جزيرة أرواد

19 شباط 2012

أرادوس

الموقع:
تتميز أرواد بموقع استراتيجي فريد قبالة الشاطئ السوري، كونها الجزيرة الوحيدة الآهلة بالسكان وتبلغ مساحتها حوالي 20 هكتاراً. وتقع الجزيرة مقابل شاطئ مدينة طرطوس على بعد حوالي 3 كم إلى الجنوب الغربي (الشكل1)، وتتكون من توضعات طينية حديثة تعود للحقب الجيولوجي الرابع، وتغطي صخوراً رملية تعرف بـ «حجر الرملة»، وترسم هذه الصخور عند التقائها بالبحر شرفات وجروفاً ساحلية، كما يمتد لسانان صغيران على طرفي الجزيرة، وتحيط بالجزيرة مجموعة صغيرة من الجزر تُعرف باسم «بنات أرواد» (الشكل2).


الشكل1: موقع جزيرة أرواد على خارطة سورية

بداية أعمال التنقيب الأثري:
إن الموقع الاستراتيجي للجزيرة جعل منها مطمعاً للغزاة منذ بداية استيطانها، وبالتالي كانت الجزيرة ظاهرة للعيان، مع توجه الأنظار لها مع بداية الحملات الصليبية، وكان الامير الأرميني هايتون قد اقترح على البابا كلمينت الخامس «Clément V» أخذ الجزيرة لجعلها مركزاً وقاعدة بحرية في حروبهم ضد المسلمين في مصر، وتعود الكثير الكثير من البقايا الأثرية الحالية لتلك الفترة. وأثناء الاحتلال العثماني تم إدخال العديد من المنشآت الجديدة لا سيما في مكان القلعة، كما تم احتلالها من قبل البحرية الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918).

الشكل2: من أرشيف المعهد الفرنسي لآثار الشرق الأدنى (1932)

تعرضت الجزيرة للكثير من أعمال التخريب لا سيما خلال وجود البحرية الفرنسية وتم نقل الكثير من البقايا الأثرية إلى أوروبا كما هو الحال بالنسبة للكثير من المواقع الأثرية السورية. ويمكن القول أن الأعمال الأثرية الأولى ضمن الجزيرة كانت متربطة ببعثة رينان[1]، فقد ذكر أنه كي تكون أعمال البعثة كاملة وناجحة على الساحل الفينيقي يتوجب التفكير بعمل أربعة مواسم تنقيب في أربعة مراكز رئيسية وهي: أرواد وعمريت وصيدا وصور[2].

كما أشار رينان أنه في عام 1861م قام بعمل مسح أثري للبقايا التي كانت ظاهرة في الجزيرة إلى جانب أعمال تنقيب في موقع عمريت المقابل للجزيرة على اليابسة، وقد تم العثور على الكثير من اللقى والبقايا الأثرية خلال أعمال التنقيب، والتي نقل قسم كبير منها إلى خارج سورية من قبل رينان وغيره.

تابعت دائرة آثار طرطوس فيما بعد الأعمال الأثرية في الأماكن المتاحة ضمن الجزيرة لإلقاء الضوء على الجوانب التي لا تزال مجهولة فيما يتعلق بتاريخ القلعة، لا سيما في الأماكن المأهولة والتي يصعب فيها إجراء أعمال تنقيب، وهنا تأتي الصدفة لتلعب دوراً هاماً في الكشف عن بعض خباياها. ففي عام 1983م تم الكشف عن قطعة حجرية تحمل كتابة يونانية مؤرخة على العصر الروماني إلى جانب حجر آخر بازلتي ورخامي يحمل أيضاً كتابة يونانية من خمسة سطور من فترة الإمبراطور تيبريوس[3]. كما قامت الدائرة بالعديد من أعمال الترميم وإعادة التأهيل للأبنية الظاهرة كالقلعة وأبراجها والأسوار التي كانت تظهر بوضوح خلال الثلاثينات من القرن العشرين (الشكل3) وغيرها من الأبنية التي لا تزال شامخة حتى الوقت الحاضر.


الشكل3: من بقايا الأسوار في جزيرة أرواد

لمحة تاريخية:
إن آثار الاستيطان الأولى للجزيرة غير معروفة لا سيما وأنها تتألف من طبقات صخرية متراصة فوق بعضها البعض، ومن جهة أخرى هناك صعوبة في إجراء إعمال تنقيب داخل الجزيرة كونها مأهولة، إلا أن بقايا الاستيطان على اليابسة القريبة تعود للعصر الحجري الحديث. ومع ذلك يرد ذكر أرواد في الكثير من المصادر، وما هو مؤكد لدى الوسط العلمي أن البقايا الأثرية ضمن الجزيرة ترقى للألف الثاني قبل الميلاد، وشكلت أرواد آنذاك مدينة مزدهرة ووقعت تحت نفوذ صور الفينيقية، ثم ما لبثت أن استقلت عنها وقامت بتأسيس مستعمرات خاصة لها، كما تمكنت من التوغل في الداخل وأنشأت معابدها وقلاعها مثل معبد حصن سليمان (بيتوخيخي). وفي سياق آخر نذكر فرضية رينيه دوسو «René Dussaud» الذي تحدث أن قلعة صلاح الدين (سيون)[4] هي إحدى القلاع التي كانت تابعة للجزيرة بالاعتماد على ما ورد عند المؤرخ الإغريقي أريان «Arrien» عند ذكره لجزيرة أرواد وماراتوس وأنهما من المدن الكبرى خلال نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، إلى جانب سيون ومريمين وكل المناطق التي تقع تحت سيطرتهما.

