نذير نبعة يعرض استعادياً تجربته الفنية في صالة تجليات

صبايا الرمان يراقصن اللون والروح

«الفن تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمل فيها وأمعن التفكير جيداً بالخلق الناجم عن ذلك»، غوغان. وهكذا الفن لدى نذير نبعة استخلاص من الإنسان بالتأمل فيه وفيه. ثم يمعن أن يكون الناتج برحمة الجميل، بعد التغلغل بروحه وروحه كثيراً. أما كيف فهمت مقولة غوغان هذه، فإنه من خلال تأمله في الطبيعة نفذ إلى أغوار فيها، إلى أعمق من رؤية سطوح الأشياء، فأخذ من تلك الطبيعيات كنهها، ثم عاد ففكر بما أبدع تفكير عميقاً، ليكتشف ما مازج هذا الكنه من تلك الطبيعة حينما اتحد بعينيه من أثر في قلبه، والأثر قد يكون عن فعل الرسم أو الطبيعة فيه وفي الرسم، هكذا يأتي تفسير المعنى بالنسبة إليّ.

لكن نبعة يتجاوز هذا، فهو يتأمل في هذه الطبيعة كثيراً وكل ما يصادفه فيها ويقع في قلبه أو كان واقعاً به يغدو طبيعة أكثر مع محبته من خلال التعلق فيه، من الرمان إلى الجوري والناي وتفاح الأثداء إلى أصوات النسمات، كل هذا بمفرده يكون طبيعة ويُحول إلى فعل تأمل وله خلق إبداعي ناتج عنه يدفع إلى التأمل من جديد، بالنسبة للآخر فهذه الكلمات صدى لهذا التأمل الذي وجدت نفسي في رحابته، وأنا أتحدث عن تأمل ينبثق من المادي، ليغل بما هو أعمق من هذا، ليس كتجريد للأشياء عن الطبيعة، بل تحريك الخيال بهذه الأشياء في فضاء اللوحة، لتقود إلى فعل التأمل والجمال بعد هذا، وإن كنت تحدثت عن إيقاعات مادية الأشياء المتحركة في فضاء من جاذبية ولا جاذبية الوعي، إلا أني لم أدخل بعد في عتاقتها وتمازجاتها الحسية والانفعالية النفسية والإرثية والتاريخية العمقية إضافة لهذا البعد المادي المقشور السطح إلى دواخل العمق والرحابة، وحتى هنا فلا زلت في الجانب المادي من العمل بكل خصوصياته لكن الأمر يختلف لو دخلنا إلى الأبعاد المجردة فعلاً عندها سنكون بمواجهة إشراقات التأمل وجهاً لوجه أو روحاً لروح، هنا أفضل الصمت، هذا الصمت السكوني أمام تجليات.

«اكتشف سورية» التقى الفنان التشكيلي نذير نبعة في حوار يأخذنا بعيداً وطويلاً في فضاءات تجربته وروحه وجماليات عوالمه.


من أعمال الفنان نذير نبعة

رمزت الرمانة عند الرومان لربة الخصب أناهيتا لكنها ترمز عند الصينيين إلى الخصب والذرية وكذلك عند الزرادشتيين، وإضافة لهذا فهي ترمز إلى فكرة الموت والبعث، وفي الأيقونة المسيحية رمزت إلى الإحسان وهي تعني المعرفة لو كانت مفتوحة. نذير نبعة يكثر من رسم هذه المفردة الجمالية والرمزية في آن فهل يخبرنا أسرارها؟

الرمان كمفردة أستعملها موجودة في الموروث السوري، يقال: طاسة طرنطاسة بالبحر غطاسة جواتا لولو وبراتا نحاسة، وهي الرمانة، وأنا أعتبر الرمان رمزاً للشرق فهو فقير من الخارج و غني من الداخل، وهو كالبيت الشامي من الخارج طين وتبن لكنك ما إن تدخل إلى الداخل حتى تجده جنة، فأنا عشت في بستان وكنت أرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة وحتى النضوج بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، وحتى الحروق البنية التي تصيبها بها الشمس أو التشققات اللاحقة وحتى تذوق طعومها، وهي ليست الرمانة التي أخذناها بالمراسم كطبيعة صامتة في الأكاديميات، فهي ليست مجرد طبيعة صامتة بل تذكرني بالأغاني الزجلية السورية والغزل الذي حظي به الرمان، إذ يندر أن يوجد مغني لم يتغن بالرمان، وهذه الأشياء تبقى أقرب إلي ّمن كل الثقافة التي حصلتها لاحقاً، فكل خبرتي عن جماليات الرمان كانت في مراحل تشكل الوعي وقبل ذلك من مراحل الطفولة، وهذا ما يجعلني أعجز عن تعريفه، إذ إن مجموع هذه التأثيرات التي تغلغلت فيّ ارتبطت بالكثير من الخبرات الجميلة، وهكذا أفسر الأمر، أما ما حصلته لاحقا من معرفة فهو إضافة تخدمني في توظيف هذا الرمز.

من أعمال الفنان التشكيلي نذير نبعة

التفاحة أيضاً ترمز في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام لو وضعت على شجرة الميلاد مثلاً، وقد تكون رمزاً للكون والكمال، وهي بالتحليل النفسي رمزاً لثدي المرأة، كيف يوظف الفنان نذير نبعة هذا الرمز الذي يتكرر كثيرا في لوحاته؟

أعيد أن طفولتي تشكلت في بستان يحتوي الكثير من الأشجار ومنها التفاح، والتفاحة تتمتع بشكل مميز وخاص يقترب من الدائرة وكل ما ذكرته من معاني ينتمي لهذه التفاحة، وفي أسطورة الخطيئة يقال أن حواء خبأت التفاحة في صدرها! وهذا يرمز لثدي المرأة وإذ تنظر إلى سطح التفاحة ستجد الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين بحيث تبدو شهية وجميلة، التفاحة مبهجة بصريا وهذا الشكل يشدني منذ كنت طفلاً حتى أصبح عنصراً تشكيلياً، والمسألة هنا ليست قراراً، لأنها تشكل توافقاً مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى، ثم يأتي الوعي والثقافة لتعزيز هذا المفهوم، فكل فنان ينشد عناصر معينة في الطبيعة يستطيع أن يبدع فيها، فالوجوه الموجودة في لوحاتي هي وجوه خيالية إلا أن الكثيرين يطلقون تشابيه عليها تعود إلى الواقع، وهي كهذه الوجوه تأتي من الخيال لتمنح اللوحة إيقاعات من الجمال وانعكاسات لرمزية المفاهيم.

تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحتك وهي كرمز تختصر الحياة والموت، وكذلك ترمز لولادة فينوس عند الإغريق والرومان، ويجسدها بهذا المعنى بوتشيلي في إحدى لوحاته، إنها أيضاً رمز للحظ الجيد والخصوبة وللمرأة والجنس، كيف يرى نبعة القوقعة؟

من أعمال الأستاذ نذير نبعة

تعود علاقتي الشخصية بالقوقعة إلى أن أمي كانت تمتلك إحدى هذه القواقع وكنت أراها قرب المصحف في البيت عندما كنت صغيراً وهذا المخلوق الأملس الملون بألوان تشابه ألوان الشفق لها الكثير من الشاعرية الهامسة وهذا الشكل واللون كان يشدني، ولو سألتني لماذا؟ لا أعرف فهو يعود لمرحلة قبل الوعي. أما لاحقاً فكنت أشاهد هذه القواقع يحملنها الغجريات ليكشفن من خلالها الودع (التنجيم) ومن خلال رمي مجموعة القواقع على الأرض تقوم الصدفة بتوزيع شكل القواقع وكن يخبرن الأشخاص عن المستور أو يطلعونهم على الأسرار أو على ما يضمره الغيب لهم، ويجبن على ذاك التساؤل الذي لم يطرحونه، وكشف هذه الأسرار لطفل يحمل الكثير من التساؤلات ويكتنفه الغموض والتعجب! بعد ذلك تتعرف على القواقع من خلال الدراسة وتطلع على خصوصياتها ورمزيتها وتطلع على سبيل المثال على كيفية استخراج الأرجوان عند الفينيقيين من القواقع البحرية..

