مـؤتمر الهوية الوطنية لمركز دمشق للأبحاث والدراسات «مداد»

قراءات ومراجعات في ضوء الأزمة في سورية

عقد مركز دمشق للأبحاث والدراسات -مداد-مؤتمراً بعنوان «الهوية الوطنية: قراءات ومراجعات في ضوء الأزمة السورية» على مدى يومين، 20 / 21 من الشهر الجاري. بهدف مقاربة مفهوم وإشكاليات الهوية الوطنية السورية معرفي وعملي، ودراسة التحولات والتطورات التي طرأت على مكونات وعناصر هذه الهوية في التاريخ المعاصر وصولاً إلى تحديات الأزمة السورية الراهنة، وأي هوية وطنية يمكن التوافق عليها، وما هي مصادرها، وتجلياتها، وأي قراءات ومطالعات تحليلية ونقدية ممكنة اليوم، متوخيناً الالتزام الفكري والوطني لوضع رؤية استشرافية حول الاستجابة الممكنة لتحديات الهوية بكل أبعادها مستقبلاً.

وفي تصريح صحفي أكد مدير «مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد» هامس زريق أن الهدف من المؤتمر الذي أطلقه المركز أمس هو مقاربة مفهوم وإشكاليات الهوية الوطنية معرفياً وعملياً ودراسة التحولات والتطورات التي طرأت عليها في ضوء تحديات الأزمة الراهنة في سورية.


من أجواء مؤتمر الهوية الوطنية لمركز «مداد»

وقد جاء في الورقة الخلفية لجدول أعمال المؤتمر ما يلي:
تمثل سياسات الهوية اليوم ما يشبه إطاراً عاماً للسياسة العالمية الراهنة، فقد باتت الهويات العرقية والطائفية والدينية والوطنية أدوات ترتكز إليها السياسة الدولية. مع ذلك ليس من الهنّ أن نفهم ما هي الهوية، وكيف تبنى الهوية الوطنية في الظروف الاجتماعية-السياسية المختلفة ووفقاً لمقتضياتها، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى رؤى وآليات نظرية وعملية للانتقال من الهويات الفرعية إلى الهوية الوطنية. وفي سورية لم يتحول بناء الهوية الوطنية السورية، عى أهميته، إلى مروع سياسي ثقافي اجتماعي متكامل، تعمل له كل الفواعل الاجتماعية والسياسية. وظلَّت القضايا المتصلة بالهوية الوطنية مغفلة أو متروكة للمشاريع ما دون الهوية الوطنية (الطائفية والمذهبية والعشائرية) أو ما فوق الهوية الوطنية (القومية والأممية والدينية)، رغم ارتباطها الوثيق بالأمن الوطني.

يتصف مفهوم الهوية الذي استعارته العلوم الاجتماعية والسياسية بالثبات النسبي، فهو أشبه ببنية متحولة تتحرك عى محور ثابت هو مرتكزات الهوية أو مصادرها. والهوية الوطنية ليست حب الوطن، ولا الانتماء أو الولاء ولا المواطنة، الهوية الوطنية -وهذا تقدير أولي-هي نسق المعاير التي يُعرَف بها الوطن ويعرَّف، وهي التي تشكّل خصوصيته وتميزه وفرادته، وتأتي من جملة مصادر وتقوم عى مقومات ومرتكزات كلها مرتبطة بتركيبة البناء الاجتماعي ونظم القيم والتفاعلات والتدفقات في إطار الوطن/الدولة في بيئة عولمية شديدة النفاذية والتأثر.


من أجواء مؤتمر الهوية الوطنية لمركز «مداد»

تمثل «الهوية الوطنية» في سورية تحدياً مركباً نظراً لكرة العناصر المكونة للاجتماع السوري، واختلافها وتمايزها، إضافةً إلى تداعيات الأزمة التي تشهدها سورية منذ عام 2011، فبتنا اليوم أمام لحظة تاريخية توجب إعادة النظر في موضوع الهوية، فقد استطاعت قوى خارجية التسلل إلى العديد من دول المنطقة ع ر «بوابة الهويات»، لتزعزع أمن الدول والمجتمعات، وتتجاوز بالاختلاف حد الخلاف لتصل إلى النزاعات والحروب. وتواجه سورية اليوم مخاطر وتحديات غر مسبوقة على صعيد الهوية، فقد حاول الكثيرون منذ بداية أزمة سورية الحالية استخدام موضوع الهويات والانتقال منه إلى الحديث الطائفي والاثني الأضيق والهدام، فلم تهدف -بشكل عام-المقاربات التي اعتمرت الأزمة السورية «أزمة هوية» إلى الوصول إلى هوية سورية جامعة، بل إلى تأجيج الخاف وتوسيع الهوة لتحقيق أهداف ومصالح سياسية تتعارض بالطبع مع مصالح سورية الدولة والشعب.

