول عن هذا ثلاثة أشخاص الدكتور عدنان الفرا والأستاذ علي الأشقر والدكتور سامي الدروبي. وكان د.سامي يخرج في الثامنة صباحاً إلى الجامعة ويعود لتناول الغداء، وأحياناً لا يعود، حيث يذهب إلى الإذاعة للاستماع هناك إلى الأخبار العالمية ويكتب مع الأستاذ نجاة قصاب حسن بعض التعليقات على الأحداث. وكان يترجم ما سمع من أخبار، أي يقوم بدور وكالات الأنباء في يومنا هذا، ليعود إلى الجريدة ويعطي الآخرين تلك المعلومات التي يتوزعونها في مقالات.

الوحدة وعمله الثقافي


أوفِدَ إلى القطر العربي المصري عندما قامت الوحدة المصرية السورية سنة 1958 كمدير في وزارة الثقافة، ومدرّس في جامعة القاهرة عام 1959 – 1960.
عُيِّنَ مستشاراً ثقافياً لسفارة الجمهورية العربية المتحدة في البرازيل عام 1960 – 1961.
بعد الانفصال مباشرة طلب إعادته إلى دمشق حيث عاد للتدريس في جامعة دمشق.

وفاة سلمى


حصلت هذه المأساة حين عادت السيدة إحسان مع الأولاد بعد الانفصال من مصر إلى دمشق، حيث فقدت ابنتها سلمى مختنقة بالغاز أثناء الاستحمام، وفي هذا السياق نذكر مما كتبت السيدة إحسان حول هذا الحدث، فبعد أن سُجِّيَت الصبية على السرير، وجلست أمها على الأرض، ووضعت القرآن الكريم على الوسادة قرب رأسها، وبدأت تقرأ القرآن، وقامت فيما بعد بعملية غسلها خصوصاً أن الأحبة التي اكتظت بهم الدار حاولوا منعها من هذه المهمة، لكنها لم تعرَ أحداً منهم أذناً صاغية ولا حتى لتضرع أمها الخائفة عليها، وكانت حجتها حين قالت بعنف: «لا أحد يتدخل، لم أخدم هذه الصبية لا بحفل شهادة ولا خطوبة ولا زواج، دعوني وشأني مع حبيبتي سلمى في الدقائق الأخيرة التي لها على وجه الأرض». وهكذا ودعت «سلمى» الحياة على الأرض، وهي في الثانية عشرة من عمرها.

عودة للنضال السياسي


في الخامس من أيار 1962 وصل الدكتور سامي الدروبي إلى دمشق، وبدأ العمل الجدي والسري جداً الذي انتهى بثورة الثامن من آذار. وعاد سامي أستاذاً بالجامعة السورية، وفي السابع من آذار دُعِيَ إلى مهرجان خطابي تحوّل من ثقافي إلى سياسي، مهاجماً الانفصال، وخشي أن يتم اعتقاله في سجن المزة، ولكن في صبيحة الثامن من آذار، الساعة الرابعة والنصف صباحاً، استيقظ سامي وزوجته إحسان على صوت هدير الدبابات في شارع أبو رمانة، حيث كانت شقته، وفي الصباح الباكر طرق الباب السفير اليوغوسلافي مهنئاً بنجاح الثورة، معلناً أنه كان يعرف كم أن حزب البعث وحدوي. ولم يكد ينهي حديثه مع السفير اليوغوسلافي حتى قُرِعَ الباب وتم استدعاء الدكتور سامي، ولم تره زوجته بعد ذلك حتى سمعت من المذياع تشكيل الوزارة، وتسميته وزيراً للتربية.