..يهمني هنا بمناسبة طرحك للأرجوان، السؤال إن كنت استخدمته في لوحاتك فأنا بالكاد ألحظه؟

من لوحات الدمشقيات
للفنان التشكيلي نذير نبعة

اللون الأرجواني لدي موجود في التجليات وهو موجود أيضاً في لوحات الدمشقيات، لكن لم يتبقَ لديّ أي من هذه اللوحات الآن، لقد رسمت الكثير من اللوحات التي تحتوي هذا اللون مستنداً إلى مرجعيته، هذا إضافة إلى أن هذا اللون جميل. وبالعودة إلى القواقع أذكر أني ذهبت إلى بورسعيد فالساحل هناك مغطى بالقواقع بدلاً من الرمل، هذا مشهد سريالي ويشبه الحلم ولا تستطيع إلا أن تلتقط بعضاً من هذه القواقع، ولا تشعر إلا وقد جمعت الكثير، وهذا ما فعلته إذ جمعت حقيبة منها. القوقعة بالنسبة إلى هذا الغموض الموجود بشكلها تشبه الغموض الموجود بالأنثى، فالمرأة باستمرار مخلوق لا يمكن اكتشافه، فهي لا تظهر كل ما لديها، وهي تمتلك على الدوام مزيداً من الأسرار! والقوقعة كذلك، إذ يكون اللؤلؤ في داخلها، والحصول عليه عملية تكتنفها صعوبات مميتة. هذا من الناحية المادية أو الشكل، أما المجهول فهو في الداخل، هذا المخلوق أو المفاجأة الساكنة في الداخل، فأنا أقرنها باستمرار بالأنثى وبالكنوز الموجودة فيها. عندما أضع المجوهرات عليها لا أقصد أنها مجوهرات تزيينية بل هذا المعدن على جسدها يحدث بصرياً تفاعلاً حسياً وانفعالاً خاصاً، وهذا ما أرمي إليه من ذلك.

هنا أحب أن أسألك، من خلال تعاملك مع القواقع في لوحاتك، هل أخذ هذا المفهوم شكلاً تصاعدياً من تطور الرمز وأشكال توضعاته على سطوح اللوحات؟

من أعمال التشكيلي السوري
نذير نبعة

نعم بالتأكيد، المفهوم يتطور فأنت تتذكر على سبيل المثال أنهم يقولون: لو وضعت القوقعة على أذنك فأنت تسمع صوت الهواء أو موج البحر، وهنا لا بد وأن يتداعى إلى ذهنك علاقتها بالماء، وكطفل ستعتقد أن البحر موجود في الداخل، وهذا يشكل عالماً من السحر والانجذاب إليها وليس لشكلها وحسب، لكنك عندما تقرأ عن رمز القوقعة ستعرف أنها رمز الماء، وهنا تتجاوز القوقعة معناها الخاص المحلي ليكون رمزاً عالمياً. وإذ تسألني لماذا أرجع هذه الأشياء إلى طفولتي وإلى بحري، رغم أن هذه الأشياء موجودة في كل مكان، لكني أصر على بحري أنا، هذا البحر السوري أكثر إيحاءً من كل البحور! أنا أنشد إلى قضاياي وصولاً إلى قضية فلسطين. أنا اهتم بقضايا فيتنام بالمعنى الإنساني ولدي هذا البعد، لكني ما يرتبط بي ويكون قريباً مني، أحبه أكثر، فالذي لا يحب نفسه لا يمكن أن يحب العالم.

لأنهي موضوع القواقع أحب أن استفسر عن إحدى لوحاتك والتي تعود إلى مشروع تخرجك في القاهرة، أرى فيها القواقع واستغرب وجودها في لوحة لأحد العمال في الوقت الذي أشاهدها في لوحات تتصل بالمرأة وبمعان جمالية أخرى، هنا أنا اسأل عن اختلاف التوظيف؟

المقالع كانت بداية مسيرتي التشكيلية في ذاك التاريخ، والمشاريع كانت ذات مواضيع بسيطة وكان ينظر إليها نظرة تبسيطية سياحية، سادت فيها المواضيع الاجتماعية والسياسية (فترة الستينات)، وكان أغلب الفنانين العرب في تلك الفترة في حالة بحث عن الذات، بمعنى أن كل المناهج التي كنا ندرسها كانت مترجمة عن الأكاديميات الغربية، وكان علينا أن نرى جمالياتنا بعيوننا نحن، ونتجه إلى تراثنا القديم، الفينيقي، السومري، الآشوري، الفرعوني، وذلك من الستينات، وتلاحظ أن التشخيص الموجود في اللوحات من تلك المرحلة، مأخوذ من الرليفات (النقوش النافرة) السومرية والتدمرية، باعتبار أن مرجعياتنا بالرسم تعود إلى تلك الفترات من تاريخ الأجداد، وهذه من جهة تعتبر واحدة من جمالياتنا، قبل ذلك، كنا نستلهم جماليات لوحات عصر النهضة والرومانتيكية والواقعية، ونستوحي من تلك التراكمات الثقافية الغربية، هذه التجربة دفعتها ظروف قدماً، لكن أخرى أحبطتها، وخصوصاً فترة النكسة وما انعكس على مفكري وفناني الأمة من إحباط، أعتقد أنه عندما يحدث انكسار أو هزيمة في حياة الأمة يتجه مفكروها إلى مهاجمة أنفسهم وتقريع ذواتهم، في تلك الفترة نفذت عدداً من اللوحات عن النابالم الذي استخدمته إسرائيل، وعن الفدائي باعتباره الوحيد الذي كان يقاوم إسرائيل بعد انهزام الجيوش العربية. وبالعودة إلى السؤال، تعود بداية عرض القواقع إلى عرضي الأول في صالة الفن الحديث في سورية، والمعرض كان بأغلبه عن أساطير الفرات، وأساطير كنت استوحيتها من قراءاتي، ومنها أسطورة سيزيف التي تجسد عناء الإنسان وتحديه، وقد دمجت سيزيف الأسطوري بهذا الحديث، أي الإنسان العربي وجسدته في إحدى اللوحات، أي أن القواقع أتت من الأساطير وخصوصاً الفراتية منها (إنليل، ننليل، كاهنة مردوخ)، وهذه القواقع مرتبطة بالماء والمرأة كفينوس وعشتار التي وُلدت أمها من رغوة ماء الفرات، أي أن الأسطورة التي رسمتُها هي أسطورة تخصنا..

ربة الموسيقى
للفنان التشكيلي نذير نبعة

..ألهذا تظهر عشتار في لوحتك سمراء بدوية؟

المسيح لدى الإفريقيين أسود، وكل ثقافة رموزها تشبهها.

هنا أحب أن أسألك لتجيب بطريقة التداعي الحر وباختصار عن هذه الرموز الموجودة في لوحاتك؟

أشجار الغرب: هي أشجار أدهشتني أول الأمر في فصل الربيع، لما فيها من قوة الخصوبة.

السمكة: هي رمز الشر في إحدى لوحاتي، وهي رمز الخير، وهي رمز جنسي، إضافة لأن شكل السمكة الجميل بصرياً، هو الأهم عندي.

الناي: رمز لوحدة الماء والنبات والهواء، وهذه الوحدة تخلق الموسيقى، وهو رمز –كشكل- لحرف الألف!

الصلب: ليس الآتي فقط من صلب المسيح، بل يصل إلى كل المناضلين، الذين حاولوا أن يقدموا فكراً متنوراً.

القنديل: هو رمز النار والنور، كنا نشعل النار منه ونستضيء به، رافقني بمراحل دراستي.

ثدي المرأة يظهر في لوحاتك وحتى الشرقي منها! هنا محظور إرثي بمقابل متاح تشكيلي، كيف استطاع نبعة أن يوفق بينهما، دون الوقوع في توصيف اللوحة بالاستشراقية؟

من أعمال نذير نبعة

الله خلق الإنسان من دون ثياب، ثم يعود ويقف في يوم الحشر بدونها أيضاً. الإنسان عندما أخطأ وضع على نفسه الثياب، وهذه الإجابة أقولها دائماً، عندما اُسأل عن هذا الموضوع. أنا أعود إلى الطفولة الأولى فأول ما يتحسسه الطفل ثم يراه هو ثدي المرأة، وهذا كله قبل الوعي. هذا الشكل (الثدي) بالمقارنة مع صيرورة التطور بالنسبة للرجل يكون مختلفاً (فيزيولوجياً)، وهذا محرض قوي كشكل بالنسبة للرسام، ولاحقاً تضيف الثقافة مع تطور الوعي، فتعرفه أكثر كرمز عند الأقوام والثقافات، بالتأكيد هو شيء مقدس، لدرجة أني رسمت الثدي كموضوع مستقل. أما العاري لدي فلا يوحي أبداً بأنه فاضح بقدر ما يوحي بالخصب والجمال والحياة، أذكر هنا أنه في معرضي في المركز الثقافي العربي سنة 1979، جاءت سيدة ورفعت المنديل عن وجهها أمام إحدى اللوحات العارية، ثم سألتني أليست هذه أمنا حواء يا بني؟ فقلت لها نعم، وهذا التوصيف من أفضل التوصيفات وهو تماما ما أريده، هذه اللوحة كانت عن وادي الربوة، والعاري كان إضافة مركبة، لأعبر عن شدة حبي وتعلقي بهذا الوادي. أما الاستشراق أو المستشرقون، فقدموا عن الشرق المفهوم العاري الحسي كما يفهمونه هم، وهذا غير المفهوم لدينا..

