من سورية

معبد بعل شمين

مؤتمر الدين والمجتمع في الشرق القديم يستضيفه المعهد الدانمركي في دمشق

30/آذار/2010

سورية قلب الحضارة العالمية القديمة ومصنع الأفكار والديانات والثقافات المتنوعة التي نهلت وتنهل منها الإنسانية نظمها السياسية الاجتماعية والقانونية والثقافية، كانت ولا بد أن تكون مكان اختيار منظمي المؤتمر العلمي الذي عقد تحت عنوان «الاستمرارية والتغير: الهويات الدينية في المشرق القديم» بإشراف ودعم من مجموعة من الجامعات والمؤسسات العالمية، والتي اشترك فيه باحثون وكتاب ومؤرخون وآثاريون من دول عدة تختصر بحدودها أطراف الأرض الأربعة.

ففي رحاب المعهد الدانمركي بدمشق، الذي يتخذ من البيت العريق (بيت العقاد) مقراً له في قلب دمشق القديمة، بالقرب من سوق مدحت باشا بمحاذاة سوق الصوف، اجتمع عدد من الباحثين الذين قدموا من بلاد وجامعات مختلفة ليتدارسوا في موضوع تطور الديانات والهويات الدينية في المشرق القديم وكيفية تطورها ضمن البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي توالت على المنطقة عبر تاريخ تطورها الطويل.

نظمت المؤتمر جامعة أرهوس AARHUS الدانمركية ومعهد ريلجين أند بوليتيك ReligionundPolitik من جامعة ويستفاليش ولهلمس - مانستر Westfälische Wilhelms-Universität Münster في ألمانيا، ودعمته مادياً مؤسستا نوفو نورديسك Novo Nordisk الدانمركية وكارلسبرغ Carlsberg الألمانية.


الدكتور هانس نيلسن
مدير المعهد الدانمركي


افتتاح المؤتمر:
اُفتتح المؤتمر عصر الخميس 25 آذار 2010، وكانت الكلمة الأولى للدكتور هانس نيلسن مدير المعهد الدانمركي بدمشق الذي رحب بالحاضرين وبالتعاون بين المعهد الدانمركي والجامعتين الألمانية والدانمركية، كما تحدث عن نشاطات المعهد الدانمركي في دمشق وخصوصاً المؤتمرات ذات الطابع الأكاديمي والثقافي والسياسي والعلمي. ثم انتقل الدكتور نيلسن للحديث عن المكان الذي يعقد فيه اللقاء وهو بيت العقاد الأثري، الذي يتميز بقيمته الأثرية والحضارية في قلب دمشق القديمة، ودعاهم إلى التجول فيه، ثم تمنى للمؤتمرين النجاح في مؤتمرهم.

ثم تحدث منظما المؤتمر، الدكتورة روبينا راجا Rubina Raja من جامعة أرهوس الدانمركية، والدكتور أخِم ليشتينبرغر Achim Lichtenberger من جامعة مانستر الألمانية عن الخطوط العامة لهذا المؤتمر. ومما قرأه الباحثان في ورقة عمل هذا المؤتمر أن «الموضوع الأساسي للمؤتمر يتمحور حول دراسة النصوص، العمارة، الدين، والعناصر الثقافية والسياسية والدينية وانعكاساتها على العمارة والنصوص والمصادر القديمة، وكذلك على عناصر النحت والزخرفة في الشرق القديم». وأكد الباحثان أن وفرة المصادر حول تلك الفترة تسمح لنا بدراسة حركية وتطور الحياة الدينية والعلاقات التي كانت قائمة بين المجموعات الدينية، كما تتيح هذه المصادر دراسة تتبع استمرارية الهويات الدينية وتطورها وذلك خلال الفترتين الهيلنستية والرومانية من تاريخ الشرق الأدنى القديم.

