الواقعية

إن السمة المشتركة بين جميع الفنانين والكتَّاب المرموقين في المجتمع الرأسمالي إنما هو عجزهم عن التصالح مع الواقع الاجتماعي المحيط بهم. فلقد كان لسائر الأنظمة الاجتماعية منافحون عنها في الفن (جنباً إلى جنب المتمردين عليها، المتهمين لها): وفي ظل الرأسمالية فقط، كان الفن بأسره دائماً، عندما يكون فوق مستوى الضحالة، فن احتجاج، ونقد، وتمرد. إن استلاب الإنسان عن محيطه، وعن ذاته، قد أصبح جد مرهق في النظام الرأسمالي، كما أن الشخصية الإنسانية، المتحررة من عقليات القرون الوسطى ومن المراتبية، والسمسرات، قد أدركت بعنف بالغ أنها كانت محرومة من الحرية ومن كمال الحياة الذي كان ممكناً أن يكون خاصاً بها، كما أن تحول كل خيرات الأرض إلى بضائع، والمنفعية الشاملة، وتتْجير العالم كلياً، قد أثارت جميعاً كراهية جد حادة عند كل كائن موهوب التخيل بأن صانعي الآثار الفنية قد وجدوا أنفسهم، بالضرورة، مضطرين إلى أن يرفضوا، بقوة، النظام الرأسمالي الظافر.
وقد بدأت هذه العملية مع التمرد الرومنطيقي، ومع هجمات جان جاك روسو ضد الحضارة البورجوازية. وقد تحدث هيغل عن "القوة النامية للاستلاب" وأضاف قوله:
"عندما تختفي من حياة الناس القوة الموحدة، وعندما تفقد التناقضات قرينتها، وتكتسب كياناً مستقلاً، عندئذ تنشأ الحاجة إلى الفلسفة".
وقد أكد شيللي في كتابه "دفاع عن الشعر" على ضرورة انطلاق الشعر من الممهدات premises ذاتها:
"إن الثقافة الشعرية ليست مرغوباً فيها جداً إلا في الحقب التي، في أعقاب أنانية مفرطة وأعمال حساب، يتجاوز فيها تكديس مواد الحياة الخارجية إمكانية إخضاعها للقوانين الداخلية للطبيعة البشرية".
إن "الأنا" المواجهة لتفاهة الحياة البورجوازية تصبح موضوعاً أساسياً. ولنأخذ بيرون في قصيدته "منفريد" حيث يقول:
"أقول، مع الناس، ومع أفكار الناس، لي ثمة علاقة وجيزة؛ ولكن بالمقابل، كان سروري في الفضاء الرحيب: أتنفس الهواء القاسي في القمم الثلجية... تلك كانت تسلياتي، ووحشتي أيضاً. لقد استهنت باختلاطي بقطيع ما، ما لم أكن رئيسه، وما لم يكن قطيع ذئاب. إن الأسد لمستوحد، وإني كذلك...".
وإننا لنجد في كتاب "ليبوسا" لفرانز غريلبرزر مايلي:
"إن المصلحة الشخصية لتصبح مذبحك، ويصبح حب الذات تعبيراً عن ذاتك... وستمخر عباب بحار مجهولة، مستثمراً كل ما يقدم العالم من منافع، وسيفترسك كل شيء، وأنت تحاول أن تفترس كل شيء".
وإننا نرى عند ستندال هذا القول:
"كل إنسان يعمل لذاته في هذه الصحراء من الأنانية التي يسمونها الحياة... وهكذا فإن الرجال الميسورين والمسرورين، الذين ربحوا مئة ألف فرنك في السنة التي أعقبت لحظة فتحهم هذا الكتاب، عليهم أن يطبقوه سريعاً، خاصة إذا كانوا أصحاب بنوك، وصناعيين محترمين، أي إذا كانوا رجالاً ذوي أفكار إيجابية للغاية".
أو عند هايني:
"آه! انظروا هذه الأعمال، هذه الجرائم الدامية والهائلة. كفانا من هذه الفضيلة المتخمة، وهذا الخلق الموسر".
