الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق تدخل أعماق مغارة أم الرمان في السويداء

ضمن نشاطاتها الخاصة باستكشاف وتوثيق كل المعالم الطبيعية والأثرية في وطننا السوري، قامت «الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق – أنا السوري» بنشاط استكشافي جديد في محافظة السويداء جنوب سورية حيث قامت بإجراء مسير في الطبيعة المميزة الخاصة بتلك المناطق منتصف شهر تشرين الأول 2011.

وقد جرى المسير قرب منطقة «صلخد» ما بين «الحوط» ومغارة أم الرمان وبلدة «عنز» حيث شارك في هذا النشاط ما يقارب من ستين متطوعاً من محافظات دمشق وحلب واللاذقية.

ووفقاً للشاب خالد نويلاتي مسؤول النشاطات في الجمعية، فإن الهدف من النشاط يتمثل في التعرف على منطقة جديدة من مناطق ريف محافظة السويداء، والدخول لاستكشاف مغارة «أم الرمان» والتي يزيد عمقها عن 1700 م بمساعدة الكشافات الضوئية إضافةً إلى كسر الجمود الذي عانت منه نشاطات الجمعية خلال الأشهر الستة الماضية ،وتشجيع باقي المتطوعين لاستعادة ثقة الجميع بقدرة الجمعية على معاودة عملها ضمن الطبيعة، وأخيراً استكمال خطة عمل الجمعية القاضية بتشجيع السياحة الداخلية وخصوصاً ضمن المناطق غير المدرجة ضمن دائرة الإعلام والخدمات السياحية. ويضيف: «انطلقنا من محافظة دمشق باتجاه محافظة السويداء في الخامسة صباحاً حيث وصلنا بلدة حوط بعد فترة. هناك، انضم لنا كل من الصحفي أكرم الغطريف والأستاذ ممدوح فرج المتخصص في علم التاريخ ليكونا معنا كمرشدين من محافظة السويداء. وحال توزيع العتاد على المشاركين وشرح طبيعة النشاط، اجتمعنا بمدير ناحية المنطقة والذي رحب بنا وأبلغنا بأنه سيقوم بالإشراف علينا خلال هذه الجولة وتقديم المساعدة لنا في حال حاجتنا للمساعدة. كما قال لنا في خضم حديثه بأنه يوجد في بلدة حوط مغارة صغيرة فيها نبع ماء الأمر الذي جعلنا نذهب إليها ونوثقها. بدأنا السير في تمام الساعة الثامنة صباحاً حيث كانت النقطة الأولى لمسيرنا هي مغارة أم الرمان التي تبعد عن بلدة حوط مسافة 10 كم».


من أجواء مسير الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق في مغارة أم الرمان بالسويداء

ويضيف بأنه سبق للجمعية أن زارت المغارة لأول مرة في العام 2008 حيث وثقت المغارة بشكل كامل وضمن عدة تقارير نشرت في وسائل الإعلام لجذب الناس لهذه المغارة والترويح لها سياحيا، ويضيف: «بداية المسير كان في منطقة بساتين، ومن ثم دخلنا إلى أرض برية حيث مشينا على أرض منبسطة ذات أفق واسع يصل مدى الرؤية فيها إلى 20 كم تقريباً. لم يعق مسيرنا في تلك الأرض إلا الحجارة البازلتية السوداء ذات الأصول البركانية التي تشتهر فيها منطقة جبل العرب، وكان الجو بشكل عام صحو ولطيف. خلال مسيرنا لم نعانِ من أي مشاكل، كما أن المشاركين كانوا غاية في التعاون والنشاط. في منتصف الطريق أقمنا محطة استراحة لتناول وجبة الفطور ومن ثم تابعنا سيرنا بعد أن سبقتنا فرقة استكشاف لمعرفة الطريق إلى المغارة. وصلنا إلى المغارة في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً».

