فضاء نزار صابور

معرض الفنان نزار صابور في صالة المركز الثقافي الفرنسي
بين الورد والرماد، وحفريات الأيقونة

فضاء نزار صابور

- 1 -
إنها لوحات فنية طالعة من صبابات الروح وغوايات العالم وحرائق الذات. وكل ما يجعل الإنسان تواقاً إلى حياته وحريته، وإيمانه وبراءته، وقداسة وجوده، وحتى ذهابه إلى العدم. وكأن الفنان التشكيلي نزار صابور يرى بعين صافية في الفجر، كي يحتفي ويحتفل بالرؤيا التي يستبصرها، ويقدمها لنا في لوحات كبيرة، فيها عودة من السماء إلى الأرض أصل البلاء، وكأنه يحسم الصراع القديم في جسده وروحه. ليجتاحه صراع جديد يعبر عنه بقوة وروعة وبداهة، ووعي ولا وعي، للوصول إلى جذوره، وإلى آثاره، وإلى ينابيع روحه الدفينة، في رهان غير مأمون بين الضوء والعتمة، ثم بين النور الذي يرشح في لوحاته قوياً متوهجاً، أو شحيحاً نائساً، كما هو الآن في لوحات التراب والفحم والرماد، دون أن ينطفئ، فإن شعل الحياة مازالت تتلظى وتلتهب، بالأحمر ومشحاته. وهو يرى ويحلم بأن شيئاً ما إيجابياً سيكون، لكن الآن لا شيء سوى شبهات الكابوس غير المتشابه، في لوحات يرسمها وكأنه مغمض العينين. فهو بعد رؤية الخارج كثيراً، وتزين المرئيات واللامرئيات، ينظر إلى دخيلته، ويقدح شرارات مخيلته، كي يكون على بينة من أمره، ومن شؤونه، وشجونه، وأمور فنه، وتعقيدات حضوره وحركته في عالم عنفي لا يرشح منه سوى الدم والحرائق. وماذا سيكون شأن الفنان حين ذاك، سوى استبطان روحه، والذهاب إلى التعبيرية المقفولة وشبهات التجريد، ليصور ما يريد ويرغب تصويره في لوحاته، مستفيداً من البيئة وموادها في تبييئ لوحاته. وكأننا نفتقد عند نزار التغريب الذي يسود الفن التشكيلي الآن. حيث يرى إلى مادة الخشب الحية ويعالجها، وإلى الرمل والغراء، ومواد أخرى، لتوظيفها في استكمال وتحويل لوحاته من قرابات العتم إلى قرابات النور، إلى البراءة والإشراق.

ولا يدخل في روع نزار صابور منذ أزمنة طويلات سوى الوصول إلى مجريات روحه. فهو غامر في الأبواب القديمة، وفي أشكال المدائن الخرافية التي رسمها وكأنها مدائن أسطورية، أو مدائن النحاس، وذهب إلى حفريات الأيقونة، وصهرها في دخيلته واستحدثها بأن أحدث ثورة فيها، وقد مزجها بعناصر الفن العربي الإسلامي. وهو ماس البيزنطية والفن الإسلامي. يستدخل النور ويستخرجه على السطوح والفضاءات التي يحمحم ويحتدم فيها، دون أن يغرق في الفانتازيا، إلا بمقدار ما تساعده على اجتراح نصه التشكيلي، ومغامرته وكفاحه في تحقيق الرؤيا الجمالية التي يرتئي ويرغب في الحصول عليها، من خلال حوار وترويح وترويع العناصر التي ينكب على زراعتها وتوطينها في لوحته، كما لو أنه - دون أن يدري - ذهب إلى الحداثة وما بعدها، في تفكيكية حاسمة، يرى إلى تفريد تقاسيمها، ثم عزيفها جماعياً، وتنويع وتدويم إيقاعاتها، وترسيخ الموسيقى في جمهورية صمته وجهره، للوصول إلى هارموني يناور ويداور للوصول إليه عبر لوحاته وشبهات أيقوناته. إنه لا يكل ولا يمل من الغرق والاستغراق في فضاءاته النورانية تلك، والتقاط ما يتراءى فيها من نقاط الضوء والنور، ومن حيثيات ما يتلامح ويتلامع في بصره وبصيرته، للحاق بأنفاسه التي تتهادى، تتموج وتترقرق وهي تنغل وتتغور في جغرافية اللوحة، وفي تضاريسها، وعبر جيولوجيا أعماقها، وربما في احتواء تراكماتها وأنقاضها وردمياتها، وبنائها جمالياً من جديد. إنه في كل مرحلة ومعرض، يشهد الفنان بصراً وبصيرة، على نفسه وعلى العالم، ويشحذ خياله وتصوراته كأنما للبدء من جديد. كذلك لاستعارة واستعادة ما لا يستعاد سوى بطبخه من طزاجة مواده. وما بين النيئ والمطبوخ في العناصر التي يبزغ ويشرق فيها، تتألق لوحاته، تتوهج وتحضر من إيقاعات الروح، إلى إيقاعات الجسد، إلى هارموني يفيض ويبحر فيها من وعي الفنان ولا وعيه على حد سواء!