بداية التمثيل الدبلوماسي


عُيِّنَ سفيراً للجمهورية العربية السورية في المغرب في 1/9/1963.
عُيِّنَ سفيراً للجمهورية العربية السورية في يوغوسلافيا في 1/12/1964.
عُيِّنَ مندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية في 1/9/1966. وهناك ألقى كلمته الشهيرة أمام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، بعد تقديم أوراق اعتماده، وقد بكى أثناءها، مما قال فيها: «إذا كان يسعدني ويشرفني أن أقف أمامكم، مستشرفاً معاني الرجولة والبطولة، فإنه ليحز في نفسي أن تكون وقفتي هذه كوقفة أجنبي، كأنني ما كنت في يوم مجيد من أيام الشيوخ مواطناً في جمهورية أنت رئيسها، إلى أن استطاع الاستعمار متحالفاً مع الرجعية أن يفصم عرى الوحدة الرائدة في صباح كالح من أصباح خريف حزين يقال له 28 أيلول، صباح هو في تاريخ أمتنا لطخة عار ستمحى، ولكن عزائي عن هذه الوقفة التي تطعن قلبي يا سيادة الرئيس، والتي كان يمكن أن تشعرني بالخزي حتى الموت، أنك وأنت تطل على تاريخ فترى سيرته رؤية نبي وتصنعه صنع الأبطال قد ارتضيت لي هذه الوقفة، خطوة نحو لقاء مثمر (بين قوى تقدمية ثورية) يضع أمتنا في طريقها إلى وحدة تمتد جذورها عميقة في الأرض فلا انتكاس، وتشمخ راسخة كالطود فلا تزعزعها رياح.
ذلك عزائي يا سيادة الرئيس وذلك شفيعي عندك، وشفيعي عند جماهير أمتنا العربية التي لا تعترف بالانفصال إلا جريمة، وشفيع من ندبوني لهذه الوقفة ثواراً شجعاناً يقفون في معركة النضال العربي الواحد على خط النار، ويؤمنون بلقاء القوى الثورية العربية لا بديلاً للوحدة، بل خطوة نحوها».

تداعي ذكريات مع الرئيس الراحل حافظ الأسد


في آذار 1971 وكان آنذاك مندوباً دائماً للجمهورية العربية السورية في الجامعة العربية، وكانت رئاسة دورة الجامعة العربية لسورية، ولم يحضر وزير الخارجية السوري. فترأس الدكتور سامي الدروبي الاجتماع آنذاك، ودعى الوفود العربية إلى العشاء، ولم ينم قبل الواحدة صباحاً، وكان مرهقاً والتعب ظاهر عليه، وكان عليه أن يستيقظ باكراً ليرافق نائب رئيس الجمهورية المصري السيد حسن الشافعي في سفره إلى دمشق. ولكن سامي أمضى تلك الليلة كلها تحت الأكسجين، وما أن استيقظ في السابعة صباحاً حتى همّ بإعداد الحقيبة للسفر إلى دمشق، فسافر إلى دمشق وكان يوماً حافلاً بالعمل المتواصل واللقاءات التي امتدت حتى الواحدة صباحاً لكن ضعف صحته أدت إلى إصابته بجلطة قلبية بعد ساعة من انتهاء الاجتماع في الساعة الثانية صباحاً، ونُقِلَ إلى المستشفى في حالة سيئة جداً.
وحين وصلت زوجته وأولاده، ودخلوا إلى غرفة العناية المشددة، سألوه، هل كنت تدري أننا قادمون؟
فأجاب: «عادني السيد الرئيس حافظ الأسد وسألني هل ترغب في أي شيء؟‍
قلت: «أرغب أن أرى أم مصباح والأولاد».
قال السيد الرئيس: «استدعيناهم وهم في الجو الآن، وماذا ترغب أيضاً، ونظر إلي كمن يقول: ليس الشهيد هو الجندي الذي يستشهد في الجبهة، بل هناك من يستشهدون أيضاً في سبيل العمل لخير أمتهم».
وبعد فترة العلاج والاستجمام امتدت ثلاثة أشهر عادوا إلى القاهرة.