ومن تمرد "الأنا" الرومنطيقية المستوحدة، ومن المزيج العجيب للرفض الأرستقراطي والشعبي للقيم البورجوازية، نشأت الواقعية النقدية. فالاحتجاج الرومنطيقي ضد المجتمع البورجوازي، تحوّل أكثر فأكثر إلى نقد لهذا المجتمع، دون أن يفقد أبداً طبيعة "الأنا" الاحتجاجية. وليست الرومنطيقية والواقعية النقدية ضدّين ينفي أحدهما الآخر: فالرومنطيقية هي، بالأحرى، مرحلة أولى من الواقعية النقدية. ولم يتغير هذا الوضع بشكل أساسي، وإنما تغير المنهج، وأصبح أكثر برودة، وأكثر "موضوعية" وأبعد نظراً.
إن أهم مؤلفات بيرون، ألا وهي قصة "دون جوان" التي لم تتم، تجمع بين الاحتجاج الرومنطيقي والنقد الاجتماعي الواقعي. وهي لم تعد عمل شاعر يتحدث إلى نفسه: فقد كان للبطل الأول بطل آخر معاكس وقد ظهر في نزاعه مع الواقع الاجتماعي. إن "الأنا" تعرف حدودها. إن شكوكية عالية الأسلوب لتقود بدقة الغرابة الرومنطيقية. ودون جوان مايزال البطل الرومنطيقي القديم، بشجاعته، وتعطشه للحياة ومقته للأخلاق؛ ولكنه لم يعد يقاتل ضد الله والشيطان. إنه، في كل مغامراته، النقد الحي لعالم النفاق والخسة المحيط به، وهو تجسيد للحاجة إلى العاطفة القوية الصادقة الخالصة.
أما بلزاك وستندال، فكانا أقل استعداداً من بيرون لأي شكل من أشكال المصالحة، سواء أكان ذلك مع المجتمع البورجوازي لما بعد الثورة، أو مع الدولة التي يسيطر عليها الأرستقراطيون، ورجال المال والكهنوت. وفي رواياته الأخيرة، توصل بلزاك إلى التسليم بانتصار المجتمع البورجوازي الرأسمالي، برغم أن الكره الذي كان يبديه، لممثلي هذا المجتمع النموذجيين، لم ينقص البتة. وقد كان يظهر في رواياته باستمرار رجال ينسحبون من حياة المجتمع الراقي، كما يظهر فنانون تؤرقهم أعمالهم (أمثال فنسسلاس في رواية ابنة العم بته (La Cousine Bette) الذي كان في رؤاه "يمارس، إن جاز التعبير، حياة محظية تنقاد إلى تخيل غريب)، وجميعهم كانوا يظهرون وكأنهم أعداء للبورجوازية. لقد أفضى النقد الواقعي، باستمرار، إلى الاحتجاج الرومنطيقي، وإلى النقيض الرومنطيقي للاستسلام النبيل والنجاح الملوّث، لما هو ماهر وبورجوازي.
إن أشجع رواية في الروايات التي مجدت خلود الرومنطيقية، وأكثرها منطقاً، هي رواية "لوسيان لوين" Lucien Leuwen لستندال. إن هذه الرواية التي لم تتم، تفوق بصفاء بصيرتها الاجتماعية وبالصفة القاسية لنقدها كل آثار بلزاك. كانت الثورة البورجوازية قد انتهت. ولم يبق بالمقدور العودة إلى أيام اليعقوبيين، أو إلى نابوليون الشاب. فما هي إذن الآفاق المرتقبة؟ إن لوسيان يتعاطف مع الجمهوريين، ومع السان سيمونيين، ولكنه يرى قضيتهم بدون أمل؛ والجمهورية الديموقراطية البورجوازية، بوصفها بناء فوقياً للرأسمالية، تثير نفوره بقدر ما كان يثيره ذلك المحافظ المدعو ألكسي دي توكفيل: "ففي نيويورك، انقلبت عربة الدولة في الثلم الآخر المواجه لنا. إن حق الاقتراع العام يسيطر كالطاغية، وكطاغية قذر اليدين".
إننا لنجد في رواية "لوسيان لوين" نضجاً كاملاً، لا تشوبه الأوهام، ونقداً متناقضاً، ليس أخلاقياً وحسب، بل جمالياً أيضاً. وتنقطع الرواية عند فرار لوسيان من "جفاف روح" باريس، إلى بحيرة جنيف في بادىء الأمر، حيث يزور الأماكن التي جعلتها شهيرة "رواية ايلويز الجديدة"، ثم يذهب إلى إيطاليا حيث تفتح نفسه للفن "كآبة حنون". إن عبارات الرواية الأخيرة لطريفة جداً، فهي تقول:
"لقد ألقت به بولونيا وفلورنسا في حالة من الحنان والإحساس بأدنى الأشياء التي كان ممكناً، لثلاث سنوات خلت، أن تثير فيه كثيراً من الندم.
وأخيراً، عندما وصل إلى مركزه، في كابل، كان بحاجة إلى أن يعظ نفسه، لكي يتخذ تجاه الناس الذين يود مقابلتهم، الدرجة المناسبة من الجفاف".
إن هذه الرواية لرواية مضادة للرومنطيقية، ومع ذلك فهي تشكل عودة مدهشة إلى الحساسية الرومنطيقية! ونحن لا ندري إلى أين كان ستندال يرغب في إيصال بطله لوسيان. ولكن هذا المقطع يوحي، حسبما يقول ماركس، بأن المفهوم الرومنطيقي ينوجد دائماً بقرب المفهوم البورجوازي لكي يشكل نقيضاً قابلاً للتبرير.
ومن الأسف، إن مفهوم الواقعية في الفن مطَّاط وغامض. فتارة تفسّر الواقعية على أنها موقف، بمثابة الاعتراف بواقع موضوعي، وتارة أخرى تفسر بمثابة أسلوب أو منهج. وكثيراً ما يتلاشى الحد الفاصل بين التعريفين. فحيناً يطبق نعت "الواقعي" على هوميروس وفيدياس وسوفوكليس وبوليكليتس، وشكسبير، وميكل انج، وميلتون، وغريكو؛ وحيناً آخر ينحصر هذا النعت بالمنهج المطبق من قبل فئة معينة من الكتّاب أو الرسامين، ابتداء من فيلدنغ، وسموليت، وتولستوي، وغوركي، وجيريكو، وكوربيه، إلى مانيه وسيزان. فإذا كان علينا أن نعتبر الاعتراف بواقع معطى بشكل موضوعي كأنه طبيعة الواقعية في الفن، وجب ألا نقصر هذا الواقع على عالم خارجي محض وموجود بشكل مستقل عن وعينا. إن ما يوجد مستقلاً عن وعينا هو المادة، لكن الواقع يشمل كل التباين الشاسع للتفاعلات التي يجد الإنسان نفسه مسوقاً بها مع ما يملك من مواهب للإحساس والفهم. إن فناناً يرسم منظراً طبيعياً ليخضع لقوانين الطبيعة التي اكتشفها الفيزيائيون، والكيميائيون، والبيولوجيون. ولكن الذي يمثله في فنه، لا يشكل طبيعة مستقلة عن ذاته. فهو منظر طبيعي رآه من خلال مشاعره الخاصة، وتجربته الخاصة. وليس الفنان مجرد أداة مرتبطة بعضو حسّي يستطيع إدراك العالم الخارجي؛ وإنما هو أيضاً إنسان ينتمي إلى عصر خاص، وطبقة، وأمة، وله مزاج وطابع خاصين، وكل هذه الأشياء تمثل دوراً في الطريقة التي يرى بها، ويحس، ويرسم المنظر الطبيعي. إنها تشترك جميعاً في خلق واقع أكبر بكثير من مجموع الأشجار، والصخور، والغيوم، والأشياء التي يمكن أن تقاس وتوزن. إن هذا الواقع لتحدده جزئياً نظرة الفنان الفردية والاجتماعية. ومجموع الواقع هو حصيلة كل العلاقات بين الذات والموضوع، وهو لا يشكل الماضي وحسب، بل المستقبل أيضاً وهو لا يشكل الأحداث فقط، بل التجارب الذاتية، والأحلام، والأحاسيس الداخلية، والانفعالات، والتخيلات أيضاً. إن الأثر الفني يجمع بين الواقع والخيال. وساحرات شكسبير وغويا هي أكثر واقعية من الفلاحين والحرفيين المجمّلين في العديد من اللوحات الشعبية. إن رتابة الحياة اليومية، عندما ترتفع حدّتها لدرجة خيالية عند غوغول، أو عند كافكا، تكشف لنا من أمر الواقع أكثر مما يكشف أي وصف طبيعي النزعة. إن دون كيشوت، وسنشو بنزا، هما أكثر واقعية، حتى اليوم، من مئات الشخصيات المحددة والركيكة التي تحفل بها روايات "منسوخة عن الحياة". فإذا ما أردنا أن نحدّد معنى الواقعية لا بوصفها منهجاً، بل بوصفها موقفاً، وبصفة كونها تصويراً للواقع في الفن، فإننا سندرك بأن الفن كله تقريباً (باستثناء الفن التجريدي، البقعي الخ...) هو فن واقعي.