- 2 -
إن ما يحفل به الفنان نزار صابور هو ما يحفل به غيره، لكن ما يستخلصه من هذه الجواءات والمناخات، هو ما يستخلصه وحده من خلال معالجة أشكاله وألوانه، وصياغتها على شاكلة رؤياه، والجدل والتشاكل معها، باحثاً في فوران وثورات قلقه وأرقه وسهاده عن اليقين، عن الطمأنينة والهدوء والسكينة، وعن استثمار الضيء، بعد احتراقه تحت شموس نهاراته الداخلية القائظة. وكأنه يتصيد ذباب الضوء الذي يتراءى له ويبعثره في لوحاته، عبر مشحات لونية، يخصبها ويرويها، ويكثفها ويلطفها حسبما يرغب ويريد، إنه يتلاعب، ويتلاغى، ويتناغم في الألوان، في اشتقاقاتها وكيماوياتها، وفي العناصر في تصاديها وتنافدها وتناضخها، وكأنه يرسم العلائق اللامرئية فيها، ويكثر من الرقي والتعاويذ، ومن الإشارات والعلامات، والرموز والدلالات والإيحاءات التي يقصد أن يجمعها في فضاءاته الطليقة، فضاءاته الجوانية والبرانية، وجدليات خفائه وتجليه. كذلك في اختمار وتكثيف وتقطير تجربته التي تصل إلى مجموعة ذرا، وليس إلى ذروة واحدة. حيث يؤلف أبجديته المنظورة واللامنظورة، ويهرب في مراياه المتقابلة المتقاطعة التي تعتكس فيه ويعتكس فيها، ما بين الحضور والغياب والفوق والتحت، وفي اخضرار الحب والإيمان وازرقاقه، وحتى احمراره، وهنا في سواده ورماده، وكأنه يتناثر رماده على أرض باردة أو ملتهبة. فمن المؤكد أن الجمر يتجمع ويتحفز تحت الرماد!

والكهان والكائنات في لوحاته يتوضعون في المذابح والفراغات. يتجمعون ويتفرقون، بمواعيد ودون مواعيد. ويحطبهم الفنان من غاباته، ويصل بهم إلى الأثير. ويغسلهم بالضوء والنور، ويغدق عليهم غفلات التراب. وما بين الصعود والهبوط، يتراءون كبيادق شطرنج على رقعة العالم. تتضافر أرواحهم، وتتلاشى، وهم يلوبون في بحثهم عن الخلود عن الديمومة، وعن تبديد الزمان الذي يهلكهم، لكن لا حول لهم ولا طول، فهم في مقام الانتظار والترقب، وفي مقام الوجود والعدم، ولا منجى لا فرار مما هم فيهم. ويتقمص نزار مقاماتهم تلك، ويعاين ويعاني معاناتهم الإنسانية الراعفة الراعبة!

