في ثقافي أبو رمانة .. معرض وندوة حول تجربة الفنان التشكيلي جورج عشي

شخصية أبدعت في أكثر من مجال فني وحقّقت حضوراً لافتاً ومؤثّراً

الفنان التشكيلي جورج عشي .. «رسام ومصوّر زيتي»، أقام أكثر من عشرة معارض شخصية ومشارك في عدد من المعارض والتظاهرات الفنية داخل وخارج سورية.

فنان ضوئي، العضو المؤسس رقم «1» لنادي فن التصوير الضوئي، الجائزة الذهبية الخاصة لاتحاد المصورين العرب «بغداد 2003».

شاعر أغنية، حائز على الجائزة الأولى لمهرجان الأغنية الشعبية 1975، عضو جمعية المؤلفين والملحنين والموزعين في باريس بصفة شاعر أغنية.

اهتمام خاص بالموسيقى، وعازف كمان، من الأعضاء المؤسسين للفرقة السيمفونية الوطنية عام 1960 في دمشق.

كانت هذه محاور الندوة التي أقيمت يوم الأربعاء 5 تموز 2017 من ضمن الملتقيات الثقافية التي تقيمها مديرية ثقافة دمشق في مركز أبو رمانة لمدة أسبوع حيث البداية كانت بمعرض لأعمال الفنان جورج عشي المكرّم في هذا اللقاء الذي جمع كل من الفنان أكسم طلّاع مدير الندوة وكل من الأستاذ عماد الدين ابراهيم مدير إذاعة دمشق والنحات غازي عانا.


ندوة حول تجربة الفنان التشكيلي جورج عشي

حيث أحال الفنان أكسم طلّاع أول الكلام للفنان جورج عشي الذي اكتفى هو أيضاً بشكره للقائمين على هذا التكريم الذي أسعده، كما أعرب عن محبّته لجميع المتواجدين في هذه الندوة ومن حضر معرضه، وأنه لا يريد إضافة شيء لما قاله في نتاجاته خلال هذه السنوات من التجربة، فالعمل على اختلاف أشكال تعبيره «صورة لوحة وشعر» لابدّ ان يعكس كل رؤى الفنان وأفكاره وما يريد إيصاله إلى الآخر.

وقبل أن يعطي الكلام للمنتدين أكّد الفنان أكسم طلّاع المشرف على الملتقى بأن تكريم الفنان جورج عشي هو تكريم لكل فنان حقيقي، ولذلك ارتأى الملتقى تكريمه بدورته السادسة بمشاركة عدد كبير من الفنانين والمهتمين بإقامة هذا المعرض وعقد ندوة له، وهو المصور والتشكيلي والشاعر والموسيقي السبعيني الذي ما زال ينتج فناً راقياً من روحه ومحبته وانسجامه مع نفسه.

بينما تحدّث الأستاذ عماد الدين ابراهيم حول تجربة جورج عشي حول شعره الغنائي المحكي حيث أصدر عشي مجموعتين شعريتين فقط منذ ما يقارب نصف قرن نهل فيهما من معين الطبيعة الغني والثر، والتي كانت حاضرة في شعره وقد استمد منها موضوعاته وتماهى شعوره وإحساسه مع مظاهرها، فشكلت قاموسه الشعري الذي بنى من خلاله أسلوبه الشعري الذي ميزه عن بقية الشعراء بمفردات سلسة وسهلة تصل للقارئ بكل بساطة ويسر..
«من دارنا يا جارنا / خلي الدرب من دارنا
كرمال عينيك الخضر / منبيع كل نهارنا»

وبيّن عماد الدين إبراهيم أنه وشيئاً فشيئاً أخذت الأغنيات الشاعر عشي من أجواء الشعر المحكي وما فيه من استرسال وتداعيات للمخيلة، ليقدم نصاً محكياً يقارب الفصيح جمالاً وإبداعا ودهشة، وهكذا اكتفى بجموعتيه «كلمتين صغار» عام 1963 و«الجوع والحب» عام 1970، متوجهاً إلى نظم الأغنيات التي ترنم بها الكثيرون بألحان العديد من الملحنين الكبار في مقدمتهم الراحل ملحم بركات وسيد مكاوي.