وتسمية «أرادوس» (اليونانية) أو «آراد» (الفينيقية) تعني «الملجأ»، وتوجد عدة أماكن أخرى تحمل هذه التسمية، مثل أرادوس على ساحل فلسطين وأخرى على الساحل الإِفريقي. ويذكر بلّيني وجود أرادوس في جنوب كريت، كما ويذكر في وصفه الخليج العربي:«وقبالة الجرهاء (على ساحل الأحساء) جزيرة تيلوس، وهذه الجزيرة بعيدة بأميال عن الساحل وتشتهر باللؤلؤ، وفي الجزيرة مدينة تحمل الاسم نفسه وعلى مقربة منها جزيرة أخرى باسم أرادوس».

ويذكر استرابون اسم جزيرة أرادوس في الخليج العربي ويقول :«إِن فيها معابد تشبه معابد الفينيقيين»، ويذكر بطليموس الجزيرة بصيغتيها (أرادوس وأرثوس). في جميع الاحوال فإن أرادوس الساحل الفلسطيني تخص فينيقية، والبقية هي أماكن كان يتردد إِليها الملاحون الفينيقيون بحكم نشاطهم البحري والتجاري في الخليج العربي. ويرى استرابون في أثناء شرحه لـ «أوديسة هوميروس» أن الذين بنوا أرواد هم مهاجرون من صيدون وهذا ما يسوّغ معناها «ملجأ الهاربين»[5].

أما بخصوص أصل سكان الجزيرة فهناك الكثير من الفرضيات التي طرحت حول ذلك، فهناك من الباحثين من تحدث عن قدومهم من الخليج الفارسي مثل دوسو، في حين أعادهم دونان «M.Dunand» إلى الهجرات العمورية الأولى التي تعود إلى نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد، حيث استوطن العموريون سواحل البحر المتوسط وهي الفرضية الأصح[6].

وكما ذكرنا سابقاً، فإن تاريخ بداية استيطان الجزيرة غير معروف حتى الوقت الحاضر، وهناك من ذكر أن الجزيرة كانت مسكونة خلال فترة الألف الثالث قبل الميلاد، غير أنه لم يتم اكتشاف أي دليل على ذلك حتى الوقت الحاضر. بالمقابل أثبتت الأبحاث وجود الأرواديين في أوغاريت، إلى جانب المدن الفينيقية المعروفة في تلك الفترة مثل بيبلوس (جبيل) وبيروت وصيدا وصور، وظهر اسمها ضمن النصوص المسمارية الآشورية والمصرية.

ففي نهاية الألف الثاني قبل الميلاد تعرضت المنطقة لهجوم شعوب البحر، وبالتأكيد كانت المدن الساحلية وفي مقدمتها أوغاريت أكثر المدن التي تعرضت للتخريب، ويذكر أن أرواد لم تتأثر كثيراً بهذا الغزو ونتيجة لذلك غدت من أبرز مدن الساحل على الإطلاق، إلا أنها خضعت للملك الآشوري تغلات بلاصر الأول (1112-1074 ق.م) ثم آشور ناصربال (883- 859 ق.م). غير أن الأرواديين استردوا معنوياتهم واتحدوا مع ملوك سورية الآراميين عام 854 ق.م ليحاربوا جيش شلمانصر الثالث الذي تمكن فيما بعد من فرض الغرامات على أرواد. وفي عام 727 ق.م استعان شلمانصر الخامس بأسطول أرواد، وفي عام 650 ق.م أعلن ملك أرواد الخضوع لآشور بانيبال ملك آشور.


الشكل4-أ: نماذج من القطع النقدية المكتشفة في جزيرة أرواد

في عام 539 ق.م أصبحت أرواد جزءاً من الإمبراطورية الأخمينية الفارسية وغدت الولاية الخامسة، وسمح لها بممارسة الحكم الذاتي ودفعت بأسطولها إلى جانب الفرس في حربهم ضد الأثينيين في معركة سلاميس عام 480 ق.م، وعند غزو الإسكندر المقدوني البلاد عام 333 ق.م قدمت أرواد الخضوع له لكنه لم يغزُ الجزيرة بل أعطاها استقلالاً ذاتياً، وأخذت أرواد تسك النقود باسم الإسكندر.

الشكل4-ب: نماذج من القطع النقدية المكتشفة في جزيرة أرواد

لعبت المدينة دوراً هاماً في عهد الامبراطورية المقدونية وبنيت فيها أحد أهم ورشات صك النقود وغدا مركزها أحد المراكز الرئيسية لإنتاج التترادراخما باسم الإسكندر ووفق أنماطه حتى وفاته.

