رواق دمشق وندوة «حوار في المعمار» مع المعماري سنان حسن في مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد»

.

ضمن جلسات «رواق دمشق» التي يعقدها مركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد»، استضاف مساء الاحد 4 آذار في مقره الكائن بالمزة، دمشق، جلسة بعنوان «حوار في المعمار» للمعماري السوري الدكتور سنان حسن، طرح خلالها العديد من القضايا والمواضيع ذات الصلة وأهمها ما يتعلق في «إعادة الإعمار»، والتعريف بالهوية المعمارية وابعادها ودرجة انصهارها بالثقافة، طارحاً من على منبره السؤال الاهم: هل يمكن أصلا من الناحية التقنية والاقتصادية إعادة اعمار كل ما تهدم؟ مجيباً على تساؤله بالقول: «في بعض جوانب الدمار الذي لحق بنا يشكل الامر فرصة هائلة ليس بالضرورة لإعادة بناء، بل لخلق فضاء والتخلص من بعض الآثام المرتكبة في حق العمارة والعمران والاحتفاء بالتأسيس السليم لمفهوم إعادة الإعمار».

أما فيما يخص الأبعاد المتكاملة لعملية إعادة الإعمار والتي لاتؤتي مبتغاها إلا بتناولها كاملة فيقول: «لإعادة الاعمار خمسة ابعاد؛ رؤيوي، نهضوي، تربوي، تنموي، تعبوي، وهذا اقل ما تستحقه اقدام حماة الديار في حرصنا على ان يكون البناة على الضفة الأخرى من إعادة البناء، هناك شق تربوي وتعليمي بالإضافة لشق معنوي وتعبوي يعنينا جميعا يتضمن رسالة إلى العالم ان سورية بخير واصرارها في إعادة الاعمار يعتبر رسالة في غاية الأهمية دون اغفال باقي الأبعاد».


من جلسة حوار في المعمار للدكتور سنان حسن


ويشير عن اسباب تردي المشهد المعماري المحلي حيث قال: « أسباب تردي المشهد والخطاب المعماري المحلي ناتج في المقام الأول عن تدني غير مقبول في سوية التعليم المعماري يطال كافة جوانب العملية التعليمية، أحد جوانبها ذلك الإصرار على الألقاب الفارغة من أي محتوى، التي يطلقها البعض جزافاً هنا وهناك دون الاستناد لأي مرجع اكاديمي او علمي، كأن نقول على سبيل المثال ان فلانٌ حاصل على دكتوراه في الفن والعمارة وهذا لا يجوز بحكم المنطق، إلى جانب التدني في الذائقة الثقافية المعمارية العامة الذي يتحمل الاعلام المسؤولية المباشرة عنه».

واردف المعماري سنان: «عبر التاريخ لا ينفصل الخطاب السياسي عن المعماري لارتباطه به بعلاقة بنيوية وجوهرية بالمجتمع والاقتصاد وعوامل كثيرة ومتعددة منها صناعة التاريخ والجغرافيا عبر المعمار الذي يعد مرآة مباشرة للحضارة».

وأضاف: «تقدم الحركة التشكيلية في سورية بسبب وجود خطاب نقدي متقدم وهو ما تفتقر له الحركة المعمارية في سورية فالنقد له دور ريادي وطليعي في تقدم النتاج الانساني، في المجالات الإبداعية؛ ولعل قطاع المعمار أحدها، من السهل الادعاء حيث تختفي الضوابط والمعايير، ولكن ما يحدده هو مدى انتشار هذا النتاج والاحتفاء به محليا وعالميا».

اما عن المواضيع التي تناولها الدكتور سنان؛ نقتطف من اوراق الجلسة:

احتفاء بالتفكيك والهدم البناء.
لابد للبداية أن تكون من الشعار، من المصطلح والعنوان بحد ذاته. إذ يعتريه خلل بنيوي «علاوة على طريقة توظيفه واستخدامه عنواناً استهلاكياً مفرغاً من محتواه». كذلك، لابد من مساءلة وتفكيك هذا المصطلح والتوقف عنده ملياً والتمعن «لا الإمعان» فيه.