ويضيف بأن الجميع استعد للنزول إلى المغارة على شكل المجموعات الصغيرة حيث أشرف على تنظيم هذا الأمر الكادر التنظيمي الخاص بالجمعية بشكل لا يتجاوز عدد أفراد كل مجموعة العشر أشخاص. كما جرى توزيع الخوذ البلاستيكية المضادة للصدمات إضافةً إلى التأكد من وجود المصابيح لدى الجميع، يضيف الشاب خالد: «بدأنا بالدخول إلى المغارة حيث كانت واحدة من المغامرات الرائعة التي نقوم بها. أنهينا جولتنا في المغارة في تمام الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر، ومن ثم توجهنا بالحافلة إلى قرية عنز حيث استقبلنا أهالي القرية بحفاوة شديدة وأمنوا لنا كل ما نحتاجه ومكاناً لنستريح فيه (والذي كان إحدى كنائسها) حيث قمنا هناك بتحضير الغداء. بعد ذلك عدنا إلى العاصمة دمشق».

من أجواء مسير الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق في مغارة أم الرمان بالسويداء

مغارة رائعة... إنما مهملة!
ويضيف بأن المغارة تعتبر واحدة من الأعاجيب الطبيعية المميزة في المنطقة حيث يقول عنها: «تعتبر هذه المغارة تجويفاً ممتداً في الأرض حيث هي "مغارة الهوة" وواحدة من مغارات الأساطير. تكونت قبل نحو مليوني عام حيث تقع جنوب محافظة السويداء إلى الشمال الشرقي من قرية أم الرمان بـ 2.5 كم، وهي مغارة بركانية بازلتية يكسوها الكلس وفيها طوالع ونوازل تشكلت عبر آلاف السنين. كما تتميز أيضاً بأنها مغارة "مركّبة"، أي أنها تتألف من مغارتين معاً، مغارة ثانية فوق المغارة الأولى. تشكلت المغارة الأولى منها من الصهارة المندفعة من فوهة بركانية تقع غرب التل الذي أقيمت عليه قلعة «صلخد»، كما يُقال بأن مصدر تلك الصهارة ما جاء من تل "عبد مار"، والذي أتى - بسبب ميل الأرض - تجاه الغرب والجنوب الغربي حيث اندفعت الصهارة في واد عميق بين قرية "الرافقة" وبلدة "ذيبين". هذا الاندفاع استمر في ذلك الوادي لفترة زمنية طويلة ما سمح لعوامل الجو أن تبرّد سطح هذا الوادي الملتهب ما أدى إلى أن يقسو ويتجمد مشكلاً سطح المغارة الأولى. بعد فترة زمنية طويلة، عاود البركان نشاطه، وعاد ليرسل حممه إلى الوادي نفسه لتسيل فوق سطح المغارة الأولى. ومع استمرار السيلان، أدت حرارة المُهْل العالية إلى إذابة سطح المغارة الأولى حيث تشير العلامات إلى أن الاندفاع كان أغزر بكثير من الاندفاع الأول مع جعل مستواه فوق مستوى سطح المغارة الأولى بأكثر من عشرة أمتار، بينما يقدر ارتفاع المغارة السفلى بخمسة أمتار تقريبا. وقد بقي من سطح المغارة السفلى "كتفان" شاهدان على تشكلها يبرزان باتجاه الداخل بعرض يزيد عن المترين أحياناً، وهذان الكتفان المتبقيان من سطح المغارة السفلى يلازمان جانبيها من مدخلها وحتى نهاية القسم المكتشف منها».

