مسلسل قناديل العشاق.. شهامة، حزن، حب

.

يصعب الحكم المطلق على أي عمل درامي من حلقاته الأولى، لكنها بكل تأكيد ترسم انطباعاً عاماً وتكوّن فكرة أولية عن هيكلية المسلسل إن كان من ناحية النص أم الحبكة الدرامية أو الإخراج أو حتى أداء الممثلين.

ينقلنا المخرج، بفضل حنكته المهنية بطريقة الراوي، إلى صميم الحارة، إذ تجول عدسة كاميرته ببطء على أرصفة المشاهد والأحداث فتروي «قناديل العشاق» في حارة «الشاغور» قصصاً درامية مخفية، فيها الشهامة والحزن والحب إبان الاحتلال العثماني.

تبدع سيرين عبد النور بأداء بطولي عبر شخصية فتاة تدعى «إيف» تملك صوتاً جميلاً جداً، وهي التي تعرضت لظلم في مكان إقامتها في جبل لبنان، فاضطرت للهرب إلى دمشق حيث تعمل وتدير ماخور «كوكب» (صباح بركات)، وهو المسرح الرئيسي في حارة قناديل العشاق حيث تتعرف خلال عملها إلى العديد من خواجات الشام الذين يعجبون بها وبجمالها وجمال صوتها.

وينجح محمود نصر في سرقة الأضواء بشخصية «ديب العتال»، الشاب الشامي الفقير، الذي تقع بحبه «إيف» حيث تبدأ الحكاية الافتراضية، في دمشق ضمن قالب توثيقي لفترة تاريخية في أواسط القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1734، حيث يمسك بالدور من أطرافه كافة، ويتعمق بالشخصية ويسرق معه المشاهد إلى باطن أعماقها بحرفية عالية.

كل تلك العوامل إضافة إلى نص محبوك بحنكة ورؤية إخراجية عميقة وأداء محنك للأبطال ضمنت للعمل نجاحاً وانتشاراً كبيرين تخطيا التوقعات.

ولا ننسى أن هذا العمل الشامي احتل المرتبة الأولى من بين كل الأعمال السورية من حيث عدد القنوات العارضة، حيث تكفلت 13 قناة محلية وعربية بعرضه وهي «سورية دراما، سما، الجديد، صدى البلد، روتانا مصرية، حواس، الفلسطينية، الغد المشرق، التلفزيون المصري، ART حكايات، الحياة، نايل دراما، البلد دراما».

في هذا العمل نحن أمام قصة حب كبيرة تحيطها الحكايات التي تخدم السياق الدرامي العام، فهي قصة متخيلة وقعت في زمن مادي ومكان وتاريخ وحدث سياسي، تقول الرسالة الأبرز فيه إنه: «إذا اختفى الحب، فسنختفي».

وتسعى معظم شخصيات العمل إلى البحث عن الحب في جو مشحون بالكراهية، ورجال السيطرة والفساد في مدينة يدافع بسطاؤها عن لقمة عيشهم، في حين يجمع مترفوها مزيداً من المال مستغلين حالة الفوضى العامة.

وما بين الصراع والمكائد، استطاع المخرج سيف الدين سبيعي، التركيز على تعابير وملامح الثأر الواضحة في وجه سيرين عبد النور، فلم تكن تعابيرها مطابقة لتعابير الشر والانتقام لأن تعابير وجهها ميالة إلى الرومانسية والشفافية والبراءة، ما جعلنا نتعاطف معها ونراعيها ولا نطلق الحكم عليها بأنها امرأة شريرة وحقود.

وتأخذنا الأحداث إلى أماكن أخرى من حيث الأداء الدرامي، فتتألق ديمة قندلفت بشخصية الزوجة الغيور على مصلحة زوجها، وتعيدنا الأحداث إلى هروب الرجل الدمشقي على الرغم من جدية شخصيته ورصانته إلى البحث عن رغباته في أوكار الليل، فكانت «إيف» تقدم المتعة مع فريق بناتها مقابل تحقيق ثأرها.

وبعيداً عن الأجواء الاجتماعية، يصور المسلسل دفء المشاعر في قلوب نساء الشام، ولكن ما بين الحبكة الدرامية التي اعتمدت ولعبة «الفلاش باك»، دخل المسلسل مرحلة المماطلة بعض الأحيان لأن محتوى القصة ليس قابلاً للسرد، وخصوصاً أن الكاتب اعتمد على الحقبة التاريخية زماناً لقصته، على حين أن الأحداث وسرد الوقائع تتماشى مع أي زمان ومكان.

إن السياق الدرامي للقصة متجه نحو تصوير الحارة الشامية، لكن هذه الحارة مختلفة كلياً عن الحارة التي كنا نشاهدها في المسلسلات الأخرى، فهي متجردة من أنانية السيطرة أو الزعامة المطلقة، في وقت نفذ فيه المخرج التوءمة بين الحقبة التاريخية والفانتازيا العاطفية والاجتماعية، ما أضفى نكهة سلسة على العمل.

مجرى أحداث هذا العمل لم يتبلور إنما على العموم العمل مبهر ولافت للاهتمام ويحيي الذاكرة التاريخية على حقبة مظلمة من الاحتلال العثماني يسودها الفقر والذل والمجاعة.

المسلسل من تأليف خلدون قتلان وإخراج سيف الدين سبيعي وإنتاج شركة سما الفن وبطولة: سيرين عبد النور، محمود نصر، ديمة قندلفت، جلال شموط، خالد القيش، رفيق علي أحمد، وفاء موصللي، عارف الطويل، صباح بركات، روعة ياسين، سارة فرح، ميريام عطا الله، يمان إبراهيم، رانيا رياض، فايز قزق، سارة الطويل، حسن عويتي، غادة بشور، أمانة والي، وآخرين.

تتناول أحداث العمل الفترة التي سبقت دخول أسعد باشا العظم إلى دمشق عام 1734 حينها كان أهل الشام يعانون انعدام الأمن والفقر بسبب الممارسات الظالمة للجيش العثماني (الانكشاريين) الذي كان يسيطر على المدينة ويقوم بسلب الناس مقدرات عيشهم وإغراقهم بالفوضى.

المسلسل عبارة عن دعوة للحب، وثمة لعب على الخيال والفكر في طريقة دمج وطرح الشخصيات والأحداث، وسيدخل للمرة الأولى في «ماخور» مع عدم الخروج عن إطار الأخلاق والآداب في الطرح.

والهدف من وراء القصة الاستعراض الحقيقي لمحاولة إيجاد نمط غنائي هادف من خلال مجموعة من الأغنيات الخاصة، التي تقدم في إطار روائي مربوط مع بعض «الاستكتشات» لشخصيات و«كاراكتيرات» تصقل الأحداث، وتجعلها منوعة في إطار ممسوك.

وائل عدس

الوطن السورية