من جلسة حوار في المعمار للدكتور سنان حسن


احتفاء بمداميك التأسيس والابتداء..
كل الخشية أننا، وكما تشير كل المؤشرات، قد قفزنا فوق الأبعاد الثلاث الأولى نحو البعدين الأخيرين، اللذين تتم مقاربتها بطريقة مجتزأة، غير شاملة، وغير استراتيجية، وبطريقة سطحية يعوزها العمق والحصافة والاقتدار.. ويبرز، هناء سؤال مشروع «كما هو الحال لدى مقاربة أي مشروع» بل أسئلةٌ خمس، حول مدى توافر الرؤى الإستراتيجية. وحول جدية، وجدوى الدراسات التخطيطية والاستراتيجية. وحول مدى العائدية أو الريعية. وحول ماهية ومدى صدقية وشفافية الآلية المتبعة. وأخيرا، وليس آخراً، حول مدى أهلية من يديرها ويقودها، «إذا كان هنالك من جهة محددة تدير وتقود»، وعن مدى حيازة من يدير ويقود على الحد «الأدنى» المطلوب من معايير النزاهة، والكفاءة والجدارة، العلمية والعملية، الفنية والمهنية، والوطنية، والتي لا يجوز أن تتوقف عند مجرد حيازة الجنسية، أو مجرد التواجد «الجغرافي» داخل الوطن.

احتفاء بمداميك الإصلاح، والتحديث والإنماء..
لعل الأكثر إشكالية في المقاربة الراهنة لموضوع "إعادة الإعمار"، أنها تضع العربة أمام الحصان. إذ إنها تقفز، منهجياً فوق استحقاقات تمهيدية وتأسيسية حاسمة.
الإشارة، هنا، لا تتوقف على المتعلقات الهامة خارج إطار المعمار «الظروف الأمنية المناسبة، والإمكانات الاقتصادية اللازمة، وتأهيل البيئة ما تحت وفوق العمرانية؛ الإنسانية منها بالذات، وتلك اللازمة لإعادة الإعمار في البشر قبل الحجر، فضلاً عن التأسيس الفكري والتنظيري المتعلق بمراجعة مفاهيمية لثلاثية "الهوية" و"الحداثة" و"التراث"»، إنما الإشارة لما يصب في الصلب والصميم من استحقاقات واجبة قبل الشروع بالتصميم، ويفعل البناء الفعلي، بل حتى قبل الحديث عنه.


من جلسة حوار في المعمار للدكتور سنان حسن


احتفاء بمداميك الهوية، والانتماء.. «بیان البنيان»..
حريٌ بنا بل غني عن القول، أن نتذكر و«نذكر» بأن شأن الهوية في العمران والمعمار «کشأن التنظير لمشروع "إعادة الإعمار"»، هو شأن هام لا يحتمل عبث التجريب والاختبار، ولا الانتظار. وهو شأن عام لا تستوي معه ولا تليق، ممارسات المصادرة والاحتكار.

احتفاء بالمنهج، والأنموذج، والمنتج، على حل سواء
كيف، متى، ومن أين المدخل لمقاربة موضوع الإعمار بشكل عملاني، تطبيقي، وتنفيذي متي آن «أي بعد انتهاء فعل التحضير، وعصف التفكير، والتنظير الممنهج والمبرمج، الذي لما يحصل بعد)؟ هل بالعمل على مشاريع عدة في آن، أم على واحد محدد، «كأنموذج اختباري ريادي، لا كمشروع مفرد يختزل كل مشروع الإعمار الوطني الواعد والموعود، ويستنزف كل موارده العامة والخاصة، ويستأثر، دون سواه، بالرعاية والاهتمام والإعلام)؟ وإذاك، ألا يفترض أن يحوز على المشروعية أمام علامات الاستفهام «المشروع»، فلا يتحول مشروع الإعمار، برمته، إلى نوع من الانتحار في المعمار، أو إلى سقطة تلوث وجه الوطن، وتسيء إلى إنجازات وإعجازات» حماة الديار، وإلى بريق الإنتصار، فتذهب ببعض مما توهج؟