وكأن ما يؤثر عن نزار أنه فنان أيقونة، وثورة شكلية ومضمونية وجمالية في صيرورتها التي آلت إليه على يديه ويدي بعض مجايليه أو من سبقه مثل إلياس زيات. إلا أنه ليس كذلك فقط، فهو يتبارى مع نفسه دائماً في اللوحة. كما أنه ذهب إلى الإنشاء والتجهيز، من شغف حضاري بإمكان الجماليات المحلية أن تتجلى فيه. ونجح في استدراج حساسيات ومشاعر غافية، وأيقظ الكثير من الرؤى. وتطارح وتجارح الكثير من العناصر والمعطيات، حتى وصل إلى ما وصل إليه، من لوحة تشبهه وتشهر معه، لاتبارحه، ومغموسة بطوالعه ونجومه وأبراجه، وأساطيره وخرافاته وأحلامه وخيالاته وتصوراته، وأيقوناته. مغموسة بدمه وروحه وجسده، وهي تأكل الألوان وتشربها كما يأكل ويشرب. فلوحته حية، متوترة العصب متواترة، متوقدة، حميمة، ودافئة، كما لو أنها حبيبة أو معشوقة. وهي حتى لو كانت سوداء، فهي مليحة في خمار أسود. وما ذكريات الحرائق والرماد إلا فتنة وعذوبة جمالية. يدركها نزار ويستدركها. ويتجارفها ويتضايفها إلى جواءاته الجمالية!

وللفنان الحق دائماً في التجريب والتجريد، وفي استظهار الأشكال ومحوها، أو في استنساخها وتحويرها، وتحويلها وإزاحتها، كما هي الآن في لوحاته. إنه يستدخلها في معماره الجمالي، البنائي والغنائي. ويكونها من صلصال، من حمأ مسنون. وكأن شبهة العناصر فيها أعادتها إلى الأصول. وكأنه يعلم أن الرؤوس نار، والصدور هواء والبطون ماء والسيقان تراب. وهو يغير في منازل هذه العناصر، ويختزل إلى الجذع والرأس، ويزوج المستقيم إلى المنحني، والنقطة إلى الدائرة، خالقاً مجرة تشكيلية غفيرة النجوم والشموس والأقمار والكواكب السيارة، وهو يخمد الكثير من أقواس قزح في لوحاته، ويعصف ويتهادى، ويعنف ويرق، حتى تتكلم لوحته بنغم الألوان، وألوان النغم، وحتى تبث موسيقاها النورانية والهوائية على نظرنا ومسامعنا، وحتى تخترق كثافة أجسادنا، وتصل إلى عمق أعماق أرواحنا الرهيفة الشفيفة، والتي ترهف وتشف أكثر فأكثر، من خلال ما ترى وتستبصر من جماليات تترأرأ وتستضيء، حزينة أسيانة، تقوى وتخف وتتعالى في الأثير، كما لو أنها ذاهبة إلى النسيان العاطر الدفيء.

كان يمكن البحث عن نزار صابور في غير لوحاته مثلاً، في المنامات التي يجسدها، وفي الشاعرية التي يستمطرها، وهو يزوغ ويغيب. لكن، ولأنه يتمظهر في لوحاته عبر الألوان والأشكال والفضاءات والأنوار، فما علينا سوى تتبع ظلاله فيها، ومحاولة تثبيت بورتريه جمالي له من خلالها. وهي عملية ليست هينة، فنزار غنوصي، أو صوفي، وباطني إلى كونه إشراقياً. وكل طقوسياته وتجاريبه تبدو وكأنه يريد العثور على الحجر السحري الذي يحول كل شيء إلى ذهب. وهو عثر عليه في لوحاته، واستثمر الذهب. لكنه نسي أين الحجر السحري، فزرع الحجارة الذهبية. وهو في حالة بحث وتفتيش، ويجد دائماً ما يبحث عنه، لكنه يفتقده بطريقة ما، فيتابع بحثه، دون استراحة محارب أو فنان إلى الآن. إن هذيانه اللوني سفر ذاتي، وسفر في كيمياء المجهور، ولا ينتهي ولا يتناهى، من لوحة كبيرة إلى أخرى. فالاستبطان التشكيلي الذي يمارسه، والكهربة والمغنطة مع عوالم الأيقونة، وقداستها، تدفعان به إلى غموض وغيمومة وانطماس، يوحي من خلال ذلك، ويؤشر ويدل، أكثر مما يسمي ويسرد. وهو ما بين الخفاءات والظهورات، مازال يتشاكل ويتراسم الفراديس التي يرغبها ويحلمها!

ـ معرض الفنان نزار صابور
ـ صالة المركز الثقافي الفرنسي
ـ 30 لوحة كبيرة ملونة ومواد مختلفة
ـ 4/12/2003


زهير غانم