..كأني أفهم أنك ترد على اللوحة الاستشراقية بمفهوم مختلف؟

في الفن الشعبي، العاري المسموح هو آدم وحواء، وإذا اعتبر العاري عيباً، فقد كان هذا العاري في الكثير من البيوت، العري بالمفهوم الشرقي ليس ذاته بالمفهوم الاستشراقي، فالقاموس اللغوي لكل معاني الحب والجنس والعري مختلف في الثقافتين، أما من يرى في لوحتي بعداً استشراقياً فهو مع الاسف أعمى.

لوحتك تمنح العين القدرة على التفكير والحلم، وهي تأخذ منك الكثير من الوقت، فحتى إنجاز اللوحة، بماذا تكون تفكر؟

إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر، وهذا الآخر هو الإنسان، وهذه المحبة تفرض على الفنان أن يحب لوحته لتصل هذه المحبة إلى الآخر، المسألة تتجاوز التفكير لأنه مع تدخل العقل أفقد اللوحة! عندما يتدخل العقل في اللوحة ويكون له الدور الأول تصبح باردة، المسألة مختلطة بما نحمله من مشاعر المحبة للآخر بدءاً بمحبة الأنثى وانتهاءً بالتواصل مع الآخر. معنى المعرض هو التواصل مع الآخر، فالمعرض ينبغي أن يحمل جديداً لأتحاور به مع الآخر، فالمشهد الجميل وحده لا يكفي، ولهذا تكون الفترات بعيدة بين معارضي.

مارست الفن كرسم وتصوير وأرشفت مشهديات شرقية ودمشقية كثيرة، بحساسيات بلغت الأعماق الروحية لهذا التراث ونحن ندين لك بهذه التسجيلية الحلمية التعبيرية، بعد كل هذا التاريخ من العمل والعطاء على الموضوع التراثي والأسطوري التراثي، هل ُتعتبر «تجليات» تسجيلاً لعوالمك الداخلية بكل ما تحتويه من تقشفات وجماليات، من رهبنة وثراء؟

من دمشقيات
نذير نبعة

ما تقوله مقاربة جيدة وهذا طبيعي فالإنسان يمر بفترات نمو مختلفة من الطفولة إلى الكهولة، وبالتالي الإنسان ليس ذاته بكل منها بل بتلك الإضافات من الخبرات والمعارف، في الجانب التشكيلي تنمو هذه الخبرات وتتطور وكذلك الاهتمامات. «تجليات» هي مشهد واقعي من الحياة ولكنه يتحول في لوحتي إلى مشهد تأملي، ولكنها ليست «كرت بوستال» لهذا الواقع بحيث تستطيع القول مثلاً هذه صورة لتدمر أو معلولا أو غابة خريف أو غير ذلك. هذا الميل للمشهد التأملي بدأ منذ 1964 -عندما كنت أدرس في دير الزور- من رحلات الصيد مع بعض الأصدقاء، وكنت أرافقهم فقط حيث كنت أشاهد الجبال التي كانت صخورها تتمتع بمنظر غاية في الجمال حتى أني كنت اطلب كاميرا لأصور هذه الصخور، وتستطيع القول أن أول إنتاجي بهذا الاتجاه يعود إلى أوائل الثمانينات، ولم أكن انتهيت بعد من مرحلة الدمشقيات حتى أن هذه الأجواء موجودة في خلفيات بعض اللوحات من تلك الفترة.

في تجربتي الأخيرة «تجليات»، حذفت موضوعي الشخصي، مكتفياً مهنياً وتقنياً بذات أدواتي من لون وملمس لأرضية اللوحة من حيث الخشونة أو النعومة ، النافر أو الغائر، واستثنيت الأشكال حتى الأشكال الهندسية أو النباتية منها، والهدف أن أدعو الآخر إلى لوحتي ليرى موضوعه هو، عاطفتي تدفعني لأحتضن الآخر في لوحتي ليرى فيها ما يحب، فقد يرى فيها غابة أو صخراً ملوناً أو غروباً، هذا يغني اللوحة. يقولون عن الجوكندة أنها لوحة جميلة لكن ما كتب عنها والتفسيرات العديدة لها يجعلها أجمل، تلك النصوص الموازية تمنحها آفاقاً من الجماليات، وعندما يرون في لوحاتي (تجليات) أكثر من موضوع فهذا إغناء للوحة.

في عرضي (تجليات) في صالة أتاسي (عام 2003)، قدمت المعرض ببيان يعتبر مدخلاً لقراءة العرض، وهو عبارة عن قصيدة أخاطب الآخر في بعض منها:

«أدعوك لترسم في لوحتي لوحتك
أدعوك لترسم في فرحي غضبك
أدعوك لترسم في منظري.. وجهك
لأن هناك نافذة أخرى للرؤية..»

نصك التشكيلي البصري يشبه كثيراً خصوصيتك، أأستطيع تسميته نصاً تجريدياً؟

لا، أعتقد أني أقدم مشهداً واقعياً تأملياً، لأنني لا ألجأ إلى الأشكال التي قدمها التجريديون.

من «معلولا» إلى «المدن المحروقة» لوحات فيها ذات الإيقاعات الملمسية والخصوبات اللونية الحسية والروحية المتقشفة، وبالوصول إلى «تجليات» نكاد لا نلمس فرقاً كبيراً من حيث التقنية أو العجائن اللونية، أأخلص إلى أنك تصير جزءاً من هذه العجائن؟

سأقرأ لك جزءاً ثانياً من قصيدة «تجليات»:

«يتخذ سطح اللوحة مسرحاً للوجود
ملعباً لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم
أرضاً خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحد وحنان الأصابع
ورحمة العاطفة
يولد من نزق الانفعال، وحماقة الغضب
وفعل الغرائز، ورقص الفرح
وشطحات البصيرة..
الفرح يصبح لوناً معربداً في النافر
ويمسي الانكسار غارقاً في ظلال الغائر
الموضوع بعد الثبات والموت
يهب حياً متجولاً حراً.. مليئاً بالاحتمالات
...».

المدن المحروقة هي بغداد، بيروت، قانا، جنين، غزة، ولو أني أرسم بغداد بالشكل التقليدي للحرائق والدمار، أو كيف ُحرق المسجد الأقصى، لكانت الكاميرا أفضل من الرسم، بهذه الطريقة من الرسم، الاحتمالات لا نهائية المهم لديّ توالد الأسئلة ومشاركة الآخر في طرحها والإجابة عليها، نستطيع القول أنه تنزيه عن الشيء الواقعي، فعندما كانت بغداد تحترق، أكان يجب أن نعبر عن ذلك، بأن نرسم مدينة يخرج منها اللهب؟! المسألة تتجاوز هذا، كنا نشعر بالعجز عن فعل شيء وما كان يحدث في الصدر هو نوع من الحرقة أو الاحتراق، بحيث يشعر الإنسان أن الدخان يخرج مع أنفاسه، ويكون التعبير مختلطاً بما تحدثه السكين على سطوح اللوحة من إحساسات غائرة أو نافرة، وبهذا اللون الممزوج بالمشاعر، هكذا يتم الأمر..

..تستوقفني هنا كلمة «تنزيه» وأحب أن استبدلها بكلمة «تجريد» الذي يعني نزع القشرة عن الشيء والدخول إلى قلبه، وهذه مقاربة صوفية، لكن ابن سينا هو الأدق هنا ويتفق مع طرحك، إذ يعتبر التجريد هو تجريد للمادة من بعض لواحقها،
وهو ما فعلته أنت بالصخور إذ أبقيت الملمس وسطح الشكل، ثم تركت الخيال ليرتفع بهذه الصورة إلى مصاف التأمل، هل توافقني في هذه الرؤية؟


كلمة تنزيه هنا أتت لتكون مختلفة عن المصطلح الغربي «abstract» (التجريد)، إذ يخلط الناس في هذا المفهوم ويرون التجريد فقط فيما قدمه الغربيون، وهذا يتجذر في الثقافة اليومية عند الكثيرين، ولهذا استخدمت كلمة تنزيه لأنها أقرب إلى قاموسنا، ولتشكل اختلافاً عن كلمة تجريد بالمعنى المتداول.

أرى في عملك (تجليات) ارتقاءً شخصياً وروحياً، ولكنه (أفقياً) يتخذ معنى أرضياً وإنسانياً، وهو قريب منا كفاية لنشعره في أرواحنا، وأنت هنا ربما مختلف عن المتصوفة ومن يشبههم في أشكال التجلي العمودي أي مع السماء والنور، إلا أنك تحدث أثراً مشابهاً! ففي الوقت الذي تستدعي الآخر إليك، أنت تستدعي المكان أيضاً، وكأنها دعوة لأن نكون أكثر تواضعاً على هذه الأرض؟!