احتفاء بالثرى لا بالثراء.. الفعل المعماري بين "المُقاومة والمُقاولة"..
تتصاعد وتيرة الأسئلة مع تصاعد أعراض حمى وافدة العمران، والاندفاعة المتصاعدة، تزاحماً وتدافعاً وتجمهراً، بانتظار القفز إلى قطار الإعمار «حتى قبل أن يفرغ حمولته من جثامين شهداء ينتظرها ذووهم، ومثاويهم المتواضعة، المتناثرة في أعالي وعلى سفوح الجبال». وإن من طبائع جمهور كهذا، تسلق السلالم والظهور، وحب الظهور. إذ يحتدم التسابق والتنافس المحموم، القائم لتقاسم الغنائم المعمارية. ما يحول الوطن إلى مجرد «تركة»، أو كعكة، أو وليمة بين الولائم، لمن يشحذون سكاكينهم «العمرانية»، أو إلى مجموعة من الحصص والمغانم التي ينتظرها المتربصون ونهّازو الفرص «كما تشي الروايات والقصص».


من جلسة حوار في المعمار للدكتور سنان حسن


احتفاء بالأقانيم، والمفاهيم، والأسماء..
لطالما كان لكل من الأقاليم أقانيمه العاصمة، التي ينالها ما ينالها من تعظيم أو تقزيم «وتقسيم وتهميش وتهشيم». وكذا هي فيحاؤنا وثالوث أقانيمها: بردى اليتيم، والغوطتان، والراسخ العظيم، قاسیون. ولطالما كان، بالمقابل، لكل عمران ثوابت ومفاهيم، ينالها ما ينالها من تأويل عميق أو عقيم، وسوء فهم «جديد أو قديم». وعليه، فربما كان أول، وأولى ما وجب تفكيكه، ومن ثم إعادة بنائه بشكل سليم، هي تلك المفاهيم والمنطلقات الفكرية التي لطالما ارتكز عليها خطابنا المعماري المحلي، بما عانته، وتعانيه، من سوء فهم بنيوي وجوهري في صميم الصميم، ومن سوء استخدام عميم. المقصود طبعا هو ثالوث: «الهوية» و«التراث» و«الحداثة»، والذي تحول، بدوره، إلى خماسية مفاهيمية، بإضافة الثنائية الجدلية، الجدالية، والإشكالية التوفيقية، «والتلفيقية» الشهيرة والمبتذلة، المتمثلة بـ: ثنائية «الأصالة» و«المعاصرة».

احتفاء بالعمارة لا بمجرد البناء..
من الحاسم والضروري أن نعي ونستذكر، في إطار ما يسمى «إعادة الإعمار»، بعض البدهيات في الفارق. وهو شتان، بين «العمارة» ومجرد البناء أو التشييد، وبين القديم الأصيل حقاً، ونسخته الزائفة. وبين «الحديث» حقاً والجديد. وبين التنمية «أو النماء والإنماء»، ومجرد النمو «في البناء، وفي سواه من العناوين والأشياء». وبين الترقي او الارتقاء، نماءً وانتماء ، ومجرد التكاثر في البناء «وفي الأبناء». وكذلك بين السرعة والتسرع. وبين التقدم الحق وشبه التقدم «أو شُبهته والاشتباه فيه والتشبه به». من المفيد، باختصار، أن تحتفي بالمهم الأهم، بالنوع، لا بالكم والحجم..

