الفنان التشكيلي نزار صابور في خان أسعد باشا يعرض خلاصة دهشته البصرية وجملة مشاعر وقيم نبيلة

لوحاته .. عبق لحظات عاشقة كأنها عبرت إلى غير رجعة

«ست سنوات» .. عنوان المعرض الذي يقيمه الفنان نزار صابور في بهو خان أسعد باشا بدمشق والمستمر هناك حتى بدايات العام القادم، محتوياً بحدود 120 لوحة بمقاسات وتقنيات مختلفة، هي نتاج الفنان خلال الست سنوات المنصرمة من عمر الأزمة التي مازلنا نعيشها في سورية ..

وليس صدفة أن يكون الفنان نزار صابور في هذا المكان مودّعاً عاماً آخر من المعاناة، هو عرض أيضاً في خان أسعد باشا في العام 2005 أعمال (عنترة زماننا) وكان مميّزاً بتحضيره للفضاء الذي كان لافتاً من حميميته وقدرته على ما كان يريد تقديمه الفنان من ذلك العرض، مثلما اليوم ونحن أمام (ست سنوات)، المعرض الذي يقدّم فيه حالات مختلفة ومتباينة في زخم تعبيرها من موضوع لآخر، إلى أن ختم بجناح خصّصه لعنوان "أيقونات سورية"، هذا الموضوع الذي لطالما شغله واشتغل عليه بطريقة مباشرة أو غير ذلك من صياغات وفهم وتقنية تخصّه كفنان اعتبر اللوحة أو الفن عموماً :
«في زمن الحرب ماذا علينا أن نفعل ..؟!
ست سنوات .. نعيشها !
كيف يمكن للفن أن يكون شاهداً على العصر .؟
كيف له أن يكون ذاكرتنا اليومية .؟ وليس متعة عابرة !
الفن طريقي .. للدفاع عن الحياة .. ضد الموت.».


التشكيلي الكبير الياس الزيات والتشكيلي إحسان عنتابي مع الفنان نزار صابور في حفل افتتاح معرضه «ست سنوات»

«أيقونات سورية».. في هذا الجناح الأخير من المعرض قدم خلاصة تجربته أو نماذج منها بما يخص فهمه لفن الأيقونة المرتبط باللاوعي بروحنة الأشياء وعلاقتها بالزمان والمكان وقدسية كل منهما بما يخصّ حياة الإنسان على الأرض بين حياته وموته، هي تجربة قاسية بلا شكّ تبدأ من الولادة وحتى فناء ذلك الجسد، حيث تنفصل الروح عنه إلى حالة أخرى لا نعلم عنها شيئاً، والأيقونة هنا حالة تشكل وسطاً أو وسيطاً مناسباً للبعض للتخفيف من وطأة الحياة والأمل بشكل مختلف لحياة ما بعد الموت، وفي هذا الموضوع يجتهد الفنان صابور في صياغته التي دائماً يعتمد فيها الاشتغال على أكثر من مستوى في اللوحة ولكل منها مجموعة لونية، يشكل الأسود واحدة منها وأساسية مداخلاً بعض الأبيض كإضاءات أو العكس في بعض الأحيان لاحتضان حميمي للكادر المركزي وسط المشهد الذي هو مستطيل أو مربع يحتوي على مجموعة من الشخصيات المحوّرة والمشغولة بتبسيط شديد نميّزها من الهالات فوق الرأس باللون الذهبي المضاء على خلفية زرقاء فاتحة وكأن تلك الكائنات تسبح في فضاء بدون جاذبية، وغالباً ما يميّز فيها شخصية في المركز كبؤرة جذب بصري تدور في فلكها باقي العناصر والمفردات.


التشكيلي الكبير الياس الزيات والتشكيلي إحسان عنتابي مع الفنان نزار صابور في حفل افتتاح معرضه «ست سنوات»

«نزار صابور الإنسان – اللوحة» ..
عنوان كتاب الأستاذ سعد القاسم حول تجربة نزار صابور الإنسان والفنان، والذي كان وزع خلال المعرض بالإضافة إلى كاتالاوغ مختصر فيه بعض اللوحات والسيرة الذاتية والفنية، والكتاب «نزار صابور الإنسان - اللوحة» كان أقيم له حفل توقيع ضم يومها مجموعة من اللوحات للفنان من مراحل متباينة لتجربته، في فندق الدماروز أيار 2015، الصادر عن وزارة الثقافة – الهيئة العامة للكتاب والذي لابد شكّل إضافة هامة لمنشورات الوزارة المتخصّصة بالشأن التشكيلي، مثلما شكلّ اليوم ركناً مهماً بالتعريف بالفنان لمن لا يعرفه جيداً وإضافة مميّزة للمعرض.