كل هذا يضعنا أمام السؤال الأهم، حول ماهية الهوية الوطنية التي تجمع في ظلها السوريين جميعاً، هل هي هوية إثنية، أم دينية، مركبة أم مشركة، هل سورية أمام تحدي مراجعة سياسات الهوية أم أن المطلوب هو إعادة بناء هوية وطنية عى أساس عقد اجتماعي جديد، وهل تتنافى هذه الهوية مع الهويات «ما فوق الوطنية» أو ما دونها، أي هل يلغي الانتماء إلى أي من هذه الهويات الانتماء إلى الهوية الوطنية السورية، أم العكس، وأي السبل الممكنة لمراجعة سياسات الهوية وتجاذباتها، وصولاً إلى هوية وطنية جامعة وشاملة؟
إذا أردنا العودة بالزمن للتعرف على «الهويات » التي عاشت، مرت أو حكمت سورية نجد أنها لا تكاد تحى، تمتد عميقاً في التاريخ وتقريباً منذ الألف الثالث قبل المياد، من الفينيقيين إلى الكلدان، وما كان بينه امن شعوب أكادية وعمورية وآرامية وآشورية، وما تلاه من فرات السيطرة الفارسية واليونانية والرومانية، وصولاً إلى أنماط ومدارك وسياسات الهوية في المجال التاريخي الإسلامي في لحظات السيطرة العربية والفارسية والسلجوقية والمملوكية والعثمانية وحتى الفترة الاستعمارية المتأخرة وفرة ما بعد الاستقلال ونشوء ظاهرة الدولة الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين.


من أجواء مؤتمر الهوية الوطنية لمركز «مداد»

ومن الملاحظ أنه طوال طيات أو أطوار أو لحظات السيطرة المختلفة، لم توجد سورية كدولة محددة مستقلة، فسورية ضمن حيزها الجغرافي الحالي رسم حدودها اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 تحقيقاً لمصالح المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، ودون النظر إلى خصوصية مكوناتها وتنوعها. ولم تأت الحدود السياسية في سورية (أو غيرها من مخرجات سايكس – بيكو والسيطرة الاستعمارية) متوافقة مع الحدود الثقافية والديمغرافية للشعوب، لذا فمسألة الهوية هي مسألة إشكالية منذ نشأة الدولة السورية، يتنحى الجدل حولها أحياناً ويتقدم وجاهة المشهد أحياناً أخرى.

بدأ مفهوم الهوية يترب إلى الفكر في المنطقة نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وقد استخدم عدد من مفكري النهضة مصطلح الهوية ببعده القومي العروبي مثل سامة موسى والكواكبي، وساطع الحصري وعبد الرحمن الشهبندر وزكي الأرسوزي، وفي بعده القومي الاجتماعي عند أنطون سعادة.


من أجواء مؤتمر الهوية الوطنية لمركز «مداد»

كل الجهود النهضوية ولو أنها انتهت بزوال الاحتلال العثماني إلا أنها لم تؤد إلى قيام الدولة الوطنية أو القومية التي أرادها رواد النهضة، وصياغة هوية سورية لم تكن ضمن اهتمامات النخبة السياسية حينها، فحكومة الملك فيصل مثاً تعاملت مع قيام المملكة السورية بوصفها خطوة على طريق إقامة مملكة عربية تضم بلدان شرق المتوسط، الأمر الذي لم ينجح. وقد جاء الانتداب الفرنسي حاملاً معه خططه وخرائطه الخاصة ليفرضها على مكونات المجتمع السوري، وتبوأت المشهد السياسي السوري قوى برجوازية مدينية كـ «حزب الشعب» و «الكتلة الوطنية» والتي لم تسعَ حكوماتها لصياغة هوية وطنية، بل اكتفت بسياسات مدينيّة وسياسات جهوية وريعية، بدأت بعدها سلسلة الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية.

تبلورت في أواسط الخمسينات وما بعد ثلاثة مشاريع ذات قوة سياسية على الساحة السورية هي التيار القومي العروبي، والتيار اليساري، والتيار الإسلامي. في ا تراجع التيار القومي الاجتماعي بتأثر ضغوط وإكراهات شديدة وقاهرة، ومع وصول حزب البعث إلى الحكم عام 1963 بدا الطابع العروبي هو السمة الأبرز الغالبة على سياسات الهوية في سورية، لكن دون الوصول إلى الهوية الوطنية، في فرة اتسمت إما بنزاع أيديولوجيات سياسية على السلطة أو في مواجهة أيديولوجيا الإسلام السياسي (الإخواني)، فقد كانت متطلبات السياسة والأدلجة والمقولات أو السرديات العابرة للدولة أقوى من الاعتبارات والمحددات الإثنية والوطنية، على مستوى الدولة نفسها.

أما اليوم وأمام الظرف الذي تشهده سورية، بات على الجميع الوقوف لحظة للمراجعة وإعادة النظر، فالهويات أداة لل راع، وهي هدف رئيسي له في الوقت نفسه. وكَرُ الذين يختزلون الهوية في انتماء واحد متحيّز ومذهبي ومتعصب وإقصائي وعنيف، ما يهدد بمزيد من التأزم الاجتماعي، ومزيد من التدخلات الخارجية، فسياسات الهوية كانت ولاتزال بوابة للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول والمجتمعات.


من أجواء مؤتمر الهوية الوطنية لمركز «مداد»

لقد نجح العديد من الدول، رغم ما عانته من أزمات وكوارث في صياغة هويات وطنية شاملة وجامعة لشعوبها، عندما أدركوا أن سياسات الهوية يجب أن تقوم على الانفتاح والاعراف بالتعدد الاجتماعي والثقافي والقيمي والديني... وأن الهوية ليست معطى نهائياً أو تماماً أو مقدساً بل هي عرضة للمراجعة والنقد والتقويم لتصبح أكر فاعلية في توحيد المجتمع والدولة. أي أنها ظاهرة قابلة للبناء والتشكيل بحسب ما تقتضيه مصلحة الدولة وشعبها، والمرحلة التاريخية التي تعيشها.

اكتشف سورية