عطاء للجامعة السورية


في صباح السابع من أيار 1971 قرر د.سامي تقديم مكتبته إلى الجامعة السورية. وفي 10/5/1971 وافق مجلس جامعة دمشق على قبول الكتب العلمية هدية منه إلى مكتبة الجامعة. وكانت حجة سامي على قراره حين احتجت زوجته قائلة أنها من حق أولاده: «لن أنسى ما حييت كم كنت أشقى حين كنت طالباً جامعياً وكنت أرغب باقتناء المراجع، وكان ثمنها باهظاً، ودخلي محدوداً».

عودة للتمثيل الدبلوماسي


عُيِّنَ سفيراً للجمهورية العربية السورية في مدريد بإسبانيا في 27/11/1971. وفي 12/10/1975 طلب إعادته إلى دمشق لأسباب صحية وبقي سفيراً في وزارة الخارجية، وظل يعمل في أعماله الأدبية وفي حقل الترجمة وإنجاز مشاريعه الأدبية رغم ظروفه الصحية القاسية.

مرضه


لقد أنجز سامي الدروبي ترجمة مؤلفات دوستويفسكي الكاملة ويربو عدد صفحاتها على أحد عشر ألف صفحة، وهو مريض في القلب مرضاً لا يمكّنه من أن يستلقي على سريره أثناء النوم، وكان لابد له من أن يبقى جالساً وهو نائم. بل أكثر من ذلك، فإنه أنجز خمسة مجلدات من المؤلفات الكاملة لتولستوي، والتي يصل عدد صفحاتها إلى خمسة آلاف صفحة وهو في صراع بين الحياة والموت، وكثيراً ما احتاج خلالها إلى أن يرقد لمدة ثلاثين ساعة وهو يتنفس من أنبوبة الأكسجين، كما ذكر الأستاذ فوزي الكيالي وزير الثقافة آنذاك.
ومن الجدير بالذكر أنه في عام 1969 تبين من الفحوص أن علة قلبية قد تقدمت بحيث أن احتمال بقائه على قيد الحياة لأكثر من عامين احتمال قليل، ولكن تمسكه بالحياة ونضاله الفذ ضد المرض مكنه من أن يعيش سبع سنوات منتجة بعد هذا التاريخ، تحمَّل خلالها ثلاث نوبات قلبية كبرى كل منها كانت تكفي لإنهاء الحياة، وحقق في هذه السنوات السبع نتاجاً أدبياً وفكرياً كبيراً.
أخيراً، وصل به المرض إلى درجة أصبح معها غير قادر على السير، وكان الأحباب يتعاونون في مساعدته على أن يخطو بضع خطوات، وبرغم ما كان قد أصابه من هزال وضعف، فإنه كان يتحدث بقوة وعزيمة، وكان هاجسه الأخير هو إخراج مؤسسة لكتاب الجيب تطبع روائع التراث العربي، وروائع التراث الإنساني، وتوزعها على الناس في الوطن العربي كله.

وفاته


كان سامي كما ذكرنا يعاني من القلب، وشرايينه الثلاثة مسدودة، وصماماته متضيقة، وتذكر زوجته أنه قبل ساعة واحدة من رحيله أصر على الجلوس إلى المكتب، قائلاً أنه سيصلح كلمة كانت قد أقلقته في الليلة السابقة، وعلى رغم احتجاجات الزوجة حرصاً على صحته، فقد أمسك القلم وأصلحها، وهو يعلم أنه يقف على مشارف الأبدية، وأخذت الزوجة تتأمل في هذا الإصرار العجيب على العمل أثناء وضعها لأنبوب الأكسجين في أنفه، ولم تكن تعلم أنها في حضرة الوداع الأخير، إذ بعد ساعة واحدة فقط كانت وفاته.
وهي تذكر أنها كانت مع ليلى ومصباح أبنائهما، وسامي متمدد على سريره في غرفة النوم، يناقش ليلى في المادة الأولى التي ستمتحن بها بعد يومين في 14/2 وكان وجهه مشرقاً ذا رونق رائع، وكان بصوته عذوبة وبكلامه حكمة وكانوا يتابعون ذلك باهتمام. فإذا بالمنية تنقض عليه دون رأفة أو رحمة. وإذا بالصوت يصمت، وإذا بلون الوجه الوردي ينخطف وإذا بالعينين اللتين يشع منهما الذكاء ينطفئ فيهما النور. وكان ذلك في 12/2/1976، حيث وافته المنية ورحل فقيداً للعروبة والفكر.