احتفاء بالفضاء، لا بالبناء.. الفضاءات بين الفضيلة والفضلاث..
من المؤكد الذي لا يحتاج إلى مزيد تأكيد، أن ما تحتاجه حواضرنا «غير المستوفية لكامل شروط التحضر» هو المزيد من فضاء، لا المزيد من البناء «مع مراجعة عامة العلاقة العامة، والعوام، مع مفهوم الفضاء العام». في الواقع، قد يمثل ما «بعض» الدمار الناجم عن المحنة، منحة لإعادة توازن مفقود بين كم هائل من فائض ركام أصم، مقابل شخ أو عوز منقطع النظير، وافتقار كبير إلى فضاءات مدنية ومدينية عامة ومفتوحة «خضراء أو غير خضراء». سيكون في ذلك، كذلك، بعض إعادة اعتبار للإنسان، من خلال وقف استباحة المركبات واجتياح الإسمنت والإسفلت لما تبقى من المدينة في المدينة وما تبقى من الإنسان في العمران. وعبر تصويب العلاقة مع المدينة «وفضاءاتها»، تتم المصالحة ما بين المواطن والمواطنية والوطن وقد شاهت مع الزمن.

احتفاء بالحياة والأحياء..
على أهمية هذا الإدراك والإيمان، إلا أنه لا يكفي أن ندرك أو نؤمن بأن التقدم الفعلي في المعمار، وكذا الحداثة في العمران، لا تقاسان بحجم، وكم البناء، بل بالمعايير النوعية والكيفية منها. وأنهما «التقدم والحداثة» لا يتناسبان طرداً، بل عکساً مع ارتفاع الأبنية. لا يفي أن نكتفي بهذا الإدراك، إذ إن من الضروري والأساسي، أن ندرك أيضاً «وقبل فوات الأوان» أنهما لا يتناسبان طرداً بل عکساً، مع عرض الشوارع وطولها. ولا يقاسان بمساحة الإسفلت، وسطوة الإسمنت، وبالقدرة على إبدال الأخضر بالرمادي، والاستثنائي بالعادي، بل على العكس من ذلك تماما.


من جلسة حوار في المعمار للدكتور سنان حسن



كما تضمنت الورشة عرضا بصريا بعنوان «من البيان إلى البنيان .. بين هندسة العبارة وهندسة العمارة»، عرض خلالها المعماري سنان أهم انجازاته التصميمة في هندسة العمارة والتي حازت على أعلى الجوائز وشهادات التقدير العالمية من كبرى الجامعات ودور التصميم الدولية.

- - -

سنان حسن.. السيرة ذاتية

استشاري ومصمم معماري وأستاذ محاضر في الجامعة الأمريكية في بيروت منذ العام 2010.

تبوأ موقعا رياديّا وطليعيّاً على المستوى المحلي وتصدّر المشهد المعماري السوري المعاصر على مدى العقدين الماضيين من خلال حضوره المحلي والإقليميّ والدوليّ كذلك.
سبق له أن حصل في العام 1985على شرف المرتبة الأولى بين الخريجين في درجة البكالوريوس من جامعة دمشق، قبل أن يحصل على ثلاث درجات عليا في التصميمين المعماري والعمراني، وفي تاريخ، ونقد، وفلسفة العمارة، من الولايات المتحدة بين العامين 1988و 1996.

على الصعيد المهني، حصل سنان على أكثر من تقدير وحصد العديد من جوائز المسابقات المعمارية، كما نُشِرَ العديد من أعماله المهنية والفكرية في العديد من كبريات المطبوعات العالمية والإقليمية، وحاضر وعرض أعماله في العديد من المنابر والمنتديات المعمارية الأكاديمية والمهنية الدولية والعربية، اللبنانية والأردنية تحديدا، حيث تَبادلَ والعديد من رموز المشهد المعماري الأردني المتميز، وتَشاركَ وإيّاهم وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، الصداقة والتعاون في خطاب العمران الذي يحتفي بالإنسان، والشغف بأسئلة الوجدِ، والوجود، والوجدانْ...

زين ص. الزين | تصوير عبدالله رضا

اكتشف سورية