الدكتورة روبينا راجا من منظمي المؤتمر

وأكد الباحثان أن المشاركات في هذا المؤتمر سوف تتناول موضوع الاستمرارية والتغير في الحياة الدينية في المنطقة في الفترة التاريخية الممتدة بين الغزو الذي قام به الإسكندر الكبير للشرق حتى نهاية الفترة الأموية. وأشار الباحثان إلى أن الدراسات ستركز من جانب على تأثير الاستمرارية والديمومة من ناحية وتأثير التغير من ناحية ثانية على مختلف مناحي الحياة في تلك الفترة سواء على المنتجات المادية وأساليب الحياة الاجتماعية أو على الجانب الثقافي والفكري والديني وتمظهراته المختلفة.

الدكتور أخم ليشتينبرغر أحد منظمي المؤتمر

كما تحدث الباحثان أن المؤتمر يهدف أيضاً إلى البحث في قواعد بناء المعابد والأماكن المقدسة من ثم الكنائس والمساجد المبكرة في المنطقة على ضوء مختلف المؤثرات الثقافية، الدينية، والاجتماعية في الفترتين الهلنستية والرومانية. وذلك من خلال مشاركة عدد من الأساتذة من مختلف التخصصات لاكتشاف الإمكانيات المحتملة وفق التطور الزمني للدراسات التاريخية المتعلقة بالأماكن المقدسة والهويات الدينية. وبهذا أراد المنظمون من خلال طرق البحث العلمي المتكاملة التي يأملون توافرها في المؤتمر أن يفتحوا الباب أمام تساؤلات جديدة تتعلق بالتاريخ الديني والثقافي والسياسي للشرق القديم وتطوره.

ثم قرأ الدكتور أخِم كلمة الدكتور شتيفن ليمان Stefan Lehmann الباحث الألماني الذي تغيب عن الجلسة بسبب السفر، وتناولت الكلمة التي جاءت بعنوان «الأماكن المقدسة: الاستمرار والانقطاع» حيث تحدث عن غاية المؤتمر من حيث مناقشة التغيرات التي طرأت على الهويات الدينية والأماكن المقدسة عبر العصور المختلفة، وهي المسألة الملتبسة والقابلة دائماً للنقاش. ويبقى السؤال: هل يمكن البحث في استمرارية الشخصية والهوية الدينية في ظل تغير مستمر للنظم السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية؟

الدكتور إنغلبرت وينتر يلقي كلمته في المؤتمر

واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة للدكتور إنغلبرت وينتر Engelbert Winter الذي رحب برئيس المركز الثقافي الألماني في دمشق (معهد غوته) وأشار للتعاون العلمي بين ألمانيا والدانمرك في مختلف المجالات. وتحدث الدكتور وينتر عن النشاطات التي يقوم بها معهد ريلجن أند بوليتيك والذي يمتد طيف الأبحاث لديه من أوروبا إلى أمريكا وصولاً إلى آسيا وإفريقيا والعالم الإسلامي، وعن اهتمامه بالآثار والفعاليات التي تركتها جميع الأديان وتأثيرها العميق في مختلف المجتمعات. ثم انتقل الدكتور وينتر إلى موضوع المؤتمر وسؤاله الأساسي: كيف استطاعت المجتمعات في العصور القديمة تطوير الممارسات الدينية في مراحل تاريخية مختلفة وما هي الكيفية الأمثل التي يجب بها تناول مثل هكذا مواضيع متمنياً للمشاركين في المؤتمر النجاح في عملهم.

محاضرات اليوم الأول: أرواح حارسة ورهبان، جمنازيوم وتلال أثرية
إثر انتهاء الافتتاح بدأت الجلسة الأولى من المحاضرات بإدارة الدكتور تيد كايزر Ted Kaizer. وشهد الجلسة انطلاقة لطيفة مع محاضرة الدكتورة الإيطالية التي تناولت موضوع الأرواح الحارسة، حيث ناقشت المحاضرات مسائل معمارية وأخرى تتعلق بعقائد وممارسات المشرقيين القدماء إبان تلك الفترة.