من شاء سما وتوحد، ومن شاء كبا وتبدد! وهنا كبا ليست بمعناها السلبي، وهكذا تبدد. كبا هنا بقرار وبإرادة ورغبة بمعنى الموت في هذا التراب والبعث من جديد، هي عودة إلى الجذور والانطلاق منها، هنا الرؤية متسعة ولكن العبارة تضيق. إن أول ما يلعب به الأطفال هو التراب والطين، هو أول الأبجدية والوعي، وبعد أن رحلت بعيداً لا بد من العودة إلى ترابي وطيني الأول، أنا يهمني أن يعرفني قومي قبل أن يعرفني الآخرون، إحساسي يوم افتتاح المعرض بأن الناس كانت تحضنني ، لا يقابل بكنوز، ذلك لأني بينهم. أنا لا أجد نفسي بالخارج، أنا هنا، أنا اعتبر الفينيقيين والسومريين والآشوريين والفراعنة أجدادي، أنا ابن لهؤلاء.

أراك تأخذ من الفراعنة قوة الشكل وثباته، كما تأخذ من الفينيقيين لطف الشكل وجمالياته وترحالاته، فنرى من فترة السبعينيات بروز ملامح النحت في تشكيلك، لكن الحركة والأمواج وخصوصاً في الشعر والحرائر تجعلني أراك في الجانب الفينيقي السوري وكأنك مسكون بتلك هذه الروح الفرعونية والسورية، كيف لي أن أفسر هذا الإصرار على استحضارها في لوحتك؟

جاء الرومان إلى سورية واحتلوها عسكرياً، لكن تدمر بقيت سوريّة ولم تصبح رومانية، وكذلك الفن فيها بقي سورياً ولم يصنعه الرومان، وهذا ما حصل في مصر، إلا أنهم ذابوا في الحضارة الفرعونية ولم يؤثروا في الحضارة القائمة ولم يحدث فن روماني ولا بجزء من الجوهر، صحيح أنهم كانوا أقوى عسكرياً، لكن ثقافتهم ليست أقوى من الثقافتين الفرعونية والسورية، ولذلك لم يكن لهم هذا التأثير على الفن، حتى أنني أعتقد أن ثقافتهم في جزء كبير منها أتت من عندنا، فأوروبا إبنة قدموس وخرجت من صيدا على ظهر بوزيدون، ومن هنا جاء اسم أوروبا القارة حسب الأسطورة.

في نقاشاتي مع بعض الفنانين نختلف على تحديد ما إذا كان هناك فن سوري، وأكثرهم يرجع بداية الفن في سورية إلى الرواد أو إلى الخمسينيات أو ما قبل ذلك بقليل، إلا أني أرى أن أمة تعود في عمرها لأكثر من عشرة آلاف عام من الحضارة يجعلها متجذرة فينا إرثاً ذاكرياً جمعياً، هذا إضافة للكثير من الروليفات واللوحات الفسيفسائية وحتى النقوش والرسوم على الأواني التي تعود إلى الحضارة الفينيقية المكتشفة، ومن الطبيعي لمن لديه كل هذا، أن يكون لديه إرث فني بأي شكل من الأشكال، سواء كان بصرياً خيالياً أو بصرياً مادياً، وإن كانت الوسائل التعبيرية عبر اللوحة المحمولة جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفي برأيي أن يكون لدينا فن سوري، وعلى الفنان أن يعود لجذوره ليعيد استخراجها بلغة بصرية تواكب الأشكال التعبيرية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية، ماذا يقول نبعة في هذا الشأن؟

خولة بنت الأزور
لنذير نبعة

لدينا فن سوري بالتأكيد، فنحن قدمنا للعالم حضارة عظيمة، نحن هنا نتكلم عن أجدادنا، أما إذا كنا نتحدث عن الحاضر فأمامنا الكثير من العمل لنقول أن هذا الإنتاج الفني عندما يصل إلى العالم يستطيع أن يراه العالم على أنه يحمل الطابع أو الهوية السورية، كما يقال مثلاً: هذا فن هندي أو صيني. لماذا يجب أن يقال هذه لوحة سورية؟ لأن فيها ملامح خاصة، أيّاً كانت اللوحة واقعية أو تعبيرية أو تجريدية، تميزها عن أية لوحة تنتمي لحضارة مختلفة، هذا لم نقدر أن نفعله بعد، بسبب الكثير من الظروف السياسية، وإن كنا بدأنا بذلك مرحلة الستينيات ثم توقفنا لذات الأسباب السياسية، نحن توقفنا عند جماليات الشعارات، الآن يجب أن نعود لنعي ذاك المشروع كي نستأنفه من جديد، هذا كان هم الفنانين من المشرق إلى المغرب..

..هل نملك برأيك مقومات فن سوري يحمل عناصر التشكيل البصري؟

بالتأكيد، لكن المناخ هو ما نحن بحاجة إليه، كما أن النبات بحاجة لمناخ وشروط لينمو، والفن بحاجة لمناخات من الحريات المختلفة لينمو، وهكذا الإبداع بكل صورة.

لون على لون، هل يساوي نور على نور صوفياً؟

أنت تقارن عملية فيزيائية أو كيميائية بعملية روحية، وإذا دخلت الكيمياء بالروحانيات كما فعل أجدادنا، فنعم..

..أشعر أن سؤالي وصلك، لكنك لم تجب، ما أقصده أن اللون في العصارة، يبقى لوناً حتى حتى تلامسه أصابع الريشة ثم سطح اللوحة، عندها يتحول إلى شعاع من ضوء..

كان لدينا في الأكاديميات التي درست بها مادة اسمها تكنولوجيا اللون، ولم تكن تلك المادة من أجل أن نخترع ألواناً بل من أجل أن نعرف خصائص اللون، كالألوان التي تتأكسد بمخالتطها لأنواع محددة من الألوان أو تلك التي تتآلف مع بعضها، فلون على لون هو تآلف كيميائي لهذه الألوان والتآلف محبة، هناك مواد تتآلف مع مواد أخرى ما يصنع الجمال أو ما يسمى بهارموني لوني فرح أو حزين أو هارموني متناسب مع الجو الملحمي في اللوحة مثلاً..

..حسناً، لنقلب صيغة السؤال نور على نور، كيف يساوي صوفياً لوناً على لوناً؟

الله نور السموات والأرض، حتى اللون الأسود وإن كان لا يوجد لون أسود، فهناك أسود مضيء، كما كان يقول لي أستاذي عبد العزيز درويش، فكنت أسأله كيف هذا؟! وكان يقول لي عندما تكبر ستعرف! عندها كنت في السنة الأولى في القاهرة. وهنا أقصد النور الذي يصدر من اللون نفسه وليس عن المصدر الخارجي كالشمس، وما تتركه من نور وظلال على الأشياء، أنا أتكلم عن النور الموجود بألوان الأحجار الكريمة، إذ هو نور داخلي وليس خارجياً، ولما تكون الإضاءة من الداخل تكون نوراً على نور، أما عندما تكون خارجية عندها يكون ظل وضوء! القمر لا يُصدر نوره بل ما يعكسه عن الشمس، ويزول بغيابها..

..هذه الرؤى «الجوانية» هل تنعكس بتجليات؟

بالتأكيد، أنا تعلمت من حركة الشمس على سطح الصخر النافر والغائر فيه، وكذلك من تأثيرات حركة الزمن عليه أو عوامل الطبيعة، هذه ألوان لا يمكن أن تخرجها من الأنبوبة فهي ليست مجرد ألوان جاهزة، هي هنا ألوان اشتركت بنسجها عوامل الطبيعة والزمن وتراكمات التاريخ بما يحمل من حضارة وإشراقات نور الشمس. أنا رسمت توشيحاً على المادة التي هي عبارة عن لدائن سميكة ألفت سطح اللوحة، وما قمت به هو توشيح أو تلوين على هذه السطوح بشفافيات لونية لتصبح هذا النور على نور، بلون شفاف غير كتيم، أي نور اللون أو إضاءته، فأنا لم أستخدم الأحمر بل نور الأحمر، وكذلك الأصفر فانا أوشح بضوئه وليس بلونه، حاولت أن أتعلم من الشمس كيف تلون الطبيعة، ولا زلت أحاول وأتعلم.

