في عرض.. البحر

.

لعل الأمر التبس على كثيرين حين قرؤوا كلمتي «عرض البحر» على ملصق العرض المسرحي الذي قُدّم على خشبة مسرح سعد الله ونوس في المعهد العالي للفنون المسرحية على مدى أحد عشر يوماً شغلت فيها مقاعد الصالة عن آخرها، وكذلك المقاعد التي وضعت على جانبي خشبة المسرح. وربما أن صنّاع العمل تعمدوا هذا الالتباس الذي سرعان ما يتبدد مع اللحظات الأولى للمسرحية حين يدرك الجميع أن المقصود ليس توصيف ما سيقدم، وإنما هو عنوان ينطلق من مكان الحدث المسرحي : في عرض البحر. وبعد نحو ساعتين سيدركون ثانية أن البحر لا يشير إلى حالة واقعية بقدر ما يحمل دلالة رمزية.‏

العرض المسرحي «عرض البحر» أو «في عرض البحر»، الذي ترجم أيضاً إلى «في أعالي البحر» مأخوذ عن نص أشهر الكتّاب المسرحيين البولونيين «سلافومير مروجيك» الذي شاهد الجمهور السوري، واللبناني، أحد أعماله «المهاجران» قبل عدة سنوات بإعداد الدكتور أسامة غنم وإخراج الدكتور سامر عمران، وكان واحداً من العروض الهامة في تاريخ المسرح السوري، كما أنه تم إعداد نص «في عرض البحر» أكثر من مرة باللغة العربية وأثار الاهتمام في كل المدن العربية التي عُرض على منصات مسارحها، ومنها مدينة الحسكة حين قدمتّه قبل عشر سنوات فرقة المسرح القومي فيها، في إطار عروض مهرجانها المسرحي. وقد منح كثير من معدي ومخرجي العرض أنفسهم مساحة واسعة من الحرية في التعاطي مع النص، ومع العرض، وخاصة فيما يتعلق بالمشهدية المسرحية «السينوغرافيا»، بل إنه في أحد العروض تم استبدال رجال النص الثلاثة بثلاث نسوة.‏

إبراهيم جمعة «المُعد» ومجد فضة «المخرج» لم يقلصا مساحة الحرية في التعامل مع النص بأقل مما فعل أسلافهما، فأسبغا على العمل روحاً محلية بما كاد ينسي المتلقي أصوله الأوربية، دون أن يخسرا، بالمقابل، أدنى قدر من مقولات النص الأساسية التي تنتقد بمزيج من الكوميديا والمأساة عالمنا المعاصر، حيث تغيب المفاهيم الحقيقية للعدالة والإنسانية والمساواة، بفعل التباين الاجتماعي الحاد، الذي يسمح للطبقات المسيطرة ممارسة أعتى أنواع الاستبداد والاستغلال خلف تلك المفاهيم. ويختصر النص ذلك الواقع العالمي بثلاث شخصيات، تجمعهم الأقدار على سطح طوفٍ تائه في عرض البحر: شاب عاشق وبسيط، ورجل أعمال انتهازي وخبيث، ورئيس طهاة قوي البنية، وحين تتصاعد الأحداث إثر نفاذ الطعام، ويصبح الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة «افتراس» أحد الثلاثة، يتحد رجل الأعمال ورئيس الطهاة ضد الشاب العاشق ويلجآن إلى كل الأساليب المتوفرة للإيقاع بالضحية بدءاً من القرعة، إلى الانتخاب الديمقراطي، إلى محاولة الإقناع بالتطوع، إلى فرض معايير لا تنطبق إلا عليه، وصولاً إلى السيطرة على آلية التفكير، وغسل الدماغ، عبر شخصية رابعة في العمل تطل من البحر كوهم خلاصٍ مُحبط يدفع بالضحية إلى الاستسلام لمصيرها.‏

صاغ «سلافومير مروجيك» مقولة نصه بعبقرية إبداعية متمكنة، والتقط إبراهيم ومجد روح المقولة ببراعة عرفت كيف تحافظ على رمزية الشخصيات رغم كل التغييرات التي أجريت عليها، مما جعل العرض يمتلك تلك القدرة الهائلة على الوصول إلى المتلقي، خاصة بوجود ممثلين بارعين ومتناغمين جسّدوا شخصياتهم بموهبة واقتدار، كما كان حال الفرزدق ديوب ووسيم قزق وياسر سلمون، حتى يمكن القول إن نجاح العرض قام بجزء كبير على أداء الممثلين، ولا يبدو الأمر غريباً مع هذا العرض الثالث لمجد فضة، ففي عرضه الأول «من أجل نعم من أجل لا» عمل على نص للروائية الفرنسية من أصل روسي «ناتالي ساروت» تميزت نصوصها بقلة الشخصيات وغلبة اللغة، وفي عمله الثاني «النافذة» المأخوذ عن نص للكاتب البولوني «إرينيوش أريدينسكي» هيمن على العرض لغة عادية يومية، وفي العروض الثلاثة طغى حضور الممثلين على كل شيء سواه. دون أن يقلل ما سبق من أهمية سينوغرافيا العمل الذي تشاركت فيه خريجة قسم السينوغرافيا ولاء طرقجي، ومصمم الإضاءة خريج قسم التقنيات أوس رستم، حيث تم استبدال أرضية خشبة المسرح التي تمثل البحر، بلوح تتبدل ألوانه وفقاً للحدث غالباً عليه لون البحر الذي يطبق في نهاية العرض على سكان الطوف، مستعيداً من الذاكرة مشهد الختام في فيلم إيطالي يعود لسبعينات القرن الماضي يختم سرده عن فساد الطبقة الثرية بغرقهم جميعاً في عرض البحر بعد أن غاب عنهم إنزال سلم «اليخت» الذي أوصلهم إلى هناك.‏

عرض المعهد المسرحي يرافق المشاهد إلى وقت طويل بعد مغادرته الصالة محملاً بأسئلة عديدة، مثل: كيف علق أبطاله وسط البحر، وأي أثر على حاضر الأشخاص يصنعه تزييفهم لماضيهم، ولماذا التهم الانتهازي سراً كل الطعام الموجود على الطوف ثم ألقى بصنارة الصيد، الأمل الوحيد في الحصول على الطعام، في عمق البحر؟‏

وأختم باستعارة كلمات كتبها أحد النقاد بعد حضوره عرضاً مسرحياً امتد لأكثر من ساعتين:‏

يدوم العرض وقتاً طويلاً، ولكن ذلك لا يُشعرنا بالضجر. لماذا نضجر إذا كان كل شيء في العرض مصنوعاً بشغفٍ وذكاءٍ قادرَيْن على نقل العدوى إلينا؟‏

سعد القاسم

إضاءات