ولهذا، يبدو من الأفضل عملياً، تحديد مفهوم الواقعية في الفن بمنهج خاص. مع مراعاة (وهذا ما ينبغي ألا يسهى عن البال) استحالة التعريف هذا إلى حكم تقييمي. إن الرواية الواقعية، والمسرح الواقعي، ليتعلقان بتطور اجتماعي خاص، لا في مجتمع "مغلق" ومنظم بشكل تراتبي، بل بمجتمع بورجوازي "منفتح". وبقدر ما يتطور العلم، فهو يبلغ درجة متنامية أبداً من الإتقان. ولكن، ليس الأمر كذلك بالنسبة للفن. فالمحتوى تتكاثر وجوهه، وتتسع الآفاق أيضاً، ولكن ستندال، وتولستوي ليسا أكثر كمالاً من هوميروس؛ إن جيريكو، وكونستابل ليسا أيضاً أكثر كمالاً من جيوتو وألغريكو. وحتى بالنسبة لآثار فنان واحد مثل ايبسن، فإن "بيت الدمية"، وهو أثر واقعي مكتوب بتأنٍ، ليس أكثر كمالاً من روايته "بيبرجنت" الخيالية. وكذلك الرواية الواقعية، ليست بشكل دقيق، وفي فترة تاريخية معطاة، أكثر كمالاً بأي حال من القصص الحكمية المسرحية لدى بريشت. إن الواقعية بالمعنى الدقيق هي مجرد شكل ممكن للتعبير، ولكنها ليست الشكل الوحيد والفريد.
ثمة العديد من وجهات النظر المتباينة، تجد تعبيراً لها في إطار الواقعية النقدية ذاتها: ("النقدية" هنا تعني موقفاً، و"الواقعية" تعني منهجاً). ابتداءً بالاحتقار الارستقراطي الذي كان فيلدنغ ينظر من خلاله إلى البورجوازية الصاعدة (وهو عامل نجده عند بيرون، وستندال أو بلزاك) حتى الإدانة لمجتمع ما بعد الثورة (ستندال، فلوبير) ووصولاً إلى الآمال والتصاميم الإصلاحية عند ديكنز، وإيبسن، وتولستوي. فعند هؤلاء جميعاً يظهر موقف نقدي تجاه المجتمع بالصورة التي هو فيها، ولكن النبرة تتراوح بين أن تكون محتقرة، أو ساخرة، أو إصلاحية، أو عدمية. إن النبرة الخاصة لكل فنان ليست بالضرورة مرتبطة بشكل خاص من أشكال التعبير. إن روايات توماس مان الأولى، مثلاً، (وقد كان يومذاك محافظاً متطرفاً) وخاصة رواية "آل بودنبروك" قد كتبت بأسلوب واقعي مُستقى من تولستوي وفونتان، بينما الروايات الأخيرة التي كتبها مان عندما بدأ يهتم بالأفكار الاجتماعية الجديدة، وينبذ تراث شوبنهور ونيتشه (مثل رواية الدكتور فاوستوس، والمنتخب) فهي تتجاوز بكثير الحدود التي توضع عادة للاشتراكية. وقد تحدث توماس مان نفسه كيف كتب روايته "الدكتور فاوستوس" مشيراً إلى الصلة بين كتابه وبين روايات جيمس جويس. إن الموقف المميز لمعظم "الواقعيين النقديين" إنما هو الاحتجاج الرومنطيقي الفردي ضد المجتمع البورجوازي، وهذا العنصر الرومنطيقي يبدو بشكل واضح، لا عند ستندال وبلزاك وحسب، بل عند ديكنز، وفلوبير، وتولستوي، ودوستويفسكي، وإيبسن، وسترندبرغ، وجيرهارت هوبتمان أيضاً.


إرنست فيشر

ضرورة الفن

Share/Bookmark

اسمك

الدولة

التعليق

fati:

ماشاء الله

maroc