تأبينه


في 27/3/1976 أقام اتحاد الكتاب العرب حفلاً تأبينياً على مدرج جامعة دمشق لفقيد العروبة والفكر الدكتور سامي الدروبي بمناسبة أربعين يوماً على وفاته.
وقد حضر الحفل آنذاك ممثل السيد رئيس الجمهورية اللواء زهير غزال والأستاذ محمود الأيوبي رئيس مجلس الوزراء والأستاذ محمد حيدر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والأستاذ جورج صدقني عضو القيادتين القومية والقطرية رئيس مكتب الثقافة والدراسات والإعداد الحزبي، والسيد العماد الركن مصطفى طلاس نائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة وزير الدفاع وعدد من الرفاق أعضاء القيادتين القومية والقطرية، ونجلا الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عبد الحكيم وهدى، وبعض السادة الوزراء، وآل الفقيد. كما حضر الحفل السيد رئيس وأعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، وعدد من أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي، وحشد كبير من رجال الفكر والثقافة والأدب.
ومما جاء في كلمة العماد الركن مصطفى طلاس نائب القائد العام للجيش والقوات المسلحة وزير الدفاع آنذاك:
«سأعود معكم إلى بداية كلمتي لأقوم بمراجعة صغيرة وتقديم كشف بالأعمال الصالحة التي نهض بها فقيد العروبة لنرى إذا ما كانت هذه الأعمال الجليلة تكفي لتخليد هذا الرجل إلى قيام الساعة؟ أعتقد أنه لا يوجد اثنان يختلفان في هذه البديهية، فلو أخذنا أعمال فقيدنا الغالي "ترجمة المؤلفات الكاملة لدوستويفسكي" إلى اللغة العربية ورمينا كل ما عمله غير ذلك في البحر لوجدنا أن هذا العمل الضخم قمين بتخليد صاحبه أبد الدهر.
وإذا كان جيلنا المعاصر لم يُعطِ حتى الآن هذا الجهد الكبير ما يستحق من اهتمام فإن الأجيال العربية القادمة ستذكر بالشكر والعرفان هذا العمل المجيد.
وختاماً ربما تقولون لماذا لم أعدد لكم مناقب الفقيد الكبيرة؟ وهي كثيرة، أرجو بكل تواضع أن تعذروني عن هذا الصنيع، لأنني محب، والمحب لا يجد في حبيبه إلا كل ما هو جميل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

الأوسمة التي نالها وتكريمه


1) حصوله عام 1964 على وسام من الرئيس اليوغسلافي الراحل تيتو كسفير وكاتب وأديب.
2) حصوله عام 1971 على وسام من الرئيس الراحل حافظ الأسد لجهوده في إنجاز الميثاق الثلاثي، وإعلان الدولة الاتحادية بين مصر وسورية وليبيا.
3) تكريمه في الذكرى الثانية لوفاته في المركز الثقافي العربي بحمص وتسمية قاعة المحاضرات في المركز الثقافي باسم الفقيد الدروبي.

أعماله


الترجمات في الفلسفة


1) تفكير كارل ماركس: نقد الدين والفلسفة، تأليف: جان إيف كالفيز، ترجمة: سامي الدروبي، جمال الأتاسي.
2) المذهب المادي والثورة، تأليف: جان بول سارتر، ترجمة: سامي الدروبي، جمال الأتاسي.
3) المجمل في فلسفة الفن، تأليف: بندتو كروتشه، ترجمة: سامي الدروبي.
4) منبعا الأخلاق والدين، تأليف: هنري برغسون، ترجمة: سامي الدروبي، عبد الله عبد الدايم.
5) مسائل فلسفة الفن المعاصر، تأليف: ج.م.جويو، ترجمة: سامي الدروبي.
6) الطاقة الروحية، تأليف: هنري برغسون، تعريب: سامي الدروبي.
7) الضحك: بحث في دلالة المضحك، تأليف: هنري برغسون، ترجمة: سامي الدروبي، عبد الله عبد الدايم.
8) الفكر والواقع المتحرك، تأليف: هنري برغسون، ترجمة: سامي الدروبي.