الدكتورة مارغريتا فاسيلا من إيطاليا

«الأرواح الحارسة في كوماجين: الاستمرارية أم التغير؟»، للدكتورة مارغريتا فاسيلا Margherita Facella، إيطاليا:
يركز بحث الدكتورة فاسيلا على «الأرواح الحارسة» التي ظهرت في القانون المقدس المعروف باسم (هييروس نوموس) لأنطيوخوس الأول، الملك الأشهر في السلالة الكوماجينية الملكية الحاكمة. وتناولت الدكتورة في بحثها أمثلة دقيقة حول الأماكن والتواريخ التي ذكرت فيها هذه العناصر الدينية الهامة والدور الذي لعبته في عالم الآلهة في الشرق القديم. وخلصت الباحثة إلى أن تفسيراً مناسباً لهذا الدور قد يعد مدخلاً أساسياً لفهم العناصر المختلفة التي كونت المشروع التوفيقي الديني لأنطيوخوس الأول حيث تم مزج العناصر الدينية الهيلنستية والإيرانية مع بعضها للخروج بمنتج عقائدي جديد. كما أنه قد يؤدي إلى التساؤل عما إذا كانت هذه العناصر الدينية تمثل استمراراً للعقائد الدينية القديمة في منطقة كوماجين أم تنم عن تحول فيها؟. لقد اعتمدت الباحثة في طرحها هذا على عدد كبير من اللقى الأثرية التي وجدت في المعبد المعروف باسم «نمرود- داغ» شرق تراقيا، ومن صرح أرساميا على نهر الفرات. ونوهت الباحثة إلى أن كلمة «الروح الحارسة» قد وجدت في النصوص عدة مرات، وأنها قد تطورت من كائنات أسمى ذات قوى مختلفة، لتصبح مرشحة لأن ترتقي كي تصبح من الآلهة، كما أنها تحدثت عن الوظائف الحمائية أو السياسية التي لعبتها في حياة البشر. وبينت أن هذه العناصر الروحية كانت أقرب إلى حياة البشر العملية مما ساهم في شهرتها وانتشارها بعيداً عن الآلهة الساكنة في عروشها الكونية.

الدكتور فرانك داوبنر من جامعة شتوتغارت بألمانيا

«الجمنازيوم خلال الفترتين الهيلنستية والرومانية في الشرق الأدنى: بين التكامل والانعزال»، للدكتور فرانك داوبنر Frank Daubner، جامعة شتوتغارت، ألمانيا:
تناول بحث الدكتور داوبنر الجمنازيوم (البناء المخصص للرياضة والاستحمام) في الفترتين الهيلنستية والرومانية، حيث يعتبر الجمنازيوم مركزاً لاجتماع المواطنين في المدينة اليونانية. ويشير الدكتور داوبنر إلى مساهمة الجمنازيوم في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية والدينية للمواطنين القاطنين في تلك المدن، مما دفع عالماً مثل لويس روبرت إلى تسميته بالأغورا الثانية، حيث يمكن اعتبارها بشكل ما مصنعاً للمواطنة في المدن الهيلنستية التي ازدهرت في منطقة الشرق. وتابع المحاضر أنه على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة على انتشار الجمنازيوم في سورية إلا في حالة مدينتين، هما «لاوديكيا» (اللاذقية) و«دفنة»، فإن المدن غير الإغريقية النشأة كان يمكن أن تبني الجمنازيوم فيها بعد الحصول على إذن من الحاكم، كما في مدينة صور على سبيل المثال. وأشار الباحث داوبنر إلى أن بحثه يقوم على معرفة القواعد التي بنيت وفقها منشآت الجمنازيوم سواء في المدن الإغريقية أو غير الإغريقية النشأة والتي ظهرت فيها لاحقاً عناصر الثقافة الهيلنستية الشرقية.