وقرأ الاستاذ عماد مداخلة المصور الفوتوغرافي المحامي أنطون مزاوي الذي تغيّب بسبب السفر: «أرى أن عشي فنان متمكن من أدواته الفنية ومالك لوسائله التعبيرية على نحو غدت معه العناصر المكونة لأعماله مجموعة من الدلالات القادرة على تأدية المعنى بمفردات تصوغ نصوصاً بصرية راقية وهادفة عبر عين عشي الساحرة، وذهنه المتقد والذي استطاع خلق صيغ حوار راقية خاطب من خلاها فكر وثقافة المجتمع، بعد أن آمن بدور الفن في حياة الناس وقد تجلى ذلك برأيي في انجازاته ابتداءً من الصورة التعبيرية مروراً بالواقعية والجمالية، وصولاً إلى التوثيقية التي أضفى عليها عشي أبعاداً جمالية وإبداعية لذلك لم تكن تجربته مجرد توثيق، بل تعدته إلى إضفاء روح الفنان ومعاييره الفنية والجمالية في العديد من النواحي التي عمل بها في توثيق الفنون في المسرح والموسيقا والأدب والعمارة والنحت والتشكيل».

كما قرأ الأستاذ عماد الدين ابراهيم مداخلة وردت من حنا ورد كمدير سينمائي عريق بين عشق عشي لدمشق القديمة، ولفن البورتريه وشغفه في تصوير القامات السورية الكبيرة، فكان أرشيف الثقافة السورية المعاصرة هو أهم من صورها ووثقها بعدسة فنان محب لوطنه وحضارته.


ندوة حول تجربة الفنان التشكيلي جورج عشي

كما داخل في الندوة عدد من الحضور أكّد كل منهم على أحد الجوانب التي أثارته في تلك التجربة الغنية للفنان جورج ومنهم (الفنانين التشكيليين موفّق مخّول ونبيل سمّان ، بالإضافة إلى الدكتور نزار بني المرجة).
وأخيراً تحدّثت أنا النحات غازي عانا حول تجربة الفنان في البورتريه والطبيعة:

.. وأنت تتأمل أي لوحة للفنان جورج عشي تكتشف بلا أدنى عناء كم يشبه هذا الفنان ببساطته وصراحته أجواء أعماله بتنوع فضاءاتها الإبداعية وهامش الحرية الذي تتمتع بها من حيث تداخل الصياغات فيها وتناغم ألوانها، ودائماً بشهادة الضوء الذي يحيلنا إلى علاقة اللوحة بالموسيقى من خلال توافق إيقاعات كل من اللون والضوء مع ما تبقى من الشكل الذي استقرّ هنا أو ظلّ عالقاً هناك في أعلى الكادر.

إن تلك الأعمال التي ما زال ينجزها بغواية وهواية وعلاقة حب تفيض من كلامه والعاطفة التي يبديها وهو يحدّثك عن تلك العلاقة بينه وبين إبداعه بتنوع فضاءاته وأشكال تعبيره، هذا بالإضافة إلى هامش الحرية الذي تجول فيه عوالم تلك اللوحات من حيث تداخل الصياغات والمفاهيم التي وصل إليها الفنان بالتجريب الذي مازال هاجسه إلى اليوم محاولاً إيجاد معادل طبيعي بين قناعاته ومعارفه وبين هوايته وما هو ممكن في عالم اللوحة الذي بات ورغم اتساعه وانفتاحه هو أضيق مما نتوقع في ظل ما نشهده مؤخّراً من تطوّر تكنولوجيا التواصل والمعلومات ..

احتل التشخيص مساحة كبيرة في تجربة الفنان جورج عشي وكان «البورتريه» عنوان أول معرض قدّمه بصالة الشعب للفنون بدمشق، وما زال إلى اليوم من الموضوعات التي تشغله لخصوصيتها بالنسبة إليه وما يعنيه هؤلاء الأشخاص بلباسهم وهيئاتهم التي تعيده إلى الزمن الجميل بما اتسم من حب وعلاقات حميمة تحولت اليوم إلى أمنيات وما بقي منها يظهر في تلك الكوادر.


ندوة حول تجربة الفنان التشكيلي جورج عشي


في هذا النوع من الأعمال الذي يعتمد على الواقع وما بقي في الذاكرة من هيئة الأشخاص يستحضرها الفنان بعد أن يحمّلها مشاعره لتبدو حقيقية أكثر من الحقيقة رغم هامش التجريب الكبير الذي يجول، وبسهولة نكتشف مدى الأريحية التي يتعامل فيها الفنان مع هذه الحالة الفنية، من صراحة التعبير والصدق الذي يفيض من هذه الكوادر أو الوجوه العديدة التي رسمها خلال سنوات تجربته وبأكثر من أسلوب وصياغة حتى أحياناً كان هذا التباين مُتضمّناً في نفس اللوحة التي تحتوي أكثر من حالة أو شخص لكثير من التنوع الذي ربما يغني المشهد ويرضي فيه الفنان رغباته فيما يريد قوله وبصوت عال من خلال هؤلاء الناس.

