ما يشبهني أكثر هو لوحتي .. ريما سلمون تصرخ بصوت عال يختنق في حنجرة شخوصها

تلا .. شي .. عنوان المعرض الجديد بغاليري كامل بدمشق 2018

«تلا .. شي 2018»، عنوان المعرض الجديد المقام حالياً بغاليري «جورج كامل» بدمشق من 17 شباط الحالي إلى 8 آذار القادم، بعد أكثر من عشر سنوات هل مازالت تلك الشخصيات هي نفسها تعيش في لوحاتها وتتنقّل معها..؟ «تراب.. من نور وذهب 2009»، «الشاهد 2011»، «الانبثاق من الأزرق 2014»، «وجوه 2016»، أم أنها استحضار باللاوعي لأشخاص مرّوا من هناك وعلقوا على جدران الذاكرة ..؟ يتنافسون في إظهار مدى يأسهم وقبحهم نتيجة الإحباط والهزائم اليومية، أم أن تلك الشخصيات قد تغيّرت بفعل تقادم الزمن، إنه التشوّه في زمن الحرب والمتغيرات.


من أعمال التشكيلية ريما سلمون في معرضها «تلا.. شي» بغاليري جورج كامل بدمشق


وكما في كل معرض، أكثر ما نلاحظ سعي الفنانة ريما سلمون تكثيف ما تبقى من تلك الوجوه بخطوط متشابكة تعلن حزناً هنا، ومصائب هناك، تصيغ بالأسود معالم نور رغم انعدام الأمل بالنجاة، هو التلاشي بعد سبع سنوات من الزحمة على الموت، تكثيف للحدث بشكل الوجه السهل الممتنع وهو يفيض بالدهشة والتعبير الذي ينفجر من ثقبين متباعدين في الأعلى يشبهان العينين، وصراخ شديد يتبدّد هو ايضاً في مكان يقبع قبل شهيق وشفتين ترسمان معالم فم يعضّ على الجرح.

ريما سلمون الفنانة التي تقول دائماً : «ما يشبهني أكثر هو لوحتي ..»، تُرى أين وجه الشبه هنا ..؟

أهو الصدق في الإحساس برسم الشكل المبسّط والشديد التعقيد في آن ..؟ والذي لا بدّ أن يعكس الحالة ومزاج الفنان لحظة الرسم أو ما فاضت به الذاكرة من مشاهدات خلال هذه السنوات من التشتّت والتهجير القسري الذي أكثر ما يشبه الموت السريري أو الضياع وفقد البوصلة، والتي عبّرت عنه الفنانة بهذه الشبكة المعقّدة من الخطوط السوداء على خلفية ساكنة من الأبيض الممتد عبر مساحة اللوحة كلها من أربع جهاتها، ليؤدي الأبيض هنا مهمّة تهيئة حالة من الصفاء الذهني للمتلقي لينشئ أو يكمل من مخيّلته ذلك الوجه «الإنساني الاستثنائي» الذي يقارب في مواصفاته ما أرادت الفنانة إيصاله.


من أعمال التشكيلية ريما سلمون في معرضها «تلا.. شي» بغاليري جورج كامل بدمشق

تلا .. شي .. المسافة ما بين تلا، و شي ، هي نفسها التي تفصل ما بين «قبل الحرب وما بعدها»، وقد عبّر عنها الفنان ياسر حموّد بمداخلته حول المعرض بما معناه أن هناك مسافة بيّنة ما بين الفكرة والفكر، حاولت الفنانة «التعبيرية» ريما سلمون في هذا المعرض أن تجول فيها بكامل حريتها وتشتغل عليها بوافر أدواتها والمواد التي اختارتها لتعبّر بهذه الطريقة من الرسم المختزل عن حال الأزمة وما حصل ويحصل في هذه المساحة أو المسافة من الزمن التي ما زالت تفصلنا عن بداية الأزمة 2011.

في هذا المعرض الأحدث للفنانة ريما سلمون يمكننا أن نكتشف ببساطة حالة الصدق التي فاضت من عفوية تجسيدها للحدث بهذا الشكل من التعبير والرسم المعقّد والمبسّط في آن، لقد استطاعت الفنانة التقاط أكثر المناطق حساسية في الجسد الذي اشتغلت عليه سابقاً، الوجه وأصابع الأيدي التي تحاول تخليص اشتباك بعض الخيوط العالقة بالجسد أو التفّت على العنق في محاولة ولو يائسة لكنها تبقى المحاولة المجتهدة للخلاص من هذا الاشتباك وهذه الحالة المعقّدة التي تدور في فلكها، هو الأمل بالنجاة بعد المحاولة التي علينا جميعاً أن نسعى إليها في هذه الظروف الصعبة، للخروج من حالنا بأقل الخسائر الممكنة.


من أعمال التشكيلية ريما سلمون في معرضها «تلا.. شي» بغاليري جورج كامل بدمشق


بالأسود على ناصع البياض وبأناقة صاغت الفنانة ريما سلمون مربعاتها التي تضمّنت بعض أفكارها وقالت كل ما أرادت قوله في هذا الموضوع ببساطة شديدة ولكنها تشكيلياً كانت نخبوية بامتياز من قيمة الغرافيك الموجودة في تلك الأعمال والحساسية العالية التي تصلك من إيقاع الخطوط وهي ترسم برشاقة وحيوية مسار أشكالها التي تبدو للوهلة الأولى متعثّرة من تكرار تداخلها في نفس المنطقة أو اشتباكها أحياناً، لتعلن بعد قليل من التمعّن والتأكيد بالنظر إليها عن حالة متأخّرة من الحياة في وجه آدمي تحتار أحياناً بتحديد جنسه، وفي الحالتين هناك ما ينذر بفاجعة أو مصيبة تدلّل عليها، أو نلاحظها مكثّفة تخرج من العينين رغم تضيّقهما، أو من الفم الذي نسمع صراخه بعيوننا.

وكما في جميع معارضها السابقة، هي هكذا اليوم وربما بشكل أوضح تطلق الفنانة ريما سلمون صرختها أو مقولتها بصوت عال يختنق في حنجرة شخوصها بما معناه، هي هكذا الحياة .. مازالت قابلة للعيش رغم مرارتها - على الاقل - من أجل من نحبّهم فيها.


من أعمال التشكيلية ريما سلمون في معرضها «تلا.. شي» بغاليري جورج كامل بدمشق

«هذا الوجه ..
الغائب الحاضر.. الحاضر الغائب..
الذي قصدت العمل لتقديمه..
قصدني بهذا الشكل.».

هذا ما قالته الفنانة ريما سلمون حول أعمالها في معرض «وجوه 2016».

برأيي ربما يصحّ هذا القول أكثر في وجوه هذا المعرض أيضاً «تلا .. شي» 2018.

الناقد التشكيلي غازي عانا | تصوير عبد الله رضا

اكتشف سورية