وبعد فترة استراحة قصيرة، انتقلت المحاضرات بنا إلى علم الآثار والتنقيبات التي أجريت على بعض الأماكن في سورية، سواء في المنطقة المعروفة بجبل خالد أو من خلال البحث عن الزي الذي ارتداه الرهبان والكهنة في سورية القديمة.

الدكتور جرايم كلارك من جامعة أستراليا الوطنية

«معبد جبل خالد: الاستمرارية والتغير»، للدكتور جرايم كلارك Graeme Clarke، الجامعة الأسترالية الوطنية، أستراليا:
تناول الدكتور كلارك في محاضرته سيرته الذاتية في التنقيب الذي أجراه في جبل خالد "أو ما يعرف بـتل القطار"، والذي يقع في شمال سورية ويبعد 30 كيلومتراً عن مدينة هييرابوليس الأثرية (منبج، ويتوضع التل الأثري على الضفة الغربية لنهر الفرات في نقطة عسكرية استراتيجية كبقايا مستوطنة ذات طابع عسكري تعود للفترة اليونانية المتأخرة. وقد بدأ العمل على تأسيس معبد جبل خالد في الربع الثالث من القرن الثالث قبل الميلاد، ويدل تصميمه على مزيج من الأساليب الهيلنستية والمحلية التي تعود في نماذجها إلى منطقة ما بين النهرين.

وتحدث الدكتور كلارك عن الأجزاء التي بقيت من المعبد، حيث فقدت العديد منها نتيجة عوامل التخريب والعوامل الطبيعية، مثل ارتفاع منسوب نهر الفرات في فترات تاريخية مختلفة، كما وصف أعمال التنقيب التي قام بها وأهم الأجزاء التي أمكن تحديدها. وتابع الدكتور بأن المكان فقد أهميته العسكرية في سبعينيات القرن الأول قبل الميلاد، وحافظ على مكانته كموقع مقدس، واستمر في لعب هذا الدور قبل أن ينهار نهائياً في خضم القرن الثاني للميلاد.

الدكتور تيد كايزر رئيس الجلسة في اليوم الأول

«صور الكهنة في شمال سورية خلال العصور الرومانية»، للدكتور مايكل بلومر Michael Blömer، جامعة مانستر، ألمانيا:
تحدث الدكتور بلومر في محاضرته عن الصور والرسومات التي تظهر الكهنة الذين شغلوا مناصبهم الدينية الرفيعة في النظام الديني الاجتماعي لشمال سورية خلال العصور الرومانية، والتي وصلت إلينا من خلال كتاب لوقيانوس السميساطي «الإلهة السورية». تظهر التفاصيل التي تناولها الكتاب وصف الكهنة في مدينة هييرابوليس (منبج) المقدسة في شمال سورية، وكذلك في مناطق أخرى مختلفة من البلاد. كما استند الباحث أيضاً في وصفه على الرسوم والنقوش التي تظهر الكهنة من مدينة دولخة الشمالية التي اكتشف فيها تل أثري كبير أظهر الكثير من النماذج الدينية التي كانت تدير الحياة الدينية في المنطقة إبان تلك الحقبة. وركز الباحث على الطريقة التي كانت تظهر الكهنة آنذاك، سواء في تعبداتهم المختلفة، أو طريقة ارتدائهم لملابسهم ونوع الملابس التي كانت تميزهم، والقبعة المتطاولة التي رمزت لهم في العديد من المناطق السورية.

جدير بالذكر أن المحاضرات شهدت نقاشات متنوعة، ومداخلات من قبل الباحثين، وأسئلة لم تكن تقابل دائماً بالرد المرضي، مما يدل على سعة المساحة المجهولة حتى الآن، حول تاريخ سورية القديمة والحضارات التي عاشت على أرضها.


محمد رفيق خضور
تصوير: عبد الله رضا
اكتشف سورية

طباعة طباعة Share مشاركة Email

المشاركة في التعليق

اسمك
بريدك الإلكتروني
الدولة
مشاركتك