الترجمات في العلوم السياسية


1) مدخل إلى علم السياسة، تأليف: موريس دوفرجيه، ترجمة: جمال الأتاسي، سامي الدروبي.
2) معذبو الأرض، تأليف: فرانز فانون، ترجمة: سامي الدروبي، جمال الأتاسي، تعليق سليمان الخش.

الترجمات في التربية وعلم النفس


1) المعلم العربي: إعداد المربي، تأليف: روجه كوزينة، ترجمة: جميل صليبا، حكمة هاشم، سامي الدروبي.
2) علم النفس التجريبي، تأليف: روبرت س. ودروث، ترجمة: سامي الدروبي.
3) سيكولوجية المرأة، تأليف: ج. هيمانس، ترجمة: سامي الدروبي.

الترجمات في الأدب


1) وقائع مدينة ترافنك، تأليف: إيفو آندريتش، ترجمة: سامي الدروبي.
2) جسر على نهر درينا، تأليف: إيفو آندريتش، ترجمة: سامي الدروبي.
3) بطل من هذا الزمان، تأليف: ميخائيل ليرمنتوف، ترجمة: سامي الدروبي.
4) كونكاس بوربا، تأليف: ماشادو دي أسيس، ترجمة: سامي الدروبي.
5) الموسيقي الأعمى، تأليف: ف. كورولنكو، ترجمة: سامي الدروبي.
6) النول، الحريق، الدار الكبيرة؛ تأليف: محمد ديب، ترجمة: سامي الدروبي.
7) لحن كرويتزر، تأليف: ليف تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.
8) الأعمال الأدبية الكاملة (18 مجلداً)، تأليف: دوستويفسكي، ترجمة: سامي الدروبي.
9) الطفولة – المراهقة – الشباب (الأعمال الأدبية الكاملة؛ مجلد1)، تأليف: ليف تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.
10) أقاصيص سيباستوبول وغيرها(الأعمال الأدبية الكاملة؛ مجلد2)، تأليف: ليف تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.
11) القوزاق وقصص أخرى (الأعمال الأدبية الكاملة؛ مجلد3)، تأليف: ليف تولستوي، ترجمة: سامي الدروبي.
12) الحرب والسلم (الأعمال الأدبية الكاملة؛ مجلد4)، تأليف: ليف تولستوي، ترجمة: صياح الجهيم، سامي الدروبي.

مؤلفات


1) علم النفس ونتائجه التربوية، تأليف: سامي الدروبي بالاشتراك مع حافظ الجمالي.
2) دروس علم النفس، تأليف: سامي الدروبي، سمير الدروبي.
3) الموجز في علم النفس، تأليف: سامي الدروبي، عبد الله عبد الدائم.
4) علم النفس والأدب: معرفة الإنسان بين بحوث علم النفس وبصيرة الأديب والفنان، تأليف: سامي الدروبي.
5) علم الطباع: المدرسة الفرنسية، تأليف: سامي الدروبي.
6) الرواية في الأدب الروسي، تأليف: سامي الدروبي.

مخطوطات


1) من أغاني السكارى على نهر العاصي بمدينة حمص.

مقالات في الدوريات


1) مجلة «الشهر» العدد الثاني، أبريل 1958، مقالة: «النظر الفلسفي في ثقافتنا المعاصرة»، بقلم: سامي الدروبي.
2) مجلة المعرفة عدد 7 عام 1962، مقالة: «طبيعة الأدب»، بقلم: سامي الدروبي.
3) مجلة المعرفة عدد 8 عام 1962، مقالة: «طبيعة الأدب والفنان في ضوء التحليل النفسي»، بقلم: سامي الدروبي.
4) مجلة المعرفة عدد 12 عام 1963، مقالة: «الإنتاج الفلسفي في الثقافة العربية المعاصرة»، بقلم: سامي الدروبي.