تحرضنا سطوح الصخر في لوحاتك لنكشف ما تحت وفوق سطوحها، كيف يفعّل نبعة هذه الطاقات ليختلط المادي بالمعنوي إلى هذا الحد؟

الصخر الذي رسمته هو من الأماكن التي زرتها شرق وشمال سورية، إضافة للبتراء في الأردن، لأقل من سورية ما قبل سايكس بيكو، ما تعلمته من هذه الجبال كمخلوقات، أن الإنسان ليس المخلوق الوحيد على هذه الأرض، برأيي أن الإنسان آخر التطورات على الأرض، في إطار وحدة الوجود نجد أن كل هذا الكائنات على سطح هذه الأرض متآخية، وإذ تؤمن بهذا تصبح معاملتك لهذه الموجودات معاملة مختلفة، في الموروث الشعبي يقولون: إن النخلة هي أخت آدم، إذاً النخلة عمتي! الصخر كما فهمته من هذه المرجعية هو مني أو أنا جزء منه، فكيف أنظر إليه كجزء أقل مني!؟ إنه كما نراه في الملاحم الشعبية أقوام تحولوا بسبب لعنات إلى صخور!، ويقول أحد الشعراء: خفف الوطء إن هذا الثرى من عيون ساحرة الإحورار. تقول إحدى الأساطير الشعبية التي قصها علي أحد الفلاحين في جبال اللاذقية عندما أشار إلى صخور عالية في أحد الجبال، قائلاً: هل تشاهد هذا الملك في الأعلى! استغربت هذا الكلام إذ كنت مستغرقاً في ألوان وأنوار المكان، وسألته: أين؟ أشار إلى صخرة في أعلى الجرف، وقال: هذا وجهه، إنه يصرخ! ومكان التاج على رأسه، ثمة شجرة! نظرت وإذ بوجه فعلاً، فحكى لي قصة هذا الملك الذي خانه أصدقاؤه حتى تاه في البراري، وظل الناس يسمعون صوت بكائه كصوت الريح إلى أن تحجر كما تراه في الأعلى. ولقد كتبت هذا النص وختمت على أنه حادثة واقعية، لكني عندما نظرت إلى الوراء لم أشاهد هذا الفلاح الذي حكى لي هذه الحكاية، ولا أعرف أكان هذا الشخص حقيقة أم لا، أو أنه عندما وجدني مستغرقاً إلى هذا الحد تركني ورحل، واختفى داخل المشهد! عندما ترى ذاك المشهد فإنه يأخذك فيه.. حدثتك بهذا لتعرف كيف أرى الطبيعة وكيف أتفاعل معها، وإن كنت أطلت عليك فاعذرني. أنا لن أرسم هذا الفلاح وتلك الصخرة التي تشبه الملك، أنا أرسم روح الأشياء.

من خلال ما قلت يصبح الولوج إلى «المدن المحروقة» و«التجليات» من ذات التفاعل ما بين البصري والروحي، النفسي والمعرفي أمراً محسوماً، إذ نستطيع أكثر أن نعرف كيف يبلغ نبعة كنه التعبير، من خلال سطوح الصخر والنفاذ إلى حرقة الألم، إلا أن الرؤية ليست كاملة لدي بعد، فثمة أبعاد أكثر جمالية في الصخر لم تحدثني عنها؟

كنا في عرنة (على حافة الجولان المحتل) في إحدى المرات مع بعض الأصدقاء وبالصدفة شاهدت وردة حمراء تخرج من صخرة، لم يكن في الصخرة تجاويف بل أقرب إلى أن تكون ملساء، وكيف تخرج هذا الوردة؟! سأسمعك إحدى رباعيات صلاح شاهين، باللهجة المصرية كما هي مكتوبة: «يلي بتبحث عن إله تعبدو، بحث الغريق عن أي شي ينجدو، الله جميل الله حليم الله رحمن رحيم، احمل صفاتو وانت رح توجدو». هكذا أفهم أنا الأمور، عندما تصبح الوردة داخلية، هكذا يكون!! لو قالت هذه الوردة أن الظروف صعبة لما كانت خرجت من تلك الصخرة، خرجت وهي تعرف أن حياتها القصيرة ربما تنتهي دون أن يلاحظها أحد، إلا أنها خرجت لتعلن عن جمالها، ومن لم يلاحظ هذا يكون قد خسر..!

..أأفهم أنك تعلن شيئاً مشابهاً في لوحتك، وأنك تحرضنا لنرى هذا؟

نعم، لأنه عندما لا ُيرى هذا الشيء الذي أتقصد إيجاده في اللوحة، لا تكون مشكلتي، الوردة تلك في مكان من لوحتي، ومن لا يراها فهو المسؤول عن عدم رؤيته!

لو ربحت الجائزة الكبرى هل كنت ستترك الرسم لتتفرغ لشراء أعمال الفنانين الحقيقيين، كما أخبرت أحمد معلا. هنا سؤالان، هل تستطيع أن تتوقف عن الرسم؟ ومن هم الفنانون الحقيقيون؟

هذا يشبه النكتة، أنه عندما يكون لديك نقود تصبح كسولاً، إلا أن حبك للفن يبقى، فتشتري ما تحب من أعمال فنية. أما التوقف عن الرسم فلا، تلك مزحة لا أكثر، الفنان عندما يتوقف عن الرسم يموت! الفنان الحقيقي هو الإنسان الذي يعي طريقه بشكل صادق بما يمنعه من التورط باستعراض قدراته كي لا يفقد حقيقية فنه! هناك الكثير من الرسامين تغريهم الصنعة فنراهم يلحون على استعراض قدراتهم، إنهم يشبهون لاعبي كمال الأجسام، أي أن كل شي مضبوط، لكنه ليس جميلاً! رغم أن الكثيرين يقولون أن هذا هو الشكل الجميل. وهذا رأيي، أحس أن هذا المثال يشبه حالة الشاعر الذي تهمه البحور أكثر من الشعر، أو الكاتب الذي تهمه قواعد اللغة أكثر من اللغة ذاتها، أهم شيء هو صدق الطريق والطريقة، فالفن يفضح، يفضح الكاذب إذ يظهر هذا جلياً في اللوحة، هكذا أفهم أنا الفنان الحقيقي، الصدق قبل كل شيء، قبل الصنعة المتينة، فالصنعة المتينة أو المهنية العالية هي مجرد أداة لتساعد الفنان على قول صدقه.

في قصيدتك بكاتالوج معرض «تجليات» الماضي قلت: «محال أن تعبر عن البربرية الحديثة بنفس الريشة التي رسمت جمال عشتروت، أصبح من الكذب أن ترسم شجرة أو طريقاً أو بيتاً»، أيكون عرض تجليات من هنا مصالحةً حقيقية مع الذات عبر التجريد كطريقة تعبيرية توصل بها ما يحيطنا من قهر؟

لو رسمت حريق بغداد كمشهد واقعي (أبنية مدمرة ومحترقة) سيكون عاجزاً عن التعبير، والأفضل هنا الصورة الفوتوغرافية فهي أكثر وثائقية، أنا رسمت الحرقة الداخلية التي حصلت عندي وأنا أرى الحريق وأعجز عن إطفائه، تلك المرارة التي أحسستها في فمي وأنا أرى مئات القتلى في الشوارع دون أن أستطيع فعل شيء، أعتقد - لشدة وقع الحدث- أن الواقعي الكلاسيكي كما كنا نعبر من خلاله سابقاً، لم يعد يصور المشهد، ملحمية المشهد تحتاج أدوات تعبيرية أخرى أو أسلوباً آخر أو شكلاً مختلفاً من التعبير..

..هل نقول هنا أن التجريد (وفق تعريف القاموس العربي) هو الشكل الأرقى للتعبير؟

المسألة هي صراع بين فردية الفنان وبين علاقته بالآخرين، فهو باستمرار مشدود بين طرفي المعادلة، فهو يقترب من نفسه أكثر كلما اقترب وفي داخله اللاشعور الجمعي، وإلا يصبح الفنان فردياً وهكذا تجريده، فيميل عندها تعبيره أكثر إلى السطحية، كالتجريد الأوروبي الذي نشاهده. ومن هنا أتقصد أن أترك بعض الإشارات (أشكال ذات ملامح معرفة) على سطوح لوحتي، ليستطيع الآخر تلمسها وبالتالي دخول اللوحة، التواصل مع الآخر حاجة لدي..

..لكن ماذا لو فرغت اللوحة لديك من الشكل، ومن الإشارات، وصارت لوحة لا شكلية أو لنقل لونية، فكأن لوحتك تتحرك في هذا الاتجاه،هل ستصل إلى هذا؟

هذا يعني أن ألغي الشكل في اللوحة، أو الغي اللوحة، وأدخل في فرديتي، هذا يعني أني اقتربت من اللوحة الموجودة في خيالي، وهكذا أصبح فردياً نهائياً، أي أن هذه اللوحة لا تعني ولا تحاور غيري..

.. وليكن هذا أين المشكلة!؟

المشكلة أنني أكون قطعت علاقتي مع الآخر، لم أعد أحاور الآخر وأكون قد اكتفيت بلوحتي لنفسي، وأنا على تواصل مع الآخر باستمرار، وهذا بالنسبة لي ضرورة..

..حتى لو ألغيت الشكل يبقى اللون، واللون هو مدخل للقراءة والتواصل مع الآخر؟

هذا يجعلني أقول لك: أنه كلما وسعت الرؤية تضيق العبارة، وتصبح هناك صعوبة أكبر بالتواصل. أنا معك بخصوص اللون لكن هذا بحاجة إلى إنسان آخر أيضاً وليس إلى إنسان يتعرض إلى هذا الكم من التلوث البصري والسمعي والفكري في كل مكان. هذا إنسان لا يمكن أن تطلب منه أن يرى روحانية اللون قبل أن تملأ معدته، وتهيئ له فكراً نظيفاً، وربما هذا ما شدني إلى السياسة في بداية حياتي..