من أجواء مسير الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق في مغارة أم الرمان بالسويداء

ويضيف بأنه مع سقوط أجزاء من سطح المغارة، أوشكت المغارة أن تُغلق ضمن أكثر من مكان، وبالتالي غدا السير فيها معقداً وخطراً. ويتابع بأن ظهر مدخل المغارة الحالي ظهر مع انهيار سطحها ليشكل بدوره هوة يصل عمقها إلى 15 ويضيف: «يصل طول المغارة المكتشف حتى الآن إلى 1.7 كم، في حين يتراوح عرضها بين 12 ــ 17 متراً. أما ارتفاعها فيصل إلى 7 أمتار. في منتصفها يظهر مدخلين يميني ويساري كل منهما بطول الآخر، اليساري فيه أوسع، وأتوقع أن يكون طول المغارة الحقيقي حوالي 9 كم! وعن مكونات المغارة، كانت الصهارة البركانية المشكلة للمغارة تحوي كميات من الكلس الذي بدأ بالذوبان مع مياه المطر بعد أن خمد البركان، ثم تسربت تلك المياه عبر تشققات سطح المغارة. وأثناء تسرب كل قطرة، تبخر بعض الماء تاركاً ذرات الكلس تلتصق حول منطقة التسرب ومع الزمن، تكدست الذرات لتشكل نماذج مختلفة من النوازل.‏ ونتيجة لذوبان الكلس المترافق مع البازلت عبر ملايين السنين تسرب الكلس إلى المغارة ليشكل صواعد ونوازل فريدة من نوعها، والمدهش أن تلك الانسياحات قد تلونت باللون الأحمر الصارخ أحياناً تبعاً لنسبة انحلال أكسيد الحديد فيها. لكن استمرار تسرب المياه كان يزيد من حجم القطرة التي كانت تسقط فوق أرض المغارة، فكانت إذا تعرضت للتبخر السريع تكدس الكلس كي يشكل الصواعد (المسلاتية)».

من أجواء مسير الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق
في مغارة أم الرمان بالسويداء

ويضيف بأنه من الملاحظات الخاصة بالمغارة أيضاً هو عدم وجود أي أثر للحياة داخلها سوى الأمتار العشرة الأولى من مدخلها حيث شاهدت المجموعة بقايا الهياكل العظمية التي التهمتها الكلاب والضباع ضمن مدخلها، في حين يتواجد داخل عمق المغارة الكثير من الخفافيش التي تمت مشاهدتها بالعين المجردة من قبل أفراد المجموعة، ويكمل بالقول: «في مقارنة زيارتنا هذه مع الزيارة التي قمنا بها في عام 2008، كان فرعي المغارة بالداخل غير متصلين ببعضهما. أما حالياً فقد اكتشفنا أنه نتيجة انهيار جزء منها أصبح الفرعين متصلان ببعضهما من خلال خندق بطول اكثر من 30 متر، وبارتفاع 50سم. وقد تمكن البعض منا من الزحف بداخله للوصول إلى الفرع الثاني من المغارة وهذا يعتبر اكتشافا جديدا ضمن مغارة أم الرمان».

ويقول بأنه بالرغم من أهمية هذه المغارة الكبيرة، إلا أن التجاهل الكبير كان نصيبها حيث بالرغم من وعود المسؤولين في مديريات الآثار والسياحة في المنطقة لأجل الاهتمام بها، بدا واضحاً وجود تخريب كبير فيها ومحاولات سرقة محتوياتها مع استخدام معدات ثقيلة في تخريبها، إضافةً إلى قيام بعض زوارها بوضع أسمائهم باستخدام البخاخات الكيماوية وإلقاء بعض القمامة ويضيف: «أود أن أدعو الجميع للاهتمام بما تقدمه لنا الطبيعة، وعدم الاستهتار بما أنتجته آلاف بل ملايين السنين وذلك بالحفاظ عليها وتقدير مكنوناتها، والدعوة لمن هم في موقع المسئولية لزيادة الاعتناء بثروتنا وكنوزنا الطبيعية التي تميز حضارتنا، إذ أن ما أنتجته الطبيعة عبر ملايين السنين لا يمكن أن يعوض إلا بملايين السنين».

أحمد بيطار- حلب

اكتشف سورية