سامي الدروبي سياسياً وأديباً


أولاً - سامي الدروبي والوحدة العربية


لقد دخل سامي الدروبي إلى السياسة من باب الثقافة، وكان أستاذ علم النفس في جامعة دمشق، ووزيراً للتربية وأيضاً سفيراً لسورية في عدة دول، ويرجع له الفضل في مواجهة الكثير من التحديات التي عصفت في المنطقة آنذاك. ولكن لنا رأينا بخصوص موقفه آنذاك من الوحدة العربية، نحب أن ننوه عنه!!.
كتب رجاء النقاش يقول: «سامي الدروبي كان مؤمناً بالوحدة العربية إيماناً شديد العمق والصدق، وكانت الوحدة العربية هي الأمل الأكبر في خلق حضارة عربية لها قيمة، وفي خلق إنسان عربي جديد قادر على مواجهة ظروف العصر وتحدياته الصعبة. وفي نفس الوقت كان إيمان سامي الدروبي بمصر وحبه لها نابعاً من نفس النبع الصافي، نبع إيمانه بالوحدة العربية. فقد كان مدركاً أشد الإدراك أنه لا وحدة بدون مصر، وأن مصر هي الأساس في أي حركة لها قيمة في الوطن العربي كله، كان مدركاً أنه لا عروبة بدون مصر».
ولكنني أتساءل، أين هي مصر ودورها الآن؟ ماذا تفعل؟! كيف تساهم في خنق شعب عالق في ويلات الحصار بإغلاقها معابر رفح، وترك عشرات العائلات المصرية بأكملها شهوراً عالقة في أرضٍ جعلناها ملعونة بعد أن كانت أرضاً مقدسة!!.
وكذلك أتساءل، أين هو موقف مصر العروبي أمام حرب العراق، وحرب تموز، وأمام هذا الشيطان الذي انفلت من جحيمه ليعيث فساداً في منطقتنا الغالية‍‍؟‍
وكذلك أتساءل بعيداً عن العاطفة، ومحكماً العقل، حتى في أيام الوحدة، وأنا لم أكن قد وُلِدتُ بعد، لكنه تناهى إلى مسمعي ما تناقلته الأجيال التي عايشت حدث الوحدة آنذاك، كيف فهِمَتْ مصر الوحدة مع شقيقتها سورية؟‍! هل ثمة وعي ناضج للقيام بخطوة على درجة من الخطورة كهذه؟! هل ثمة توازن للقوى والاستراتيجيات المشتركة للقيام بخطوة كهذه؟! أم أن الكبير سوف يبتلع الصغير؟! وبالتالي، فقد كانت قضية الوحدة، تحتاج تحضيراً كبيراً على مستويات عدة، تُحدِث تقاربات داخلية وخارجية، وتوازنات تهيئ المناخ لحصول اتحاد يحافظ على خصوصية كل منطقة!!.