التشكيلي المبدع نزار صابور في حفل افتتاح معرض «ست سنوات»

والفنان نزار هو واحد من أهم الذين استفادوا من تجارب أساتذة كبار من الجيل الذي رسم معالم الحداثة التشكيلية للمحترف التعبيري السوري، لتشكل تجربته استمراراً لذلك الزخم التعبيري واللون السوري المشرق الذي اتسمت به الحركة التشكيلية ما ميّزها عبر خمسة عقود، ترك كل منهم علامة ستبقى فارقة في المشهد إلى أجيال قادمة، مثلما تأثّرت بتجربة صابور اليوم مجموعة من الفنانين الشباب المجتهدين جعلتها أكثر حضوراً هنا وهناك في أكثر من مناسبة وتظاهرة أهمها معرض الربيع السنوي.


التشكيلي المبدع نزار صابور في حفل افتتاح معرض «ست سنوات»

أجل . . إن ما في لوحات نزار صابور أكثر من رسم ..
هو يشبه في بعض الأحيان أشياء تذكـّرنا، أو على الأقل تشعرنا بالسعادة، من تدفـّق البوح الذي يتحوّل إلى فضاءات من الأبيض تغمر المشهد بالضوء وتغمرنا بالفرح الممجوج بالحزن، كأنه حلم .. دوائر ملوّنة بالأحمر وزجاجات، أقمار.. وبرد يلفح ذلك الجدار وما عليه من أشكال وتعويذات تظهر وتغيب في الأفق .. ومربعات، تظنـّها نوافذ من رجعِ صدى وشوشة بعد صمتْ، وبعض أطلال لماض جميل، وأمكـنة حميمة، قد تحتوي شيئاً من عبق لحظات عاشقة كأنها عبرت إلى غير رجعة ..


التشكيلي المبدع نزار صابور في حفل افتتاح معرض «ست سنوات»

في أي لوحةٍ لنزار صابور في هذا المعرض هناك ربما فسحة لسعادة ما، رغم الإحباط والأحزان التي تصلنا من أول لوحة في المعرض «تحية لأبي العلاء المعري - نهر الدمّ»، وهكذا تستمر الإشعارات بحجم المصيبة والرحيل بسيطرة الأسود على مربع يحمل أشكال الدعوات بالرحمة على أرواح الذين غابوا عن أحبّتهم «نعوات سورية»، تتبعها مجموعة أخرى أكثر إيلاماً من تأثيرات الغرافيك بالأسود الذي يعلن عن «أشلاء سورية»، ومن ثم «الحصار» فـ «معلولا» و«القلمون» وفيما بعد يعنون جناحاً بـ «الصمت – هسّ»، و«أيقونات لصحن الزيتون» كما يفرد مجموعة من الأعمال كاقتراحات لأغلفة كتب حول ما جرى من أحداث في الست سنوات منصرمة تتسم بالأبيض وبعض الأحمر هنا وهناك ودائماً بإخراج لافت وأنيق « الكتاب حارس الموت والحياة».


التشكيليون: مصطفى علي، وليد الآغا، إحسان عنتابي، طلال معلا، غازي عانا

وكما في معارضه السابقة كان دائماً يشكّل العنوان مدخلاً بحسب رأيي الفنان للوحة «سعادة الحرية .. سعادة بالأبيض .. بدون عنوان .. سعادة أخرى .. أثر السعادة .. سعادة ما أمكن .. جبل السعادة .. دعوة للحياة .. وما بعد العشاء الأخير .. »، هو مازال يحاول أن يلمّح إلى تلك السعادة المؤجّلة دائماً من خلال دغدغة بصرية لطيفة، وعنوان غالباً لا يقرّب الأشياء، بل يزيدها برأيي تغريباً وتماهياً، وفي الحالتين لابدّ من ملاحظة الفرق بين تفاؤله أمس وحجم أحزانه اليوم، على الأقل من الدلالات المباشرة للعناوين التي يطلقها على معارضه أو على لوحاته عموماً، وخاصة تلك التي غالباً ما تتضمن كمّاً هائلاً من الأحزان على شكل تأثيرات من الغرافيك بالأسود الذي يجتاح المساحة والأبيض في الكادر ويجتاحنا، وهنا لابدّ من وقفة وتأمّل في روحانية المشهد بمستوياته المتعدّدة حتى ينتشي البصر وتأنس البصيرة.


السيد بسام أبو غنام معاون وزير الثقافة في حفل افتتاح معرض «ست سنوات» في خان أسعد باشا


هل الغاية من العنوان هنا، تحريض عين المشاهد ودعوتها لمزيد من التخيّل والتحليق فيما وراء المشهد .؟ أم لمزيد من التجريد ..؟ وهذا برأيي يحرّض باللاوعي المشاهد على التفكير لتتبع الأثر متخيّلاً الحالة التي أرادها الفنان ولم يجدها هو، ليشكّل العنوان في هذه الحالة بالنسبة للبعض دعوة لتلمّس ولو ملامح من تلك السعادة المفترضة، هي محاولة لاقتفاء الأثر، ومتعـة لاكتشاف تضاريس تلك الجماليات المدهشة، في هذا الركام الرائع من بقايا الأشكال المبعثرة في فضاء اللوحة، الذي هو دائماً عالم الفنان الخاص الذي يمارس فيه شغبه، ويبوح له بهواجسه، تاركاً هناك بصمت .. حقيقة تصوّراته حول الحياة ما أمكـن .. والسعادة التي يكتفي منها أيضاً بما أمكـن.