تبقى الألوان هنا في موضوع التشخيص أكثر إنطباعية يعكس بعضها أحياناً مزاج الفنان في تلك اللحظة من الرسم أو التعبير التي تظهر اتفاقاً ضمنياً لتناقض بعضها من صراحة اللون ونظافته والذي نشعر باستقراره في مكان ما على السطح من غير مزج أحياناً، بينما في موضوع المنظر الذي غالباً ما يسود فيه تفاهم أكثر من حيث تنقلات تلك الألوان التي تختلف فيها حدة التجاور، بمساهمة كل من الضوء بتسلّله خلسة إلى بعض المناطق في اللوحة، وطبيعة اللقطة ولحظتها وبالتالي حرص الفنان على رومانسية المشهد المُختار بالأصل بعناية وحب، وفي نفس الموضوع نشاهد خروجاً بل انقلاباً على كل تلك المعايير ليذهب الفنان بعيداً بالألوان عن كل ما هو مألوف ليحلّق في فلك التجريب الحداثوي ويبتكر انطباعية خاصة به تشبه الفانتازيا البصرية يعرفنا من خلالها على طبيعة سحرية تشبه ما هو مفترض أنه موجود على كوكب آخر أو أرض غير التي نعيش عليها، ضمن مفاهيم ونظم لا يجرؤ ربما سوى الفنان تجريب الوصول إليها بأدواته من لون وضوء وكثير من الحلم.

إن لوحات الطبيعة في تجربة الفنان غالباً ما تنحاز إلى المكان الذي مازال يحتل الأولوية في الذاكرة الحاضرة، إلى «ضهر صفرا» وتعني بالآرامية «جبل الصباح» القرية الجميلة القابعة هناك قبالة البحر تتربّع على التلّة الأعلى من جهته، تحيطها الأودية والجبال من كل الاتجاهات، هذا المكان الذي ولد ونشأ فيه جورج عشي حيث بدأ يكتشف الآخرون موهبته أو مواهبه المتنوعة التي نمّاها بالاجتهاد بعد رعاية وتشجيع الأهل له، ومنذ تلك الفترة أي قبل حوالي الخمسة عقود من اليوم لا تفارقه الكاميرا في مشاويره ورحلاته، يرسم ويكتب الشعر ويعزف قليلاً، إلاّ أنه ولا مرة فكرّ بالاحتراف أو التفرّغ لواحدة من تلك الحالات المبدعة ليبقى هاوياً محباً وشغوفاً لها جميعاً، يمارس أي منها في الوقت الذي يكون فيه مزاجه رائقاً وفكره متوقّداً، بعد أن ينتقي من المشهد ما هو أقرب إلى الحلم فيه، يضيف إليه بعض الأمنيات التي تشبه شيئاً من الموسيقى وحروف من قصيدة، وضوء يتسلّل من خلف غيمة نسيها الريح هناك في أعلى المشهد ضمن تأليف متحرّر من كل القواعد والنظم الأكاديمية الصارمة، ليبدأ متناقضاً باتفاق جميع العناصر فيه على استقرار قلق يساهم في إغناء اللوحة بالمؤثرات البصرية التي تمنحها - رغم جدّيتها- كثيراً من الحيوية والحركة.


ندوة حول تجربة الفنان التشكيلي جورج عشي

جورج عشي .. الرسام .. المصور .. الشاعر .. والعازف .. الفنان العارف بكل هذه الأشكال من الفنون التي نستشعرها - وإن بنسب متباينة – في أعماله من خلال تجوالنا في بعض من تلك الفضاءات المبدعة حقيقة مستمتعين بجمالية اللوحة وحساسية الصورة ورجع صدى موسيقا نكاد نسمعها من بعض الشعر في صوته ..

«رسم ، ألوان، كاميرا، شعر وبعض الموسيقى».. ما أروعك أيها الفن في هذا التلاقي الممتع والمفيد، تحية للفنان الضيف في جميع فضاءاتك .. شكراً للأمكنة التي احتوت أو حرّضت مخيّلتك لتبدع في كلّ تلك الأجناس من الفنون، إن كان بضواحي دمشق أو خلال رحلاتك، أم في مرسمك الذي يشرف على طبيعة ولا أجمل من سحريتها وعذوبتها ورطوبة الجو هناك على أطراف القرية.. أراها في لوحاتك الزيتية أم الضوئية، كما أكتشف في كل مرة كم تتنافس فيما بينها على فيض التعبير من شدّة بساطتها .. هل هو التقاطع فيما بينها بحب أم هو السهل الممتنع في الصياغات التي خبرت تناغمها، فأحسنت في اختيار ما هو الأفضل تقنياً لإنجازه في الزمان والمكان المناسبين على سطح العمل الفني، الذي فاض بالصدق وامتلأ دائماً بالحيوية والغرابة ليبقى طويلاً في الذاكرة يمتع البصر وينعش البصيرة.
- - - - -
* الصور من التشكيلي محي الدين الحمصي

الناقد والتشكيلي غازي عانا

اكتشف سورية