ثانياً – سامي الدروبي في الترجمة


في إحدى الحوارات التي أُجرِيَت مع د. سامي يذكر الشروط اللازمة للقيام بمهمة الترجمة، يقول: «الترجمة العلمية سهلة طبعاً، وكذلك ترجمة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فلغة هذه العلوم لغة لا أقول أنها فقيرة على إطلاقي كلمة الفقر ولكن أقول أنها فقيرة نسبياً، وإنما الفن والثراء في لغة الأدب.
أعتقد أنني لا أضيف جديداً إذا قلت أن الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يتصدى لترجمة الأعمال الأدبية هي كما تحصى عادة وكما يعددها سائر الباحثين في هذا الأمر ثلاثة، أولاً التمكن من اللغة الأجنبية التي تنقل عنها، ثانياً التمكن من اللغة العربية التي تنقل إليها، وثالثاً التمكن من المادة التي هي موضوع الكتاب أو البحث الذي تنقله إلى اللغة العربية. بالنسبة للتمكن من المادة، هذا طبيعي في الترجمة العلمية والفلسفية والاجتماعية والسيكولوجية والتاريخية، وهو التخصص في هذه المادة والتمكن منها.
أما بالنسبة للأدب هي توفُّر الذوق الأدبي، وهذه موهبة تُصْقَل ولكنها لا تُتعلم، فمن لم يكن ذا موهبة لن يُحْقَن بموهبة ولا يمكن أن يعلم كيف يتذوق الأدب. والتمكن من المادة هنا هو هذه الموهبة، هذا الذوق الأدبي. ولكن ما معنى التمكن من العربية ومن اللغة الأجنبية بالنسبة للأدب؟ لا تمكّن من العربية بدون معرفة آدابها معرفة عميقة».
«لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك القلم وينقل إليها من لا يقرأ القرآن دائماً، من لا يقرأ الجاحظ وأبا حيان التوحيدي، ومن لا يترنم بشعر المتنبي وأبي العلاء المعري وأبي تمام، لا يعرف العربية معرفة تؤهله لأن يمسك بالقلم، وينقل إليها من لم يملك الكنوز الثرة للغة العربية مختزنة في آدابها وتراثها».
«نأتي إلى التمكن من اللغة الأجنبية، يصدق هنا ما يصدق على التمكن من اللغة العربية، ليس كل من درس اللغة الفرنسية في المدرسة والجامعة بقادر على أن يترجم منها. وإنما ينبغي للمترجم في ميدان الأدب، أن يعرف اللغة الأجنبية في آدابها. وأجازف فأقول: أن معيار التمكن من اللغة الأجنبية هو الوصول إلى القدرة على تذوق شعرها، الإحساس بموسيقى شعرها، وقبل ذلك لا يكون ثمة معرفة تامة باللغة الأجنبية وأعود إلى التمكن من المادة، فأثير أنه يعني، بالإضافة إلى الذوق الأدبي، مصاحبة ومعاشرة المؤلف المترجم عنه. أعرف أناساً يشرعون في ترجمة رواية قبل أن يقرأوها كاملة».
أما مخاوف أو إساءات الترجمات الرديئة فهي تكمن في رأيه في نقطتين: أولاهما، إفساد اللغة العربية، والهبوط بها إلى الركاكة، في الحين أن الشباب متعطش إلى قراءة الإنتاج الأجنبي الدسم. وثانيهما، إفساد المؤلفات المترجمة مما جعل الظن فيها سيئاً وأعطى سلاحاً لأهل الجمود الذين يرفضون إلا التراث. وعلى هذا النحو يخلص سامي الدروبي إلى أنه على المترجم أن يكون من أصحاب الأقلام، أن يكون أديباً، ويقول أن أندريه جيد ختم حياته الأدبية الحافلة على ترجمة بعض مسرحيات شكسبير.
أما حول أسلوبه في الترجمة حسب د. وهيب الغانم: «الجمال والوضوح هما صفتان تلازمان جو كتاباته، فيشعر القارئ بالعذوبة تلف إنتاجه، عذوبة الأسلوب، عذوبة الجملة، عذوبة الكلمة. وبما أن مؤلفاته كانت نادرة، إلا أنه من خلال ما ترجم، تكشّف عن أديب موهوب، أصيل».

معنى الترجمة (سامي الدروبي نموذجاً)