.. يفاجئني هذا الإصرار على التواصل مع المتلقي حتى عندما تصل إلى ضفاف التجريد، ألا يغويك الدخول إلى هذا الأكثر!؟

أنا أحاول أن أجد على الدوام طريقاً إلى المتلقي، ولذلك قلت لك في بداية الحديث أنا لا أصنع لوحة تجريدية، وليس معنى هذا أني أنفي تهمة، فالتجريد ليس تهمة، ولكني أرسم مشهداً تأملياً.

من دمشقيات
نذير نبعة

يمكن إطلاق صفة الأنثوية على موضوع لوحاتك إذا استثنينا اللوحات ذات الطروحات الأكاديمية وخصوصاً من مرحلة التخرج، فهل سبق وانتبهت إلى هذا الانحياز الكبير واللافت إلى هذه الأنثوية، أم أنك تتقصد منحنا هذا الكثير من أنثويات الجمال؟

وجدت نفسي أرسم المرأة، وبعد ذلك أحاول أن أفهم ماذا أفعل، لنعيد الأمر إلى بداية العلاقة مابين المذكر والمؤنث كقطبين متقابلين يسعى كلاهما إلى الحركة باتجاه الآخر، فلحركة المذكر هذه معنى الشوق أو الحب! وهذا الشوق هو الشوق للجزء الآخر عند الفنان. أول ما تقع عليه عينا الطفل أمه كأول أنثى، وهذا يترسب باللاشعور قبل الوعي، هناك المرأة التي أحببتها، زوجتي إذ يتلألأ وجهها في الكثير من اللوحات. ولأقل على سبيل النكتة: غضبي من وعلى الرجال الذين ضيعوا بلادهم ولم يكونوا أبناء صالحين. الرجل الوحيد الذي رسمته هو الشهيد والفدائي وهذا العامل. فالمرأة تتجاوز أبعادها المادية في لوحتي، لتتحول إلى رمز كأم وكحبيبة ومدينة ووطن (سورية ياحبيبتي..).

بغياب الرجل عن اللوحة هل يمكننا اعتبار رموزٍ مثل السكين، المفتاح، والهدهد، رموزاً ذكورية؟

الطائر في شعرنا وفي الزجل يمثل صورة الرجل، فبسبب حياء الأنثى والعادات يٌرمز لهذا الحبيب بطائر الحمام أو بالغزال. والسكين أيضاً هي من أدوات الرجل وهي ترمز إليه، وكذلك المفتاح رمز البيت والرجل، ويمكن أن تحمل الرموز هذه أبعادها النفسية والجنسية أيضاً، وأنا أتقصد وضعها لأثير وأحرك العين في أرجاء اللوحة وخصوصاً عندما أضع هذه المجوهرات على الجسد، أتقصد أن أخلق هذا التضاد الحسي اللمسي.

الكل يشهد لك بالأستاذية، ورغم هذا لم نسمع أنك مارست هذا الدور! ألم يكن همّ الحراك التشكيلي السوري يشغلك؟ أم أن دورك اتخذ طابعاً آخر؟

لو مارسته ما شهدوا لي! أساساً لا أستطيع أن أعطي إلا لصديقي، فالطالب أصادقه أولاً ثم أعطيه، وبذا تلغى كلمة أستاذ ونصبح أصدقاء، فلا يكون هناك حاجز أمام عطائي! عندما استلم دفعات جديدة من الطلاب، أحدد ثلاثة أشهر حتى يمتنعوا عن مناداتي بدكتور أو أستاذ وينادوني باسمي وهذا ما يضايق زوجتي أحياناً، أنا لا يزعجني هذا بالعكس أشعر أن الطالب يقترب مني أكثر وهذا يجعله يتخطى خجله ليسأل في حال بقي شيءٌ غير واضح بالنسبة إليه، هذا أساس العلاقة بيني وبين الطلاب، وهناك طلاب لم أدرسهم يقولون أستاذنا نذير نبعة، أنا افتخر بهذا كوني استطعت أن أنقل ما تعلمته عن أساتذتي في القاهرة (عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، وعلى رأسهم حسين بيكار)، هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذتي بل كانوا أصدقائي. قمت بالكثير من الأدوار بمرحلة الشباب، إلا أنني بعد ذلك اتجهت إلى هم البحث عن الذات في اللوحة نفسها ومحاولة إيجاد فن عربي شاركني فيه العديد من الفنانين العرب، وهو الذي لم نستطع تحقيقه، فالحروب لم تتوقف أبداً في منطقتنا وهذا يعرقل هذا الحراك، هذا الجو يمنع الحركة السلسة لإيجاد هوية فنية للوحة في سورية والمنطقة العربية، وحتى المتطلبات الأخرى لم تكن متاحة، لم يشتغل أحد على التراكمات التي بها وعليها تبنى انتصارات صغيرة تساعد على الاستمرار، قدمنا أشياء جيدة ولكن لم يأتي أحد ليبني عليها، وهكذا تتلاشى الأشياء. مثلاً: في الرسم الصحفي في الموقف الأدبي حققنا حضور اسم الرسام ضمن هيئة التحرير لأول مرة في سورية، وبعد أن تركت الموقف الأدبي، جاء بعدي من لم يهتم بهذا التقليد فعدنا إلى الصفر! الظروف نفسها لم تخلق تراكماً يعتد به، وظروف الحياة القاسية تفرض تنازلات على الأشخاص ما يمنع من حدوث هذا التراكم ليشكل تقليداً ُيبنى عليه فتمحى هذه الانتصارات الصغيرة ولا نصل إلى نتيجة. مثال آخر، قمنا بعمل مجلة أسامة وهي مجلة أطفال، وكانت بفترة من الفترات تعتبر أول مجلة عربية من ناحية المضمون والشكل، ولم تستمر بهذه السوية! وهناك أمثلة أخرى إضافة لهذا.

هنا يحضرني مجموعة العشرة الذين كنت من بينهم والتي تشكلت عام 1970 كرد على تردي عمل إدارة الفنون آنذاك، ألا تعتقد أننا بحاجة لمثل هذه المجموعة اليوم، لا سيما وأن مزيداً من هذا التردي أصبح يستدعي ذلك؟

التأمت هذه المجموعة من مشارب واتجاهات مختلفة لكن ما كان يجمعهم هو جديتهم بالتعاطي مع القضايا الفنية، لكن يبدو أن العمل الجماعي كممارسة أمر لم نتقنه بعد، الصلة بالآخر حتى لو كان زميلاً لا تكون ثمينة، يبدو أن الشخصية الفردية غالبة حتى اليوم، أي أن كل شخص يعمل بمفرده، وهذا برأيي على مستوى الوطن والأمة! لأنه حتى اليوم لم نستطع أن نشكل وحدة! كنا نحلم أن يكون لنا تجمع ُيصلح حال الحركة الفنية في سورية، رداً على المساواة بين الصالح والطالح من قبل المؤسسة الفنية آنذاك، فأي شخص يمتلك صوتاً عالياً وبإمكانه أن يقول أنا فنان عشر مرات كان يصير فناناً! حاولنا أن ُنحدث حالة تعتمد التقييم الجدي والشجاع والانتقاء السليم للفنانين وللأعمال الفنية، للمعارض والمشاركات، وحتى على مستوى عدالة توزيع الجوائز، لكننا لم ننجح!..

..نحن حالياً بأمس الحاجة لمثل هكذا مجموعة، هل يمكن تحقيق ذلك؟

لا، لا يمكن، هذا رأيي في القريب المنظور، لكننا بحاجة إلى العمل الجماعي ليس في الفن بل في كل الأشياء، فالعمل الفردي بطيء الحركة وقليل المردود، ولا يحدث تراكماً، لدينا فنانون ولكن ليس لدينا حركة فنية، فكل المؤسسات الفنية الخاصة والعامة ليس لديها برنامج، فإذا كانت مؤسسة ثقافية ليس لديها برنامج ثقافي، كيف ستسهم بإحداث هذا التراكم والبناء؟! سابقاً لم أكن أجيب على مثل هذا النوع من الأسئلة، إلا أني أجيبك الآن!

مشروع تخرجك في مصر كان عن عمال المقالع الحجرية، في باريس قدمت نباتات، كيف لي أن افهم هذا الاختلاف؟

لا، الفرق يعود لفارق السن بين المرحلتين، والاهتمامات بين الشباب وما بعد ذلك.