إذن .. في كل مرة يحاول الفنان أن يخرج من مسار لوحته الماضية ليقدّم جديداً، نراه يقترب من نفسه أكثر متـّكـئاً على ذاكرة بصرية متـّقدة نشأ عليها، وكأن الرسم بالنسبة له مناسبة لإعادة إحياء ما مضى من أزمنة مزدحمة بالأحداث، وما اندثر من أمكنة حميمة، وإن بصياغات جديدة، وربما بتقنيات يختلف فيها بعض الشيء، وهو الفنان الذي يؤمن بالتجريب لاكتشاف أفاق معرفة جديدة، لكنه يبقى دائماً أمينا لمبادئه وقناعاته في الحياة كغاية وبالفن كخلاص وبالإنسان كقيمة عليا.


الأستاذ الياس الزيات مع التشكيلي غازي عانا، وفؤاد دحدوح، والسيد سامر قزح في حفل افتتاح معرض «ست سنوات»

إن تجربة الفنان نزار صابور عبر مراحلها المختلفة، هي بامتياز خلاصة تجربة حياتية حقيقية تفيض من مربعاته على شكل مؤثـّرات غنية بإدهاشاتها البصرية، وجملة مشاعر نبيلة تصلنا من بدائية الرسم الذي غالباً ما يفشل بالتعريف بتلك العناصر وماهيتها، أو بالإعلان عنها صراحة، لتبدو أقرب في شكلها وعفويتها إلى رسوم الأطفال المدهشة بتخيّلها وحلميتها تتقاطع مع أيقونات وجداريات الفيّوم، رسومات الواسطي والمنمنمات الإسلامية، تتكرّر هذه المفردات كتعويذات تحيط أحياناً بمحتويات اللوحة على شكل سور يحيطها بإلفة ويحضنها بحب، كما تظهر في كوادر أخرى هكذا بفوضى ولا أجمل، وكأنها تتنافس لحضور أبهى على جدار أبيض ناهض قبالتنا، يذكـّرنا بجدران مدنه الزرقاء التي كان يستحضرها من جنائن مخيّلته، وروحه التوّاقة دائماً إلى كثير من الوجد والصوفية النابعة أصلاً من سلام داخلي ينعكس في لوحاته على شكل تأثيرات أيقونية شرقية على اختلاف موضوعها.


التشكيلي الأستاذ الياس الزيات مع التشكيلي نزار صابور

وفي استعراضنا لتجربة الفنان نزار صابور الغنية بالمحطات التي يصعب اختزالها بمعرض، لذلك هو دائماً يختار لكل معرض أسم يكثـّف فيه موضوعه أو مقولته حين ذاك، وهنا لابد من الإشارة إلى متعة اكتشاف تلك التفاصيل والمؤثـّرات البصرية وتحولاتها في لوحاته تقنياً على الأقل من معرض إلى آخر .. «جسد يهوي فتنهره الروح - بوابات الروح - حياة في الرماد - عنترة زماننا .. واليوم معرض بعنوان ست سنوات نهايات 2016»، وفيها جميعاً دلالات واضحة واجتهاد في سعيه لروحَنة الأشياء من خلال تبسيطها على شكل رموز وإشارات تسبح في فضاءات المشهد الذي يضيق بها أحياناً من رمزيتها وروحانيتها لتحتوي بالنهاية ذائقتنا وحلمنا بمستقبل أقلّ حزناً.

نـــزار صـابــور :

- مواليد اللاذقية .1958
1981 - إجازة في الفنون الجملية - جامعة دمشق .
1990 - دكتوراه فلسفة في علوم الفن – موسكو .
- أستاذ مساعد في كلية الفنون الجملية – رئيس قسم التصوير- جامعة دمشق .
- أكثر من ثلاثين معرضاً فردياً في كل من ( اللاذقية، حلب، دمشق، بيروت، القاهرة، البحرين، الكويت، عمّان ، ليون، موسكو ) .
- شارك في العديد من المعارض الجماعية والتظاهرات الفنية العالمية ( السويد، النمسا، الدانمارك، واشنطن، القاهرة، دبي، البحرين، باريس ، عمّان، فرانكفورت، بالإضافة إلى معظم المدن السورية ) .
- ست مشاركات في بينالات عربية وأجنبية 1995- 2005 .
- نال عدّة جوائز ( الجائزة الأولى في التصوير من بينالي المحبّة الأول 1995 / شهادة تقدير من بينالي الشارقة الثاني 1995 / الجائزة الأولى في التصوير من ملتقى دبي العالمي للفنون 2004) .
- أعمال الفنان موجودة في كلّ من ( قصر الشعب - المتحف الوطني – إضافة لمجموعات خاصة في سوريا /
المتحف الوطني الأردني – عمّان /متحف البحرين / متحف الشارقة /متحف فنون شعوب الشرق – موسكو / صالة أوسكار – واشنطن ) .

غازي عانا- نحات وناقد تشكيلي

اكتشف سورية