في الحقيقة، الترجمة ليست قضية نقل من لغة إلى لغة، بل ترجمة، والترجمة تعني التأمل، وبعبارة أخرى ترجمة لمشاعرنا وأحاسيسنا بالجمال المختبئ، سواء في الطبيعة، أو في العمارة، ومنها العمارة الإسلامية التي أُعْجِبَ سامي أيما إعجاب بها، خصوصاً حين كان في إسبانيا وتعرَّف إلى مساجد طليطلة، أو بالأدب العالمي والثقافة الأوروبية التي أُعْجِبَ سامي بها أيضاً؛ إذن فسامي لم ينقل من لغة إلى لغة، بل تأمَّل، وأحسّ بالجمال المختبئ وتواصل معه تواصلاً حياً دفعه إلى ترجمته في ألفاظ وعبارات شفافة يفيد منها أبناء العروبة، أو أبناء وطنه، مما يعكس أمراً آخر في الترجمة أو التأمل، وهو الغيرية، فهو لم يشأ أن يعُبَّ من مناهل الجمال وحده بل أراد أن يشاركه «الآخرون» في هذا الجمال القدسي الذي تدخل النفس البشرية تجربتها الإبداعية في تواصل حي معه.
هكذا إذن، تغدو الترجمة رسالة حضارية تفيد منها الشعوب في مختلف بقاع الأرض، وتمد جسوراً غير مرئية تدفعها للشعور بوحدة التجربة الإنسانية، وإن تنوّعت الألسنة والثقافات والمعتقدات. وهنا يحضرني ما تعلّمناه في صغرنا حول برج بابل الذي أراد من خلاله الإنسان أن يتحدى الإله فعاقبه الإله بأن جعل ألسنة البشر تختلف وكل يتحدث بلغة مخالفة للآخر. إلا أن دراسة جميلة لرمزية برج بابل يذكرها المفكر ندره اليازجي، تقول أن برج بابل يعني برج إيل أو باب إيل، وهو على عكس ما نظن أنه يؤدي إلى التشتت والضياع والتمزق، فهو مدخل «إلى الوحدة التي تصدر عنها الموجودات واللغات والأشكال والمفاهيم والعلوم. هذا، لأن البرج أو الباب يمثل الوحدة التي تلحم جميع الأنواع والتعددات التي تنبثق منها. ففي باطن كل تنوع تكمن الوحدة، وفي باطن التعدديات تكمن الوحدة».
«هكذا، تشير رمزية برج إيل إلى الوحدة المتكثرة، أي الكثير المتنوع الذي يستدعي إعادة تأليفه في وحدة تأليفية متكاملة».
وبالتالي، فالترجمة انفتاح على الأمم والحضارات، والخروج من عزلتها القاسية المريرة، والنهوض من كبوةٍ فرضها الانغلاق والتقوقع والتعصب الذي يقيِّد الأمم بقيود أثقل من الحديد والفولاذ وهي قيود الجهل والتخلف!!.
والترجمة من هذا المنطلق، وكما علَّمَنا سامي، ليست تجارة رابحة تفيد منها جيوبنا، وتجدر الإشارة هنا إلى ما يسمى الترجمة العكسية، إن صح التعبير، وفي هذا السياق نذكر قول الأديبة الكبيرة غادة السمان، فهي تقول: «من الخطأ أن نضع أمامنا حين نكتب مواصفات معينة للعمل الأدبي، طلباً لبركة الترجمة ولعقاً لأحذية المستشرقين، لسنا مضطرين لشتم أوطاننا ونشر غسيلنا العائلي الوسخ والوطني استجداءً للترجمة، ولا للمباهاة في كبرنا بما كنا نخجل منه في صغرنا من أجل التهريج في سيرك الغرب ونيل البركة في حقل الترجمة».
ونعود فنقول أن الترجمة ليست سموماً يجد تنين الغرب قنوات ينفث بها سمه من خلالها في أرضنا الغالية، وفي نفوس شبابنا المعطاء. وإنما، وقبل كل شيء، إحساس بالمسؤولية تجاه «الكلمة» التي أترجم بها، إحساس بالمسؤولية مقرون بالواجب يتجاوز حدود «الأنا» في مستوى أوسع الـ«نحن». وبالتالي، هل يصبّ هذا العمل في مصلحة وخدمة الـ«نحن» وهنا المسؤولية، أم في مصلحة وخدمة الـ«أنا» وهنا الأنانية، والشعور بالفوقية، وحب الظهور، والكبرياء، والادّعاء الكاذب، والأقنعة المخيفة!!.