يختلط على البعض إن كان الموضوع هو الذي يفرض الشكل في اللوحة، أو أن الشكل هو الذي يستجر الموضوع، إلا أن رأياً آخر يقول: الشكل أو الموضوع حجة الرسم وحسب، كيف يفض الفنان نذير نبعة هذا الإشكال؟

إذا كان الفنان لا يهمه الموضوع، عندها يكون الشكل بالنسبة إليه هو الأهم. هذا فكر. هذا يدخل ضمن إشكاليات وتنظيرات الفن، كمقولة الفن للفن أو الفن للمجتمع، أنا أعتقد أنه عندما تتعمق في المسألة، يتماهى الاثنان مع بعضهما، ويصبحان شيئاً واحداً، لا يمكن للوحة تخلو من الفكر أن تكون قابله للحياة! إذ تكون سطحية، أي شيئاً جميلاً إذا أخذته كجزء ووضعته في المكان المناسب، الجمال السطحي يصبح شيئاً لا فناً ولا يشكل ثقافة وعلاقة بالآخرين. تماهي الشكل والمضمون يجعله فناً إنسانياً، فيتجاوز حدود المكان والزمان. مثلاً، فن أنتج في عصر النهضة أو ما قبل الميلاد لا نزال نتذوقه ونحسه لأن فيه إنساناً، أي أن الموضوع إنساني، أما الموضوع عندما يؤخذ من ناحية سطحية كالحصاد، الساحل، الجبل، ومن منظار سياحي يكون عندها حجة للتلوين.

اللوحة عبارة عن رسالة بصرية هذا في المستوى الأول، لكنها تتعدى هذا لتحمل رسائل أخرى، في لوحتك ما هي هذه الرسائل؟

علاقتي بالإنسان هي هذه الرسائل، هنا لنرجع للثوار الكبار الذين نظروا للفن وهم ليسوا بالضرورة فنانين (مثل ماوتسي تونغ)، يجب أن يكون الفن الثوري فناً أولاً بعد ذلك يكون فناً ثورياً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي بعهد لينين، حيث كان كاندنسكي هو فنان الثورة، وهو الذي أسس لقيام الأكاديميات والمتاحف، لكن بعهد ستالين تدنت درجة بعض الفنانين من فنان الشعب إلى مشتغلين بالرسوم التوضيحية. بعد ذلك ظهر فن اسمه الواقعية الاشتراكية، لكن لاهي اشتراكية ولاهي فن. ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية انتحر عندما استشعر هذا التردي القادم.

تميل إلى تسمية لوحاتك، في اعتقادك ألا يؤثر هذا على شكل التلقي، أم أن التسمية تأتي لتكون ضمن هذه الرسائل إلى الآخر؟

أنا أعتبر التسمية مثل المفتاح تعطيه للآخر ليدخل إلى اللوحة، ومع التقدم في العمر تصبح التسمية أكثر تجريداً، فالعامل الذي يحمل تلك الصخرة أسميته سيزيف، هنا يوجد ترميز لإضافة بعد فلسفي للموضوع الإنساني، هذا المفتاح هو نوع من الرحمة وعدم التعالي على المتلقي من الفنان، وهذا مطلوب من الفنان. هناك من يسمي اللوحة ليزيد إرباك الآخر، أنت كفنان تدعو الآخر للوحتك، هذا يعني أنك مضيف
وعليك أن تقوم بواجب الضيافة هذا، وليس لتقول له أنا أفضل منك، وممنوع أن تغلط.

ترسم الورد الجوري وهذا له خصوصية، كما ترسم التوليب وأشكالاً أخرى من النباتات، فهل يكون الورد حجة للرسم (وهنا أعتذر منك لقولي حجة)، فانا أجد فارقاً كبيراً بين الجوري والتوليب، أتتقصد توظيفات بعينها؟

من الدمشقيات
لنذير نبعة

أغلب العناصر التي أرسمها في لوحاتي لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً الورد الجوري كان عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وكان كل هذا السور من الورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، وكان الطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له! من هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقاتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق. مجموع هذا هو الوردة، أنا لم ارسم التوليب بل الزنبق، وأنا شخصياً لم أسميها توليب، بل وجدتهم في أحد المعارض الرسمية لوزارة الثقافة وقد أطلقوا على هذه اللوحة اسم التوليب! أنا تعنيني ورودي، فالوردة الجورية تختلف عن كل ورود العالم، إذ لها مركزان بينما للجوري الآخر مركز واحد، بمعنى قطبين وكأنها ذكر وأنثى.

ملامح الوجوه الأنثوية في لوحاتك لها أكثر من خصوصية، إلا أنها تكون حاملة لذات التراثية الشرقية أو الدمشقية، كيف نفهم هذا الاختلاف في الملامح والاتفاق ببقية العناصر؟

الوجه الذي أرسمه هو الوجه الذي أحبه وأحب تفاصيله، الوجنات البارزة، الملامح التي تخرج جماليات تنضح بالرحمة الموجودة بالوجه، وليس تلك الجماليات المادية أو المعيارية المتفق عليها، أنا لا أفكر عندما أرسم في أن تكون الملامح شرقية أو غربية، أنا أتقصد الملامح الموحية والملهمة والمؤثرة للوجوه في لوحتي، وتجد بين هذه الوجوه ابنتي أو زوجتي، حتى أنك قد تجد ملامح ممثلة فرنسية غير مشهورة، زارت سورية سابقاً، بشكل عام ثمة وجوه تبقى في ذاكرتك كشكل مجرد أو كشكل وعلاقة شخصية، ليس مهماً إلى ماذا تقود الملامح، أنا يهمني جمال الرحمة وذاك الجمال الروحي، فجمال عارضات الأزياء والممثلات لا يعنيني.

في لوحتك لم تكن أسير الأيديولوجيا السياسية، فلقد كان ولاؤك للإنسان والجمال والتراث، متى انتبهت أن البقاء للفن وليس للأيدولوجيات المتغيرة؟

كنت منتبهاً لهذا منذ البداية، فالفكر الذي انتميت له كان مع الإنسان وانتميت له لهذا، لذلك لم أكن أسيره كنظريات، فأنا أنتمي إلى أي فكر فيه هذه الصفات، حتى لو كان في الجانب الآخر، أنا أحب الفلسفة البوذية وكذلك تجربة طاغور وغاندي، غيفارا من هؤلاء، أنطون سعادة كان يمتلك في فكره السياسي تلك الرومانسية غير الموجودة عند الآخرين، فالثورة بالنسبة إليه كانت حلماً، وهكذا بالنسبة لبقية الثوار الذين أحبهم، لم تكن زعامة، كانت حلماً لتغيير واقع الإنسان ولصنع شيء أجمل. مثلاً أنا أعرّف أصدقائي على ناديا خوست بأنها المناضلة التي تحب الوردة، المناضل إذ يحب الوردة ليس برجوازياً، معنى هذا أنه يحب الجمال. هكذا أفهم المسائل، ليس بشكل مذهبي أو غير ذلك، أنا أنتمي للإنسان، أي فكر يحمل هذا الإنسان فأنا منحاز إليه.

الخط العربي بمعنى الكتابة يأخذ في لوحتك أكثر من شكل، فهو واضح أحياناً وذا معنى محدد، وغير ذلك أحياناً، فهل المقصود تأكيد المرجعية العربية للوحتك وليس الشرقية وحسب؟

جاءت في إحدى لوحاتي عبارة الشام شامة على الدنيا، وهنا جاءت العبارة واضحة لأني أتقصد هذا، لكن الكثير من الأشياء في خلفية اللوحة تقبع وراء الشكل الأساسي لتؤدي أدواراً جمالية وتشكيلية، وليس بالضرورة أن يكون الخط واضحاً إذ يغدو عندها ضمن المفردات التشكيلية.

أرى أنك تنحاز إلى التصوير في اللوحة بينما كنت في مراحلك السابقة لا تفعل هذا إذ كان الرسم أكثر بروزاً إلى جانب التصوير ، كيف تفسر هذا؟

بالنسبة لي، فإن الرسم أو التصوير أو باقي المفردات التقنية هي عبارة عن أدوات لأداء الفكرة أكانت بصرية أو فكرية فلسفية. وتحتاج أحياناً في الأداء كما في الموسيقى إلى ميلودي، أي شيء فردي، كما الخط في اللوحة، وأحياناً تحتاج إلى السرد في اللغة الأدبية أي تفصيل إلى جانب تفصيل في اللوحة، حركة أو سرعة هذا السرد تؤدي فكرة ما بصرياً أو فكرياً، كما السجادة، فهي عبارة عن تجاورات شكلية ولونية متوالدة من بعضها لتؤدي شكل المشهد النهائي، أي أن بؤرة العمل الفني متحركة وموزعة على كامل المشهد. عندما ترسم وجهاً يغدو هو ذاته البؤرة البصرية، وأحياناً يفرض الموضوع نوع الأداء، أحياناً تقول كلاماً بصرياً بحتاً في اللوحة، يكون لأدائه الخاص من اللمسة أو اللون (أي الأداء التصويري) أهمية أكبر من الخط، كل هذا يسمى نوعاً من التجول بين الخط والتصوير، وملمس اللوحة من الخشن أو الناعم وآليات اللون البارد والحار. في «تجليات» لا يوجد رسم بمعنى الخط، لكنه موجود في أعمال أخرى..