الشكل4-جـ: نماذج من القطع النقدية المكتشفة في جزيرة أرواد

كان لأرواد شأن مهم في النزاع بين البطالمة والسلوقيين لهذا منحها أنطيوخيوس الثاني استقلالها ليضمن مساعدة بحريتها وتمتعت وقتها بامتيازات المدينة الحرة. واعتبر العام 259 ق.م نقطة بدء التأريخ لديها. وتدخل الأرواديون في نزاع السلوقيين بين بعضهم حيث وقفوا إلى جانب سلوقس الثاني، واضطر أنطيوخيوس الرابع إلى إخضاعهم بعد مقاومة، ثم تحالف معهم، وأعاد أنطيوخيوس السابع إلى أرواد حريتها ليكسب مساعدتها[7].

دخلت سورية بعدها في ظل الاحتلال الروماني ومع ذلك حافظت على استقلالها إلى حين القطيعة بين بومبيوس وقيصر وبدأت تضعف قوتها لا سيما مع ظهور أنترادوس (طرطوس) لتحل محلها وتغدو تابعة لها. وقبيل الفتح الإسلامي شكلت أرواد قاعدة بحرية بيزنطية حيث تم تحريرها عام 676 م من قبل معاوية بن أبي سفيان، وخلال العصور الإسلامية اللاحقة عادت الحياة للجزيرة من جديد، وغدت محط الأنظار، خصوصاً مع قدوم الحملات الصليبية كما ذكرنا سابقا، لتبقى بعد ذلك تحت الاحتلال العثماني، ومن ثم الاحتلال الفرنسي، حيث قام المستعمرون الجدد بتحويلها إلى معتقل للثوار حتى جلاء الفرنسيين عام 1946م [8].

إن البقايا الأثرية الأقدم ضمن أرواد لا تزال دفينة، وهناك الكثير من الأمور التي ما تزال مجهولة حتى الوقت الحاضر، حيث أن أغلب المعلومات التاريخية المعروفة عنها تعتمد في الكثير منها على القطع النقدية التي تم العثور عليها (الشكل 4) لا سيما وأنها كانت من أهم مراكز صك النقود خلال العصر الهلنستي، ويمكن القول أن محيط الجزيرة يشكل مصدراً هاماً للمعلومات في ظل استحالة القيام بأعمال التنقيب ضمنها، وذلك من خلال إجراء أعمال مسح أثري تحت سطح الماء وإمكانية تأهيل الكوادر وتطوير التقنيات والمعدات اللازمة للآثار الغارقة تحت الماء، وهذا غير ممكن الحدوث في الوقت الراهن.

الحواشي:
[1] رينان: مؤرخ وكاتب فرنسي ولد عام 1823 وتوفي عام 1892م، له العديد من المؤلفات في الدين والفلسفة والتاريخ، زار العديد من البلدان بدءاً من عام 1860م، مثل لبنان وسورية ومصر وآسيا الصغرى واليونان، وخلال زيارته لسورية ولبنان قام بالعديد من أعمال الاكتشافات الأثرية، خصوصاً ما يتعلق بالساحل الفينيقي وله العديد من المؤلفات حولها. بخصوص رحلاته وأعماله راجع:
DUPONT-SOMMER A; 1973, Ernest RENAN et ses voyages, in compt-rendus des séance de l'académie des inscriptions et belles lettres, 117e année, N4, pp. 601-618.
[2] RENIER L; 1861, Mission scientifique de E RENAN en Orient, in compt-rendus des séance de l'académie des inscriptions et belles lettres, 5e année, pp. 34- 44.
[3] للمزيد حول المكتشفات يمكن مراجعة:
شعث، شوقي: 1966، المكتشفات الأثرية الأروادية، الحوليات الأثرية السورية، م 16، ج 1، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق.
[4] DUSSAUD R ; 1896, Voyage en Syrie (1895 et 1896), Revue archéologique, 12, Paris .
[5] هيكل، محمد رئيف: أرواد، الموسوعة العربية، م 1، دمشق، ص 970.
[6] RENIER L; 1861, p. 50.
[7] DUYRAT F; 2005, Arados hellénistique étude historique et monétaire, Beyrouth, p. 248 et après.
[8] للمزيد يمكن مراجعة:
الأسود، بكري: 1964، جزيرة أرواد صخورها البحرية ومراسيها، الحوليات الأثرية السورية، م 14، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق.


إعداد: همّام سعد

اكتشف سورية

Share/Bookmark

صور الخبر

جزيرة أرواد

موقع جزيرة أرواد على خريطة سورية

بقايا الأسوار في جزيرة أرواد

بقية الصور..

اسمك

الدولة

التعليق

كنان:

سوريا حلوة بس نتمنى اهتمام اكتر بالسياحة بتخصيص ميزانية كبيرة مشان نجمل المناطق الاثرية المهجورة

SYRIA