..إذاً أنت تتفق مع من يقولون أن الخط هو شرف الفنان، في إصرار على تواجده في اللوحة، رغم أنه غير متواجد في الطبيعة، وليس الإصرار عليه إلا ترسبات كلاسيكية؟

لا، ليس هكذا، فالعملية الفنية كلها شرف للفنان، هناك من يعتبر أن الخط أهم من اللون، وهناك من يعتبر أن اللون هو التصوير، إنه صراع بين المذاهب الفنية، وهذا فعل إنساني، يغني العملية الإبداعية.

في قصيدتك من كاتالوج تجليات تعامل الألوان ككائنات تتنفس، برأيك هل هي كذلك فعلاً؟ وهل لنذير لونه الخاص كانعكاس نفساني؟

علمنا المتصوفة أن الحروف مخلوقات تتنفس، ولها حياتها، هذا من قراءاتي، وبالتالي أنا انظر لكل الموجودات كمخلوقات بما فيها الألوان، لأنه إذا لم يكن اللون كائناً يتنفس، فإنه لا يؤدي دوره، بل يبقى كما هو داخل الأنبوب، إذا لم يكن الأحمر على سطح اللوحة مخلوقاً ليقول الفرح، الثورة، الحرارة، يبقى مجرد مادة ميتة، ولا يحرك على السطح شيئاً. من هنا فالألوان مخلوقات لها حياتها على سطح اللوحة تتآلف وتتنافر وتصنع مشهداً بصرياً مليئاً بالموسيقى والحركة. وإلا لا يكون هناك لوحة وتبقى صامتة، فالألوان لها علاقتها بالحالة النفسية والمزاجية، وأنت عندما تريد رسم الفرح لا ترسمه بالأسود! المسألة انعكاس للحالة النفسية..

..إذاً فأنت تؤمن بدلالات اللون النفسية والتراثية، وتعتبر أن كل لون يأخذ شكلاً من التعبير؟

بالتأكيد، وإلا ما معنى ما يحدثه اللون من أشياء محددة فينا! أخضر (فيرونيز) وهو اسم فنان من عصر النهضة كان يميزه هذا اللون من الأخضر وعرف به. أو أزرق نيلي أي تابع للنيل أي مصري وموجود بلوحات الفراعنة ويختلف عن أي أزرق آخر، وكان المصريون القدماء يدهنون وجوههم به عندما يموت لديهم عزيز.

مع أنك أحببت مصر ودرست فيها إلى جانب عدد من الفنانين السوريين إلا أن الفن المصري لم يغويك كثيراً؟

أنا أعتبر أن كل فنون المنطقة هي ينابيع استقيت منها، لكن تكويني الفكري الناضج تشكل أثناء دراستي في مصر، إلا أني أحمل فكراً وطنياً وإنسانياً، أي أن انتمائي الفكري كان إنسانياً بالدرجة الأولى، وأنا أؤمن أن الإنسان إذا لم يحب نفسه لا يمكنه أن يحب غيره! أي إذا لم أكن سورياً، لا يمكن أن أكون عربياً، وإذا لم أكن عربياً لا يمكن أن أكون عالمياً، حتى الآن أنا غير مهتم للعرض في الخارج، لأني مؤمن أنني إذا لم أحقق هذه التراكمات هنا، لا أكون بالنسبة للآخرين مقبولاً! عندما كنت صغيراً جف حليب أمي فشربت حليب أم أخرى، وهذا شيء شخصي جداً، ربما جعلني هذا أحب القاهرة، أمي الثانية بعد دمشق.

عشتار تزور سد الفرات

ما أبرز المواضيع السورية التي شغلتها لوحاتك، وهل في جعبة لوحتك مواضيع لم تتناولها بعد؟

كل المواضيع التي تناولتها في لوحاتي مواضيع سوريّة، وفي المستقبل سأتناول مواضيع سورية، أنا لا تعنيني إلا المواضيع السورية، الموضوع الفلسطيني أليس سورياً؟ الموضوع الإنساني أليس سورياً؟ بمعنى أني أتناول مجموع مواضيعي من خلال الإنسان السوري، وأعبر عن هذا بلغتي السورية، ولهذا ربما أحسست أنت أني لم أتأثر بالفن الفرعوني، مع أني متأثر بالفن الفرعوني، أنا متأثر بالفرعوني والآشوري العراقي والمنجزات الفنية العالمية، ولكني أعبر عنها بلغتي السورية، أنا أتعلم من مجموع هذا، ولست مقلداً له.

عندما زرت جبال اللاذقية برفقة أحد الفنانين وكنت في نقطة ما بين السماء والبحر، من تلك النقطة البرزخية، كيف تواردتك سورية؟

التماهي مع الطبيعة والإحساس بأن هذا المكان موحي وجميل وعبقري هو التعبير عن سؤالك، وهو دليل على إحساسي بأن له هذا الشيء الخاص، كثير من الناس يقولون لي بأن هناك صخوراً في المنطقة الفلانية أجمل من صخور هذه الجبال، المسألة ليست مباراة أيها أجمل، المكان هنا أكثر إيحاءً، وقد تماهيت فيه وأحس بأني خرجت من نفسي لأشاهد نفسي وأنا أشاهد المنظر، شيء أقرب إلى الجنون منه إلى الخيال! رهبة الجمال البصري أمامي تجعلني أتجاوز نفسي لأتماهى مع المكان، لأني أعرف أن هذه أرضي وهذا عالمي..

..من تلك الإطلالة تشاهد البحر إلا أني لم أجد أمواجه في لوحاتك؟ فهل استعضت عنه بأمواج من الحرائر؟

لقد رسمت البحر كموضوع، وإن كنت لم أرسمه كثيراً، باعتباري ابن دمشق والسهول فأنا منشد إلى الأرض أكثر، لكن للبحر معانٍ أخرى، فهو كائن جميل، كائن الانطلاق للآخر، فالموجة عندما تنطلق تأخذ شيئاً وعندما تعود تعود بشيء! تلك الحركة الموجودة في الموج تشبه حركة الفرشاة على سطح اللوحة، هو موجود هنا بهذا الإيقاع وبتلك الرائحة والصوت.

إن كنتم بلا خطيئة فلترموها بحجر، أنت رميتها بقلادة، وهنا اقصد لوحة مريم المجدلية، فأي قلادة هذه؟

لو دققت في القلادة لوجدتها عبارة عن ثلاث رصاصات وهو شعار من شعارات الثورة الفلسطينية ثورة حتى النصر، أنا ألفت قلادة وعلقتها على صدر مريم المجدلية لأقول أن المجدلية ظلمت كما المسيح، وهكذا فلسطين! مريم المجدلية قديسة دافع عنها المسيح دفاعه عن الإنسان بأخطائه وجماله، أنا أدافع عن القضية الفلسطينية هكذا.

الحزن الممزوج بالموسيقى وآفاق من الجمال في لوحة «الشهيد»، ذاك الذي يسقط من يده السيف وتبقى الوردة الحمراء، هذا المشهد الغرائبي يتخذ بعداً من القداسة، هذا الشهيد الجميل من؟

علاقة المقدس بالشهيد تعطينا فكرة أن هذا الشهيد لا يزال حياً معنا، هذا الشهيد الذي دافع عن الأمة. عندما تريد أن تحول هذه الأدبيات إلى شيء بصري ورمزي ستبحث عن الأسلوب المناسب لتعبر عن هذه الفكرة، فاخترت اللون الأزرق الحزين الممزوج بالأسود المسيطر على اللوحة، والذي فيه لمسات لونية من الورد الأحمر في أرجاء اللوحة وهالة من ألوان مضيئة خلف الشهيد لتؤدي دوراً رمزياً بصرياً، يتفاعل مع اللون البارد الأزرق عبر تلك الومضات الموجودة باللون الأحمر، حركة السيف والوردة هي أدبيات تساعد المتلقي على امتلاك المفاتيح لولوج اللوحة، بحيث يمكن للمتلقي العادي أو المثقف على حد سواء، التواصل معها.

لازال لدي الكثير من الأسئلة لكني أختم الآن بسؤال خاص، نعرف أن لكل شخص من اسمه نصيب، فأنا يثير فضولي اسمك وكنيتك، نذير ونبعة، فهل تلح على أن تكون نبعة من التشكيل السوري؟

أتمنى أن أكون هذه النبعة وأن أحمل معنى اسمي، هناك ذو النون المصري، وأنا ذو النونين السوري والمصري، فالنونان هنا تشكلان بداية اسمي وكنيتي، ولدت في 5 حزيران 1938، ثم صادف هذا التاريخ 5 حزيران يوم النكسة، و1938 هي السنة التي تم فيها سلخ لواء الاسكندرون عن سورية، أنا اسمي نذير وليس بشير!

عمار حسن

اكتشف سورية